الديمقراطية أولا أم التنمية؟

Écrit par

dans


أحمد بلمختار منيرة

هل الديمقراطية هي التي تقود إلى تحقيق التنمية؟ أم على العكس من ذلك، لا بدّ من تحقيق التنمية قبل الانتقال إلى مرحلة الديمقراطية؟

بدايةً، مسألة الأولوية، هل هي للديمقراطية أم للتنمية، لم تحسم بعدُ في الأوساط الفكرية والأكاديمية. لكن، واقع الشعوب خاصةً في الدول النامية -ونحن منها- لا يحتمل انتظار هذا الحسم. لذلك، سنلامس معًا في ما يأتي كلَّ طرح على حدة، مع التركيز على جوهره وبعض الانتقادات الموجهة إليه. ونمرُّ إلى حالة المغرب ونحن نتساءل: ما الذي نستفيده من الطروحات المختلفة والانتقادات الموجهة إليها لتصحيح أخطاء الماضي البعيد والقريب، ولإحداث التغيير الذي ننشده دولةً ومجتمعًا؟

الطرح الأول: من دون التنمية لا يمكن تحقيق الديمقراطية

ينطلق هذا الطرح الذي تبنّته نظريات التحديث والتنمية السياسية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، من فرضية مفادها أنّ “التنمية متغير مستقل، أما الديمقراطية فهي متغير تابع”. والمقصود، أنّ الديمقراطية -باعتبارها هدفًا نهائيًا وحتميًا للتنمية السياسية- لا يمكن أن تتحقّق إلاّ إذا توفرت مجموعة من الشروط الأولية، أهمها: تحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي، تحول البنية الطبقية، ظهور طبقة بورجوازية، التوسع العمراني، وجود قيم ثقافية ودينية تدفع باتجاه الديمقراطية.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

ومن الانتقادات الموجهة إلى هذا الطرح:

إنّ تحقيق النمو الاقتصادي الكافي لا يقود بالضرورة إلى الديمقراطية، وذلك على عكس ما ذهبت إليه نظريات التحديث. ويوضح ذلك مجموعة من الباحثين المختصين في علوم الاقتصاد والسياسة متسائلين: كيف نفسّر عدم انتقال العديد من الدول التسلطية إلى الديمقراطية، بالرغم من تحقيقها لمعدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي، ومنها الصين ودول آسيوية أخرى ودول أوروبية ودول من أمريكا اللاتينية ودول عربية؟ وهو ما يبرز -حسب هؤلاء الباحثين- قدرة النخب السياسية في تلك الدول على استثمار فوائد النمو الاقتصادي لصالح بقائها في الحكم.

الانتقالات الديمقراطية التي حدثت في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، شملت العديد من الدول التي لم تحقق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي، زيادةً على تدني مستويات التنمية البشرية في معظمها. وهذا ما وضع نظريات التحديث والتنمية السياسية في حيرة من زاوية التحليل، بسبب عدم القدرة على تفسير أسباب حدوث موجة الانتقال في الدول المعنية.

الطرح الثاني: الديمقراطية أولًا والتنمية ثانيًا

ظهرت هذه المقاربة في سياق يتسم بعولمة القيم الديمقراطية ومبادئ اقتصاد السوق، حيث شهد العالم موجة جديدة من الانتقالات الديمقراطية، إضافةً إلى انتشار اعتماد سياسات تقوم على مفاهيم ليبرالية بعد نهاية الحرب الباردة. وتقوم هذه المقاربة على أنّ الديمقراطية هي النظام الأمثل لتحقيق التنمية الاقتصادية. وبالتالي، ترفض افتراضات مدرسة التحديث من خلال تأكيدها على ضرورة اعتبار الديمقراطية شرطًا أوليًا للتنمية وليس العكس. أي: “الديمقراطية متغير مستقل، والتنمية متغير تابع”.

ويوضحون كيف أنّ الديمقراطية أفضل من غيرها من النظم لتحقيق التنمية الاقتصادية، كالتالي: فالانتخابات المنتظمة تجعل الأنظمة تستجيب بشكل دائم لمطالب المواطنين والجماعات الاجتماعية، والمساءلة، والشفافية، وتدفق المعلومات (…) هي وغيرها من العناصر، تمكّن الديمقراطية من التفوق على غيرها من النظم في أغلب المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية.

