تواصلت، اليوم الخميس، بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، جلسات ملف ما بات يعرف إعلاميا بقضية “إسكوبار الصحراء”، التي يتابع على خلفيتها كل من سعيد الناصري وعبد النبي بعيوي ومن معهما، حيث واصل المحامي كروط، دفاع عبد النبي بعيوي، مرافعته المطولة، مركزا على تفكيك الأركان القانونية للتهم المنسوبة إلى موكله، معتبرا أن الملف يعرف “خلطا قانونيا واضحا” بين وقائع مدنية وأخرى جنائية.
واستهل الدفاع مرافعته بالتوقف عند تهمة “الحصول على توقيع تحت الإكراه”، متسائلا عن الطبيعة القانونية الحقيقية للجريمة. وأكد أن المعنى الظاهري للتهمة لا يستقيم مع الوقائع المعروضة أمام المحكمة، موضحا أن المشرع المغربي حين تحدث عن جرائم السرقة، حددها بشكل واضح في الفصل 505 باعتبارها “أخذ مال الغير بدون رضاه”، مع تشديد العقوبة في الفصل 507، وتابع أن الأمر يتعلق بانتزاع أموال أو ممتلكات، وليس “انتزاع توقيع تنازل”.
وشدد الدفاع على أن جريمة انتزاع توقيع أو محرر بالقوة والعنف، كما ينظمها القانون، تهم الالتزامات المالية أو العقارية أو ما شابهها، ولا يمكن إسقاطها على تنازل عن شكاية في إطار نزاع قضائي، معتبرا أن هذا النوع من التنازل لا يدخل ضمن النطاق الجنائي الذي تتحدث عنه النصوص القانونية.
وفي السياق نفسه، استند الأستاذ كروط على اجتهادات وقرارات صادرة عن محكمة النقض في ملفات مرتبطة بالاختلاس والاحتيال، مبينا أن العنف المقصود في هذا النوع من الجرائم هو العنف الذي يمس جسم الضحية ماديا أو معنويا بشكل يؤدي إلى إعدام الإرادة أو شل المقاومة. وأشار إلى أن الإكراه الجنائي، كما عرفه الفقه والقانون، يفترض وجود وسائل مادية أو تهديدات مباشرة من شأنها إعدام إرادة الضحية، مثل التهديد بالسلاح أو استعمال القوة المادية، وهو ما قال إنه “غير متوفر إطلاقا” في الوقائع المنسوبة لموكله.
وتطرق الدفاع إلى مسألة الصلح، مؤكدا أن هذا الأخير يقتضي توفر العلم والإرادة الحرة لدى الأطراف، وأن الهدف منه يكون إنهاء نزاع قضائي قائم، وليس الاستيلاء على أموال الغير، في إشارة إلى الوثيقة المعروضة أمام المحكمة، وزاد أنه تم تسليمها “بمحض الإرادة”، وأنها شكلت حلا للنزاع القائم بين الأطراف، قبل أن يخلص إلى أن ما جرى يدخل في إطار الصلح الجاري به العمل داخل المحاكم، أو التنازل المتبادل بين الأطراف، حفاظا على العلاقات العائلية.
وأوضح الدفاع أن تصريحات المشتكية نفسها، سواء أمام المحكمة أو أمام قاضي التحقيق، تضمنت تنازلا صريحا، تم بين دفاع الطرفين، متسائلا: “كيف يمكن الحديث عن إكراه أو تنازل غير مشروع، في حين أن الشكاية نفسها طالها التقادم؟”، حيث ختم هذه النقطة بالتأكيد على أن الفعل المتابع به موكله “لا يمكن اعتباره جريمة إطلاقا”، ملتمسا التصريح بانعدام الجريمة لانعدام أركانها القانونية.
