
إدريس القري
حين يحتفل المغرب بالكتاب وينسى سياسة القراءة
افتتح المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط أبوابه هذه السنة في لحظة رمزية قوية، فقد أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل تنظيم الدورة الحادية والثلاثين بفضاء OLM السويسي ما بين 30 أبريل و10 ماي 2026، وجعلت فرنسا ضيف شرف كما احتفت بابن بطوطة، وربطت الدورة باختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026. يضيف هذا التزامن إلى معرض هذه السنة هالة دولية لا يستهان بها، فحين تختار اليونسكو مدينة ما عاصمة للكتاب، فإنها لا تمنحها وساما فقط، بل تختبر قدرتها على تحويل الكتاب من زينة موسمية إلى حق يومي في المعرفة. وقد قال الوزير إن الرؤية تروم إخراج القراءة من “الجدران المغلقة” إلى الحدائق والمقاهي والساحات، وجعل الثقافة قطاعا منتجا للثروة وفرص الشغل.
يحق للمغرب الفرح ببعض ما تحقق. فقد كشفت معطيات الدورة عن مشاركة 890 عارضا من 60 بلدا، وعن عرض أكثر من 130 ألف عنوان، وعن تنظيم أكثر من 200 فعالية بمشاركة 720 ضيفا من المغرب والخارج. ([الجزيرة نت][3]) كما يحسن المعرض حين يكرم بائعي الكتب المستعملة، أولئك الذين صنعوا، بصمت الفقر ونبل الظل، جزءا من ذاكرة القراءة المغربية. ويحسن أيضا حين يجعل ابن بطوطة علامة على الرحلة بوصفها معرفة، لا سياحة في الأمكنة فقط. فالكتاب لا يكتفي بأن يصف العالم، إنه يدرّب الإنسان على أن يسكنه بوعي. لذلك قال “فرنسيس بيكون” في عبارة صارت مرآة للحداثة: “المعرفة قوة”، لكن القوة هنا لا تعني السيطرة وحدها، بل تعني القدرة على الفهم، والاختيار، ومقاومة التفاهة.
غير أن الاحتفال بالكتاب لا يعفي من مساءلة سياسة الكتاب. ينجح المعرض في جمع الناشرين والقراء والفضوليين لكنه لا ينجح، وحده، في بناء مجتمع قارئ. يضيء المعرض الواجهة عشرة أيام، لكنه يترك المدن والقرى بعد طي خيامه، في عتمة مكتبات جد قليلة وكتب مهملة، ومدارس لا تجعل القراءة شهوة يومية، وإعلاما عموميا لا يمنح الثقافة إلا فتاتا من برمجته. هنا ينبغي أن نغادر البلاغ الرسمي إلى السؤال السوسيولوجي: هل نملك معرضا للكتاب، وهل نملك سياسة وطنية للقراءة؟
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
تكشف أرقام النشر بعض التحسن، لكنها تكشف أيضا هشاشة البنية. فقد أعلنت المكتبة الوطنية أن مجموع العناوين الصادرة سنة 2025 بلغ 7143 عنوانا، بارتفاع يقارب 6 في المائة مقارنة بسنة 2024. يبدو الرقم إيجابيا لكنه يظل ضعيفا حين نقيسه بعدد السكان وبحجم الجامعة وبعدد المؤسسات التعليمية، وكذبلك بما ينبغي أن تنتجه دولة تريد أن تجعل الثقافة رافعة للتنمية. تزداد الصورة وضوحا حين نقرأ معطيات مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود التي تحدثت عن 3613 إصدارا في مجالات الأدب والعلوم الإنسانية والاجتماعية خلال سنتي 2024-2025، أي إن قلب الإنتاج الفكري لا يزال محدودا قياسا بحاجات المجتمع إلى الفهم والنقد والخيال.
تفضح القراءة، أكثر من النشر، عمق الأزمة. لا أستعمل هنا الرقم الشائع عن “عدد الصفحات” دون حذر، لأنه يتداول غالبا بلا سند إحصائي مقنع، لكن حتى المؤشرات الأحدث لا تمنحنا عزاء كبيرا. فقد وضع مؤشر منشور سنة 2024 المغرب في المرتبة 92 عالميا، بمتوسط 67 ساعة قراءة سنويا، أي نحو 2.97 كتاب فقط للفرد في السنة. وقديمة هي العبارة التي تقول إن العربي لا يقرأ إلا “ربع صفحة” سنويا، وهي عبارة صادمة ومتداولة منذ سنوات، لكنها تصلح اليوم أكثر كجرس إنذار لا كرقم نهائي. ليست المشكلة أن المغربي يقرأ قليلا فقط، بل إنها تكمن في كون بنية حياته اليومية كلها تدفعه كي لا يقرأ: وقت العمل مرهق والمدرسة لا تغري والتلفزة تستهلك الوعي والهاتف يحول الانتباه إلى رماد.