ومما يستدلون به، دراسة لباحثين مختصين في مجال التنمية بعنوان: “فائدة الديمقراطية، كيف تعمل الديمقراطيات على ترقية الازدهار والسّلم”. وقد تضمنت هذه الدراسة مراجعةً لـ 40 عامًا من البينات الإحصائية، حيث تم التأكيد على أنّ المستويات المحقّقة من قبل الدول الديمقراطية الفقيرة في ما يتعلق بالمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية أفضل بكثير من تلك المحقّقة في الدول غير الديمقراطية الفقيرة.

وفي دراسة على عينة شملت 90 دولة بين عامي 1960 و1989، أشار الباحث “داني رودريك” (Dani Rodéric) إلى أنّه يمكن استنتاج أربع فوائد للديمقراطية مقارنةً بالأنظمة التسلطية، وهي تتمثل في: ضعف تقلبات النمو على المدى البعيد، واستقرار الأداء الاقتصادي على المدىين القريب والمتوسط، والسيطرة بشكل جيد على الاضطرابات الخارجية، وارتفاع مستوى الأجور.

هذا الطرح بدوره “الديمقراطية أولًا والتنمية ثانيًا” لم يسلم من الانتقادات، لأن المحكَّ الحقيقي لكل طرح نظري هو الواقع المعاش. ومن أهم هذه الانتقادات: صحيح أن النظام الديمقراطي يضمن الحريات العامة، ويتيح للمواطنين حق اختيار ممثليهم عبر آلية الانتخابات، لكن من الصعب تحييد آليات الديمقراطية عن السوق، أي تحييدها عن النخب المسيطرة على قطاع الأعمال، ومؤسسات صناعة الرأي وتشابكاتها المصلحية مع النخب السياسية، لخدمة مصالحها والتأثير في عملية صنع القرار.

ولكن بالرغم من كل الانتقادات الموجهة إليه، فقد دعّمته أطروحة الحكم الراشد (الديمقراطي) التي تتبناها مؤسسات ووكالات التنمية الدولية التي اتجهت إلى التركيز أكثر على المعطى الديمقراطي، كمقاربة لتحقيق التنمية البشرية ومكافحة الفقر تحت تأثير أطروحة “أمارتيا سن” (Amartya Sen) والتي تشكل طرحًا ثالثًا.

الطرح الثالث: في أطروحة “أمارتيا سن” (Amartya Sen)

لم يكتف عالم الاقتصاد “أمارتيا سن” -وهو حائز على جائزة نوبل للعلوم الاقتصادية سنة 1998- في أطروحته بطرح مسألة الأولوية، بل اعتبر أنّ التنمية في جوهرها حرية (التنمية حرية). وبالتالي، ضرورة الاهتمام بمسألة الحريات والديمقراطية، ليس فقط باعتبارها وسيلة لتحقيق التنمية، ولكن لأنّها ذات أهمية جوهرية في مفهوم الحرية الإنسانية بشكل عام.

تطرح هذه الأطروحة رؤية للتنمية تتجاوز التركيز على الدخل والإنتاج (الرؤية الاقتصادية الليبرالية) إلى جعل الإنسان محورًا للعملية التنموية. وذلك من خلال الاهتمام بالجانب المعنوي للفرد وأهمية الديمقراطية. وتقوم هذه الأطروحة على مفهوم “القُدرة” الذي يشير إلى مساحة الإمكانيات الحقيقية التي يمتلكها الفرد. ثم إن التركيز على معطى الحرية باعتبارها محورًا مركزيًا في مقاربة القدرات، دفع “أمارتيا سن” إلى الاهتمام بموضوع الحريات الحقيقية. ففي كتابه “التنمية حرية”، عرّف “سن” التنمية بأنها: “عملية توسعة مجال الحريات الحقيقية التي يتمتع بها الأفراد”. وعلى هذا الأساس يمكن تحديد دورين للحرية في عملية التنمية:

الدور الأول: يسميه “سن” الدور التأسيسي أو الجوهري للحرية، وهذا يرتبط بالحرية بوصفها غاية للتنمية. وهو ما يتضمن الحريات الأساسية (الجوهرية)، أي مجموع القدرات الأولية، مثل القدرات البيولوجية، والتعليم، والصحة (…) يعني متطلبات العيش الكريم.