وفي محور آخر من مرافعته، انتقل دفاع البعيوي إلى مناقشة تهمة “إخفاء أشياء متحصلة من جنحة ”، الواردة ضمن قرار الإحالة وفق مقتضيات الفصل 571 من القانون الجنائي، مبرزا أن الوقائع الواردة بمحاضر الاستماع للحاج بن إبراهيم تشير إلى أن ان شركة “بعيوي ترافو”، وهي شركة ذات شخصية معنوية مستقلة، اقتنت من شركة الحاج احمد بنبراهيم خمس شاحنات. وأضاف أن هذا المعطى أكده شقيق المشتكي، إلى جانب كل من توفيق زنطار وسناء مرباح، فضلا عن أن الخبرة المنجزة من طرف الشرطة القضائية بتاريخ 23\10 حجزت خمس شاحنات صينية فقط.
وسجل الدفاع وجود تناقضات في تصريحات الحاج بن إبراهيم بخصوص عدد الشاحنات، لافتا إلى أنه تحدث مرة عن سبع شاحنات، ومرة عن ست، ثم عاد ليتحدث عن إحدى عشرة شاحنة، نافيا أن يكون موكله قد اعترف بأي من الوقائع المنسوبة إليه، معتبرا أن ما تم نسبه إليه في هذا الجانب “تحريف لتصريحاته خلال مراحل الاستنطاق”.
وتساءل الدفاع عن الجريمة الأصلية التي بنيت عليها تهمة إخفاء أشياء متحصلة من جنحة، قائلا إن هذا النوع من المتابعات يقتضي وجود جريمة أصلية واضحة، مثل السرقة أو الاختلاس أو الاحتيال أو إحدى جرائم الأموال، وأردف أن القانون يشترط تحديد طبيعة الجريمة الأصلية وتاريخ ارتكابها، إلى جانب إثبات أن الأموال أو الأشياء موضوع المتابعة متحصلة فعلا من نشاط جرمي.
وشدد دفاع البعيوي على أن الملف يتضمن عقود بيع مسجلة، معتبرا أنه حتى على فرض عدم أداء ثمن البيع، فإن الأمر لا يعدو أن يكون “امتناعا عن الأداء”، وليس جريمة إخفاء أشياء متحصلة من جناية أو جنحة.
وفي ما يتعلق بتهم الرشوة، اعتبر الدفاع أن الملف يتضمن “تناقضا قانونيا صارخا”، موضحا أن موكله يتابع في الآن نفسه بصفتي “الراشي والمرتشي”، وهو ما وصفه بـ”المستحيل قانونا ومنطقيا”. وبعد تسجيله أن جريمة الرشوة تقتضي وجود طرفين: موظف يقبل الرشوة، وشخص يقدمها، تساءل عن سبب عدم متابعة سعيد الطنجي بجريمة الرشوة رغم ورود اسمه في الملف، منتقدا ما اعتبره غموضا في تحديد المبالغ المالية موضوع المتابعة، إن كانت تفوق أو تقل عن 100 ألف درهم، لما لذلك من أثر مباشر على التكييف القانوني والعقوبات.
وتوقف المحامي نفسه عند تاريخ 25 يونيو 2013، متسائلا عن مدى منطقية الحديث عن رشوة أو وعد بها بعد مرور حوالي عشر سنوات، معتبرا أنه حتى في حالة وجود وعد سابق وعدم تنفيذ المقابل المالي، فإن الأمر يدخل ضمن ما يسمى قانونا بـ”المكافأة اللاحقة”، مستندا في هذا الجانب على قرارات صادرة عن محكمة النقض اعتبرت أن “المكافأة اللاحقة” لا تشكل جريمة رشوة قائمة الأركان.
