ولد عيشة.. ذكريات المدينة العتيقة بآسفي

Écrit par

dans

الأحداثسعيد لقبي

 في آسفي السبعينات، كانت هناك شخصيات لا تستطيع حتى الإدارة المغربية نفسها أن تعثر لها على بديل

مؤسسات تمشي على قدميها، وآثار حيّة تتجوّل بين الأزقة والدروب، كأن المدينة كانت تنتج رجالها الغرائبيين كما تنتج رائحة السردين والملح والرطوبة البحرية

ومن بين تلك الكائنات الأسطورية، كان يتربّع رجل تُحدث « الكروسّة » دياله ضجيجًا يفوق جلسات مجلس بلدي نفسها
ولد عيشة

كنت تسمعه قبل أن تراه
عجلة الكروسّة تصرّ كأنها باب فندق عتيق أنهكه الزمن، والطناجر تتصادم، والطاسات ترتجف، وصوته يشقّ الحومة

— « ولد عيشة… البلاستيك! الموديرن! ما كايتْهْرّاسش »

وطبعًا، كانت عبارة « ما كايتْهْرّاسش » من أعظم الأكاذيب الصناعية التي عرفتها المدينة، لأن كثيرًا من تلك السلع كان يموت قبل نهاية الأسبوع، وبعضها قبل أول طاجين أو أول أتاي

كان يدفع الكروسّة بوقار بحّار برتغالي ضاع في المدينة القديمة، وكأنّه آخر رسول لحداثة بلاستيكية هبطت خطأً فوق آسفي

وكانت عربته عالماً قائماً بذاته
نصفها سوق شعبي، ونصفها الآخر خيال علمي رخيص

فيها طاسات برتقالية بلون نووي، وسطولا خضراء تشعّ كأنها خرجت من مختبر سرّي، وكيسانا تتلوّى مع سخونية أتاي، وأمشاط قادرة على اقتلاع الشعر والكرامة معًا، وترموسات تسرّب الماء قبل أول استعمال،وورود اصطناعية خالدة أكثر من العلاقات البشرية، وعرائس بعين واحدة تكفي نظرتها لإصابة طفل بعقدة نفسية طويلة الأمد

غير أن ولد عيشة لم يكن يبيع فعلًا
كان يبادل

وهنا بدأت المأساة التراثية الحقيقية

نساء آسفي، المفتونات بسحر « الموديرن »، كنّ يسلّمن كنوز العائلة بطمأنينة تثير الرعب

صينية نحاسية منقوشة كانت تتوسط المجالس؟
اختفت

العماير الخاصة بالسكر والشاي والنعناع، المصطفّة بجانب البرّاد والبابور فوق المائدة؟
صعدت إلى الكروسّة

مهراز ثقيل دوّى داخله الثوم والكمون لعقود؟
في الطريق إلى المجهول

مبخرة مشبعة بروائح الجاوي وخشب الصندل والسّرغينة؟
اختفت هي الأخرى

مرشّة فضية كانت ترشّ ماء الورد في الأعراس والمواسم؟
تبخّرت مقابل طاسة بلاستيكية وردية

حتى المقراش من النحاس الأحمر، والحسكة القديمة، وأدوات المطبخ التي حملت ذاكرة البيوت ، انتهت معلّقة فوق الكروسّة كغنائم حرب ضد الماضي.

وكان ولد عيشة، دون أن يدري، يمارس أكبر عملية تهريب للذاكرة الجماعية في تاريخ المدينة.

أما الذروة الحقيقية للمأساة، فقد بدأت حين امتدّ التبادل إلى الملابس التقليدية

بدعية مطرّزة يدويًا بخيوط الصبر والوقت
تشامير أنيق تفوح منه رائحة المناسبات
فوقية وتحتية من زمن كانت فيه الملابس تُفصّل لتعيش أكثر من أصحابها
سلهام عبر ثلاثة أجيال دون أن يفقد هيبته
جابادور، جلابة، قفطان، تكشيطة، قندريسي
وحتى العصابة والطربوش والطاقية، رموز الوقار القديمة، بدأت تختفي أمام سحر البلاستيك الملوّن

كل هذا التاريخ العائلي تبدّل بأشياء لا تستطيع اليوم أن تصمد يومين من حرارة الشركي

لكن في ذلك الزمن، كانت الكلمة السحرية هي

— « موديرن! »

وكان لهذه الكلمة سلطان عجيب
تحوّل القبيح إلى « تقدّم »
والهشّ إلى « ابتكار »
والبلاستيك إلى رمز للحضارة

كان امتلاك طاسة فوسفورية أو سطل أخضر لامع يمنح صاحبه شعورًا خفيًا بأنه اقترب قليلًا من أوروبا، أو على الأقل من إعلان تلفزيوني إيطالي بالأبيض والأسود

وربما كان ولد عيشة حفيدًا بعيدًا لذلك العطّار اليهودي القديم الذي كان يجوب البلاد

 حاملًا الكمون والقرفة والزعفران وعود القماري والبخور
ذاك الرجل كان يبيع روائح الذاكرة
أما ولد عيشة، فكان يبيع المستقبل

مستقبلًا تفوح منه رائحة البترول الساخن

وفي خضم هذا الصراع بين الأصالة والحداثة، كان هناك رجل آخر يجلس بين دكّاني عمّيّ،سي أحمد وسي امبارك رحمهما الله ،شخصية لا تدري أهي أقرب إلى فيلسوف يوناني أم إلى حارس رسمي للذباب
سي العݣز

كل صباح، يفتح متجره بجدية تثير الاحترام
يكنس الأرض بعناية
يحرّك صندوقًا مغطّى بالغبار
ثم يجلس فوق برميل الزيتون
ويبدأ بعدّ الذباب

بتركيز
بمنهجية
بانضباط علمي يكاد يكون يابانيًا

وحين يجرؤ أحد الزبائن على سؤاله

— « آ سّي العݣز، بشحال هاد البرّاد؟ »

يجيب دون أن يرفع رأسه

— « ماشي للبيع »

— « إيوا علاش حال الحانوت؟ »

يصمت قليلًا، ثم يقول بجلال الفلاسفة

— « باش الحوايج ياخذو الهوا »

في آسفي، حتى العبث كان يملك تراثًا

واليوم، حين يعثر أحدهم في بيت قديم على صينية نحاسية، أو مبخرة، أو مرشّة، أو برّاد، أو بابور شاي عتيق، أو سلهام، يفهم فجأة حقيقة مؤلمة

هذه الأشياء لم تكن مجرد أدوات للاستعمال.
كانت طريقة كاملة لفهم العالم والعيش داخله

والمفارقة الساخرة أن البلاستيك الذي قُدّم يومًا باعتباره ذروة الحداثة، صار اليوم يُباع في محلات «VINTAGE »

 بأثمان تفوق أحيانًا قيمة الأشياء التراثية التي استُبدلت به

كأن الزمن قرّر أخيرًا أن ينتقم بطريقته الخاصة

وفي مكان ما، داخل الأزقة غير المرئية لذاكرة آسفي، ما تزال كروسّة ولد عيشة تصدر صريرها الخافت
وما يزال سي العݣز جالسًا فوق برميل الزيتون، يواصل مشروعه الفلسفي الأبدي
العدّ الميتافيزيقي للذباب

هيئة التحرير11 مايو، 2026

إقرأ الخبر من مصدره