أما الدور الثاني: فيتعلق بالدور الوسيلي للحرية (rôle instrumental) أو الحرية باعتبارها وسيلة للتنمية. وهو ما يمثل الطريقة التي من خلالها تسهم مختلف الحقوق والإمكانيات والمكتسبات في توسعة مجال الحريات الإنسانية بوجه عام، ومن شأنها كذلك ترقية التنمية.

في هذا الإطار، وضع “سن” خمسة أنماط من الحريات الوسيلية: 1- الحريات السياسية. 2- التسهيلات الاقتصادية. 3- الفرص الاجتماعية. 4- ضمانات الشفافية. 5- التأمين الحمائي. وتدعم هذه الأنماط بعضها البعض بصفة تكاملية.

إنّ مقاربة “أمارتيا سن” تجاوزت تحليل المنظمات المالية والدولية من خلال تبنّيه لرؤية فلسفية وسياسية للتنمية. فالحرية هي غاية التنمية. ويربط “سن” بين التنمية وصنع القرار الذي يشارك فيه كل فرد من خلال اختياره بحرية لما يرغب في إنجازه ضمن مجموعة الفرص المتاحة في المجتمع. وبالتالي، فنجاح التنمية هو قضية سياسية بقدر ما هو قضية اقتصادية، فالتقليص المستدام للفقر يتطلب التأسيس لحكم ديمقراطي مرسّخ في كل مستويات المجتمع.

والآن، في ما يفيدنا نحن في المغرب ما تقدم من طروحات وانتقادات موجهة إليها لتصحيح أخطاء الماضي البعيد والقريب، ولتحقيق إقلاع قوي للتنمية المستدامة التي ننشدها جميعًا؟
بدايةً، دعنا ننطلق مما خلصت إليه بعض الدراسات الميدانية والتقارير الرسمية المسؤولة، حتى لا نصدر أحكام قيمة تغلب عليها الانطباعات الشخصية.

حسب بيانات المندوبية السامية للتخطيط المتعلقة بسنة 2023، فإن ثلاث (3) جهات فقط، وهي جهة “الدار البيضاء – سطات” وجهة “الرباط – سلا – القنيطرة” وجهة “طنجة – تطوان – الحسيمة”، تستحوذ على أكثر من نصف الثروة الوطنية (58.5 بالمائة)، وتظل جهة “الدار البيضاء – سطات” القاطرة الرئيسية بـ 32.2 بالمائة، وهو ما يؤكد أن الثروة تتركز في المناطق الشمالية والغربية، ويظهر استمرار الفوارق الجهوية.

وبعملية حسابية بسيطة نخلص إلى أنّ باقي جهات المملكة -أي تسع (9) جهات- تساهم بما يناهز 41.5 بالمائة في الثروة الوطنية، منها خمس (5) جهات (مراكش – آسفي، فاس – مكناس، سوس – ماسة، بني ملال – خنيفرة، والشرق) ساهمت بالثلث في هذه الثروة (بنسبة 33.8 بالمائة). بينما سجلت الجهات الجنوبية مساهمات أقل.

ونستشف من هذه المعطيات الرقمية الصادرة عن مؤسسة رسمية مسؤولة أن التفاوت الجهوي في خلق الثروة مازال مستمرًا، حيث تتركز في المناطق الشمالية والغربية.

وأكدت المندوبية السامية للتخطيط انخفاضًا طفيفًا في معدل البطالة حيث بلغ 13 بالمائة خلال 2025، مقارنة بـ 13.3 بالمائة سنة 2024. لكن بالرغم من التحسن الطفيف (تراجع بـ 0.3 نقطة) فإن نسب البطالة تبقى مرتفعة جدًا في أوساط الشباب وحاملي الشهادات والنساء. وتبقى ظاهرة الهشاشة في التشغيل القروي مستمرة. وهناك فقدان للعديد من الوظائف في القطاع الفلاحي.