وفي محور آخر من مرافعته، تطرق دفاع عبد النبي البعيوي إلى تهمة “المشاركة في عمل تحكمي بقصد إرضاء أهواء شخصية”، المنصوص عليها في الفصل 225، معتبرا أن هذه التهمة بدورها تفتقد، بحسبه، إلى الأساس القانوني والوقائعي. وأوضح أن الحديث عن المشاركة يقتضي أولا وجود فعل أصلي ثابت وقائم الأركان، متسائلا عن طبيعة الجريمة الأصلية في الملف، قبل أن يشير إلى أن الاجتهادات والأحكام القضائية المتعلقة بهذا النوع من الجرائم “تبقى نادرة”.
وأكد الدفاع أن الركن المادي لهذه الجريمة يفترض أن يكون الفاعل موظفا عموميا يتوفر على سلطة معينة ويمارس عملا تحكميا بشكل إيجابي وليس مجرد امتناع أو سلوك سلبي، إلى جانب ضرورة توفر القصد الجنائي العمدي، أي أن تتجه إرادة المعني بالأمر إلى تحقيق ذلك الفعل بشكل متعمد ولأهداف شخصية، كاشفا أن سعيد الطنجي، باعتباره الفاعل الأصلي المفترض، “قام فقط بالاستماع والتبليغ ورفع تقرير إلى الوكيل العام”. وأضاف أن الإجراءات التي تلت ذلك تمت بشكل عادي وفي آجال عادية، وفي إطار تنفيذ أوامر رؤسائه، وليس بدافع أهواء أو مصالح شخصية.
وتوقف الدفاع عند مسألة القرائن التي اعتمد عليها التحقيق، مميزا بين القرائن القانونية والمؤشرات أو الانطباعات، معتبرا أن ما ورد في الملف لا يرقى إلى مستوى الإثبات القانوني، مشيرا إلى أن إعداد التقارير ورفعها واتخاذ الإجراءات اليومية يدخل ضمن العمل العادي للأجهزة الأمنية، في إشارة إلى دور سعيد الطنجي في هذه النازلة. وتساءل: “هل إخبار دركي بأن شخصا ما مبحوث عنه من طرف العدالة يمكن أن يعتبر جريمة؟ وهل مساعدة الأجهزة الأمنية في تطبيق القانون تدخل ضمن الأفعال المجرمة؟”.
الدفاع الذي أثار مسألة الاتصالات الهاتفية التي قال قاضي التحقيق إنها تدخل ضمن “المحاباة”، نبه إلى أن الملف أشار إلى وجود اتصالات بين سعيد الطنجي وكل من سعيد الناصري وعبد النبي البعيوي، دون توضيح طبيعتها أو تواريخها أو مضمونها، متسائلا عن الكيفية التي تم بها اعتبار هذه الاتصالات دليلا على وجود محاباة أو تواطؤ.
وفي ما يتعلق بالمخالفات المرتبطة بالشاحنات موضوع القضية، ذكر الدفاع أن المادة 261 من مدونة السير، تعاقب بغرامة مالية كل من استعمل مركبات على الطرق العمومية دون صفائح تسجيل، مشددا على أن الشاحنات لم يتم ضبطها في حالة سير أو تلبس بالطرقات العمومية، وإنما وُجدت داخل مقالع. وزاد أن عدم توفرها على شهادة المطابقة هو السبب، معتبرا أن الملف يفتقر إلى محاضر معاينة تثبت استعمال تلك الشاحنات في الطرق العمومية بشكل مخالف للقانون.
وفي ختام مرافعته، شدد دفاع عبد النبي البعيوي على أن مختلف التهم المعروضة في الملف تفتقد، بحسبه، للأركان القانونية المكونة لها، سواء تعلق الأمر بالإكراه أو إخفاء أشياء متحصلات جريمة أو الرشوة، ملتمسا التصريح ببراءة موكله لانعدام الأساس القانوني للمتابعة.
وقررت الهيئة القضائية الاكتفاء بالقدر الذي تم عرضه من مرافعات، مع تأجيل مواصلة مرافعة دفاع عبد النبي البعيوي وشقيقه إلى جلسة الأسبوع المقبل.