الأحداث بقلم محمد اعويفية
في كل عام ومع انطلاق مباريات المعاهد والجامعات العليا، تتحول كثير من البيوت إلى ما يشبه عيادات النفسية. تختفي فيها البساطة والعفوية من كل تفاصيل حياتها اليومية، ويصبح الولد أو البنت المقبلان على اجتياز المباراة محور اهتمام الأسرة ، وكأن مصيرها بأكمله معلق بهذا الامتحان و متوقف على نتيجته .
الاهتمام بالأبناء في هذه المرحلة أمر طبيعي لا ينكره أحد ، بل هو ضرورة و واجب عاطفي لابد منه ، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الاهتمام إلى مرض و ضغط مبالغ فيه، وإلى خوف جماعي يطارد الابن أكثر مما يسانده ويدعه.
بدافع المبالغة في الحب، تقع بعض الأسر في فخ تحويل الامتحان إلى معركة وجود ، حياة أو موت. تغير أسلوب كلامها داخل البيوت، وتصبح كل الجمل محملة بالتوتر:
ركز ،مستقبلك يتوقف على هذا الامتحان ، الكل يستعد له، عليك أنت كذلك أن تستعد ، هذه فرصتك ،
لا يجب أن تخيب ظننا فيك ، لقد ضحينا كثيرا لأجلك كي تنجح… .
مع تكرار هذه العبارات الثقيلة ، يتوقف الابن على التفكير في النجاح و يبدأ بالخوف من الفشل. وهنا يصبح الامتحان عبئا نفسيا قبل أن يكون اختبارا ومحطة في مسار لابد منه السير فيه .
المؤلم أن كثيرا من الآباء لا ينتبهون إلى أن أبناءهم في هذه المرحلة لا يحتاجون فقط إلى دروس التقوية والمراجعة التي تستمر حتى الساعات المتأخرة من الليل، بل يحتاجون أكثر إلى الدعم النفسي، إلى تهدئة الروح و طمأنتها. يحتاجون إلى من يقول لهم إن قيمتهم لا تختزل في اختبار ، وإن الفشل في مباراة لا يعني الفشل في الحياة، وإن الطرق نحو النجاح متعددة وليست له باب واحدا ضيقا من يلجه نجا ومن بقي خاب وانتهى.
فالاهتمام المفرط قد يخلق جيلا فاشلا مهزوما يعيش تحت الخوف الدائم من عدم إرضاء الآباء والأخرين. أبناء يدرسون لا لأنهم يحبون التفوق والتميز، بل لأنهم يخشون خيبة الأمل في أعين أسرهم. ومع الوقت، يتحول النجاح نفسه إلى عبء نفسي، لأن صاحبه يشعر أنه مطالب دائما بأن يكون الأول ولا أحد غيره.
الواقع علمنا ولازال أن الحياة أكبر بكثير من القبول في معهد مشهور أو جامعة كبيرة . كم من شخص لم ينجح في مباراة معينة ثم فتح الله له أبوابا أخرى بآفاق أكثر رحابة و اتساعا، وكم من متفوق دخل أرقى المعاهد وأفخم الجامعات لكنه فقد في الطريق أثمن الأشياء ، فقد ذاته ،راحته وتوازنه النفسي . فالمستقبل لا يصنعه امتحان واحد، بل تصنعه الشخصية، والصبر، والقدرة على النهوض بعد التعثر.
الأبناء المقبلون على هذه المباريات لا يحتاجون إلى عائلات تقف على الأبواب منتظرة بلهفة وشوق خروجهم من الامتحانات، بل إلى عائلات واعية تمنحهم الثقة لا الرعب، وتزرع فيهم الأمل لا الخوف و الهلع. يحتاجون إلى بيت هادئ يشعرون فيه بالمحبة الخالصة غير المشروطة بنجاح أو تميز . فبعض الكلمات الدافئة قد تنجح في إنقاذ ابن من الانهيار أكثر مما تنجح ساعات طويلة من السهر و المراجعة.
لسنا مطالبين بأن نتوقف عن الاهتمام بأبنائنا، بل أن نفهم الفرق بين الدعم والضغط، بين التشجيع والخوف، بين الحب الذي يساند والحب الذي يخنق ويقتل كل شيء جميل في أبنائنا.
هيئة التحرير11 مايو، 2026
إقرأ الخبر من مصدره