ولذلك، فإن واقع الحال في المغرب يفرض أن لا نتيّه في البحث في جدلية الديمقراطية والتنمية. والقصد أن لا نسقط في فخ “من يسبق، البيضة أم الدجاجة؟” وذلك لاعتبارات موضوعية، ومنها:

أننا هدرنا الكثير من زمن التنمية، وقد تأخّر فعلًا قطار الجهوية المتقدمة عن الموعد الذي كان محدّدًا له إذا استحضرنا الخطابين الساميين لملك البلاد في 2008 و2010، وقد تمحورا بشكل قوي حول الجهوية المتقدمة ومرتكزاتها وأهدافها وآلياتها ومبادئها الكبرى. ولعلّنا نستحضر كذلك ما قاله ملك البلاد في خطابه السامي المؤرخ في 30 يوليوز 2015: “(…) ورغم التطور الذي حققته بلادنا، فإن ما يحز في نفسي، تلك الأوضاع الصعبة التي يعيشها بعض المواطنين في المناطق البعيدة والمعزولة، خاصة بقمم الأطلس والريف، والمناطق الصحراوية والجافة والواحات، وبعض القرى في السهول والسواحل (…)”. كما ذكّر الخطاب ذاته، بضرورة التوازن والتكامل بين مناطق كل جهة وبين مدنها وقراها، بما يساهم في الحد من الهجرة إلى المدن.

والمأمول أن نستفيد من الانتقادات الموجّهة إلى الطرحين الأول والثاني اللذين لامسناهما في ما تقدم، وننتقل إلى مرحلة السرعة القصوى لاستدراك التأخر الحاصل ببلدنا، والذي تجسده بالملموس التفاوتات المجالية والتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية.

وبالتركيز على المستوى الترابي، نجد أنّ المؤسسة الملكية قد قدمت مؤخرًا فعلًا مشروعًا مجتمعيًا، ذا أبعاد استراتيجية، يتمثل في الإعلان عن جيل جديد من برامج التنمية الترابية والمندمجة، سيمكن لا محالة من تحقيق الإقلاع الاقتصادي على المستوى الترابي من خلال الدور المنتظر من الجهات.

ولا شكّ أنّ التنزيل السليم لهذه البرامج التنموية هو الكفيل بإحداث قفزة نوعية في اتجاه إصلاح أعطاب التنمية الترابية ببلدنا. ولا شكّ أنّ سلامة هذا التنزيل تبقى مشروطة باحترام أحكام دستور المملكة المغربية لسنة 2011 التي تحدّد بوضوح أدوار ممثلي السلطة الحكومية المكلّفة بالداخلية على المستوى الترابي (العمال والولاة). كما أن الدستور أفرد الباب التاسع منه (المواد من 135 إلى 146) للجهات وباقي الجماعات الترابية الأخرى، أي العمالات والأقاليم والجماعات.

وإذا كانت اللامركزية واللاتمركز تشكّلان آليتين لإنجاح ورش الجهوية المتقدمة، فإن الدستور واضح إذ ينص في فقرته الرابعة على أن “التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة”.

مجمل القول

لا ديمقراطية في غياب التنمية، ولا تنمية في غياب الديمقراطية. وإذا كان لا يمكن اختزال الديمقراطية الحقيقية في نزاهة الانتخابات، إذ يجب أن تتجسد من خلال احترام مختلف حقوق المواطنات والمواطنين في الصحة والتعليم والتعبير والتشغيل والسكن (…)، لضمان صون كرامة الإنسان في وطنه. فإنّ التنمية بمفهومها الحقيقي، لا تتجسد فقط من خلال الزيادة في نسبة النمو الاقتصادي -أي الجانب الكمي من التنمية- إنها تتجسد من خلال مؤشرات الجانب الكيفي من التنمية، والقصد: العدالة المجالية/الترابية، والعدالة الجبائية، والعدالة الاجتماعية. ويجب أن تتجسد بشكل ملموس من خلال التحولات الإيجابية للعقليات والذهنيات والسلوكات المواطنة.

وأخيرًا، إنّ التنمية -سواء تعلق الأمر بالمستوى الوطني أو الترابي- عملية مستمرة في الزمن، دينامية، لا تخضع للزمن الحكومي. وهي مطلب شعبي دائم ومتجدد، لأن احتياجات المواطنات والمواطنين تزداد وتتنوع يومًا بعد يوم، والاستجابة إليها لا تحتمل التأجيل للحفاظ على مجموعة من التوازنات، أهمها الاستقرار الاجتماعي.

– إعلامي وباحث

إقرأ الخبر من مصدره