تفضح المكتبات العمومية الوجه الأكثر قسوة في المسألة. فقد أشار تقرير صحفي إلى أن المغرب لا يتوفر إلا على 0.46 مكتبة لكل 50 ألف نسمة، بينما تُنسب إلى معايير اليونسكو توصية بتوفير مكتبة عمومية لكل تجمع عمراني يتجاوز 5 آلاف شخص. وقد سبق أن صرح مسؤولون بأن المغرب يتوفر على نحو 609 مكتبات عمومية باختلاف انتماءاتها، منها 331 ساهمت الوزارة في إحداثها، مع الاعتراف بأن العدد يظل غير كاف هنا تسقط كل البلاغة، لأن من لا يجد مكتبة قريبة من بيته لا يمكن أن نحاسبه أخلاقيا على عدم القراءة. قال بورخيس: “تخيلت الفردوس دائما على هيئة مكتبة”. لكن الفردوس، في السياسة الثقافية لا يبنى بالاستعارة، بل يبنى بالميزانية والتخطيط والحي والرف والكرسي والإنارة والكتاب المفتوح أمام طفل لا يملك ثمنه.
تطرح تكلفة المعرض سؤالا أكثر إزعاجا. فقد تحدثت صحافة وطنية، استنادا إلى معطيات الصفقات، عن تقدير تكلفة تنظيم دورة 2025 بحوالي 45.5 مليون درهم، أي أكثر من 4.5 مليارات سنتيم. لا تعني الإشارة إلى هذا الرقم رفض تنظيم المعرض، فالمعرض ضروري، ويحتاج إلى تجهيز وأمن ولوجستيك وفضاءات عرض. لكن السؤال الضي يظل قائما هو:
لماذا نصرف كل سنة مبالغ كبيرة على خيام وتجهيزات مؤقتة تُنصب ثم تُفكك، ولا نبني، في الرباط أو الدار البيضاء، مركبا ثقافيا دائما للمعارض الدولية، يستقبل الكتاب والفن والصناعات الثقافية طوال السنة؟ لماذا نفضل اقتصاد الحدث على اقتصاد الأثر؟ ولماذا ننجز ما يراه الجمهور عشرة أيام، ولا نبني ما يغير علاقته بالقراءة عشر سنوات؟
يبدو السبب عميقا لا تقنيا فقط. لقد ورثت سياستنا الثقافية عادة الاحتفال أكثر مما بنت عادة التراكم. تحب الإدارة الثقافية الصورة والمنصة والميكروفون والضيف والشريط الافتتاحي والممرات التي تتزاحم فيها الكاميرات. لكنها لا تحب كثيرا العمل البطيء: تكوين القراء وحماية المؤلف وتقوية الناشر ودعم المكتبات الخاصة، وإنشاء مكتبات عمومية في كل مدينة كبيرة ومتوسطة وصغيرة وإدخال الكتاب إلى التلفزة يوميا وتحويل القراءة إلى شأن وطني لا إلى هواية نخبوية. قال غرامشي: “تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة”، فهل يليق بنا أن نتشاءم بعقل أمام الأرقام وأن نتفاءل بإرادة حين نقترح البدائل؟
كان من الأجدر أن يجعل كل معرض للكتاب موعدا إنجازات ملموسة ودائمة وذات تأثير استراتيجي من قبيل:
افتتاح سلسلة مكتبات جديدة
فضاءات قراءة ونقاش في المدن والأحياء
افتتاح مائة مكتبة مدرسية جديدة،
خمسين مكتبة جماعية،
صندوق وطني لاقتناء الكتاب المغربي،
برنامج تلفزي يومي للكتاب،
آلية شفافة لحماية حقوق المؤلف،
تحفيزات جبائية للمكتبات الخاصة،
دعم جدي للترجمة والنشر الرقمي.
وكان من الأجدر أن يرى المواطن، إلى جانب الأروقة، خريطة وطنية تقول له: هنا سنفتح مكتبة، هنا سنقيم نادي قراءة، هنا سنعيد الحياة إلى دار ثقافة.
أما أن يتحول بعض الفضاء العام إلى طبل وملصقات وشباب يحملون إعلانات تتلفت عيونهم إلى المارة أكثر مما تلتفت إلى الكتاب، فذلك يلخص المأساة الصغيرة:
نستعمل جسد الدعاية لنعلن عن روح المعرفة ونحتفي بالكتاب كما نحتفي بمنتج استهلاكي، ثم نستغرب ألا تنتصر القراءة.
كتب طه حسين في معنى قريب أن التعليم كالماء والهواء، ويجب أن نقول اليوم إن القراءة، في مجتمع معاصر، ليست ترفا بل شرط مواطنة. فالمواطن الذي لا يقرأ لا يفقد متعة الأدب فقط، بل يفقد أدوات فهم السياسة والاقتصاد والدين والصورة والخطاب والخديعة.
من أجل ذلك، نرجو حماية المعرض من نفسه. نتمنى تطويره لإخراجه من منطق الفرجة إلى منطق المشروع. ألا نحوله إلى كرنفال موسمي للأسماء نفسها والعناوين نفسها، بل نجعله مختبرا للجرأة الفكرية، ومقياسا لسياسة عمومية جديدة. فحين يكرر المعرض الوجوه والموضوعات، وحين يخاف من المغامرة والابتكار، وحين يرضى بعناوين لا تصدم ولا تفتح ولا تسائل، فإنه يبيع الكتاب دون أن ينتصر للمعرفة. يحتاج المغرب اليوم إلى معرض يقول الحقيقة عن القراءة، لا إلى معرض يغطي ضعفها بالزينة. ويحتاج إلى دولة تعتبر المكتبة بنية تحتية مثل الطريق والمستشفى والمدرسة، لأن الشعوب لا تعبر إلى المستقبل بالطرقات وحدها، بل تعبر إليه أيضا بالصفحات التي تعلمها كيف ترى الطريق.