تواصلت، اليوم الخميس، بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، جلسات ملف ما بات يعرف إعلاميا بقضية “إسكوبار الصحراء”، التي يتابع على خلفيتها كل من سعيد الناصري وعبد النبي بعيوي ومن معهما، حيث واصل المحامي كروط، دفاع عبد النبي بعيوي، مرافعته المطولة، مركزا على تفكيك الأركان القانونية للتهم المنسوبة إلى موكله، معتبرا أن الملف يعرف “خلطا قانونيا واضحا” بين وقائع مدنية وأخرى جنائية.
واستهل الدفاع مرافعته بالتوقف عند تهمة “الحصول على توقيع تحت الإكراه”، متسائلا عن الطبيعة القانونية الحقيقية للجريمة. وأكد أن المعنى الظاهري للتهمة لا يستقيم مع الوقائع المعروضة أمام المحكمة، موضحا أن المشرع المغربي حين تحدث عن جرائم السرقة، حددها بشكل واضح في الفصل 505 باعتبارها “أخذ مال الغير بدون رضاه”، مع تشديد العقوبة في الفصل 507، وتابع أن الأمر يتعلق بانتزاع أموال أو ممتلكات، وليس “انتزاع توقيع تنازل”.
وشدد الدفاع على أن جريمة انتزاع توقيع أو محرر بالقوة والعنف، كما ينظمها القانون، تهم الالتزامات المالية أو العقارية أو ما شابهها، ولا يمكن إسقاطها على تنازل عن شكاية في إطار نزاع قضائي، معتبرا أن هذا النوع من التنازل لا يدخل ضمن النطاق الجنائي الذي تتحدث عنه النصوص القانونية.
وفي السياق نفسه، استند الأستاذ كروط على اجتهادات وقرارات صادرة عن محكمة النقض في ملفات مرتبطة بالاختلاس والاحتيال، مبينا أن العنف المقصود في هذا النوع من الجرائم هو العنف الذي يمس جسم الضحية ماديا أو معنويا بشكل يؤدي إلى إعدام الإرادة أو شل المقاومة. وأشار إلى أن الإكراه الجنائي، كما عرفه الفقه والقانون، يفترض وجود وسائل مادية أو تهديدات مباشرة من شأنها إعدام إرادة الضحية، مثل التهديد بالسلاح أو استعمال القوة المادية، وهو ما قال إنه “غير متوفر إطلاقا” في الوقائع المنسوبة لموكله.
وتطرق الدفاع إلى مسألة الصلح، مؤكدا أن هذا الأخير يقتضي توفر العلم والإرادة الحرة لدى الأطراف، وأن الهدف منه يكون إنهاء نزاع قضائي قائم، وليس الاستيلاء على أموال الغير، في إشارة إلى الوثيقة المعروضة أمام المحكمة، وزاد أنه تم تسليمها “بمحض الإرادة”، وأنها شكلت حلا للنزاع القائم بين الأطراف، قبل أن يخلص إلى أن ما جرى يدخل في إطار الصلح الجاري به العمل داخل المحاكم، أو التنازل المتبادل بين الأطراف، حفاظا على العلاقات العائلية.
وأوضح الدفاع أن تصريحات المشتكية نفسها، سواء أمام المحكمة أو أمام قاضي التحقيق، تضمنت تنازلا صريحا، تم بين دفاع الطرفين، متسائلا: “كيف يمكن الحديث عن إكراه أو تنازل غير مشروع، في حين أن الشكاية نفسها طالها التقادم؟”، حيث ختم هذه النقطة بالتأكيد على أن الفعل المتابع به موكله “لا يمكن اعتباره جريمة إطلاقا”، ملتمسا التصريح بانعدام الجريمة لانعدام أركانها القانونية.
وفي محور آخر من مرافعته، انتقل دفاع البعيوي إلى مناقشة تهمة “إخفاء أشياء متحصلة من جنحة ”، الواردة ضمن قرار الإحالة وفق مقتضيات الفصل 571 من القانون الجنائي، مبرزا أن الوقائع الواردة بمحاضر الاستماع للحاج بن إبراهيم تشير إلى أن ان شركة “بعيوي ترافو”، وهي شركة ذات شخصية معنوية مستقلة، اقتنت من شركة الحاج احمد بنبراهيم خمس شاحنات. وأضاف أن هذا المعطى أكده شقيق المشتكي، إلى جانب كل من توفيق زنطار وسناء مرباح، فضلا عن أن الخبرة المنجزة من طرف الشرطة القضائية بتاريخ 23\10 حجزت خمس شاحنات صينية فقط.
وسجل الدفاع وجود تناقضات في تصريحات الحاج بن إبراهيم بخصوص عدد الشاحنات، لافتا إلى أنه تحدث مرة عن سبع شاحنات، ومرة عن ست، ثم عاد ليتحدث عن إحدى عشرة شاحنة، نافيا أن يكون موكله قد اعترف بأي من الوقائع المنسوبة إليه، معتبرا أن ما تم نسبه إليه في هذا الجانب “تحريف لتصريحاته خلال مراحل الاستنطاق”.
وتساءل الدفاع عن الجريمة الأصلية التي بنيت عليها تهمة إخفاء أشياء متحصلة من جنحة، قائلا إن هذا النوع من المتابعات يقتضي وجود جريمة أصلية واضحة، مثل السرقة أو الاختلاس أو الاحتيال أو إحدى جرائم الأموال، وأردف أن القانون يشترط تحديد طبيعة الجريمة الأصلية وتاريخ ارتكابها، إلى جانب إثبات أن الأموال أو الأشياء موضوع المتابعة متحصلة فعلا من نشاط جرمي.
وشدد دفاع البعيوي على أن الملف يتضمن عقود بيع مسجلة، معتبرا أنه حتى على فرض عدم أداء ثمن البيع، فإن الأمر لا يعدو أن يكون “امتناعا عن الأداء”، وليس جريمة إخفاء أشياء متحصلة من جناية أو جنحة.
وفي ما يتعلق بتهم الرشوة، اعتبر الدفاع أن الملف يتضمن “تناقضا قانونيا صارخا”، موضحا أن موكله يتابع في الآن نفسه بصفتي “الراشي والمرتشي”، وهو ما وصفه بـ”المستحيل قانونا ومنطقيا”. وبعد تسجيله أن جريمة الرشوة تقتضي وجود طرفين: موظف يقبل الرشوة، وشخص يقدمها، تساءل عن سبب عدم متابعة سعيد الطنجي بجريمة الرشوة رغم ورود اسمه في الملف، منتقدا ما اعتبره غموضا في تحديد المبالغ المالية موضوع المتابعة، إن كانت تفوق أو تقل عن 100 ألف درهم، لما لذلك من أثر مباشر على التكييف القانوني والعقوبات.
وتوقف المحامي نفسه عند تاريخ 25 يونيو 2013، متسائلا عن مدى منطقية الحديث عن رشوة أو وعد بها بعد مرور حوالي عشر سنوات، معتبرا أنه حتى في حالة وجود وعد سابق وعدم تنفيذ المقابل المالي، فإن الأمر يدخل ضمن ما يسمى قانونا بـ”المكافأة اللاحقة”، مستندا في هذا الجانب على قرارات صادرة عن محكمة النقض اعتبرت أن “المكافأة اللاحقة” لا تشكل جريمة رشوة قائمة الأركان.
وفي محور آخر من مرافعته، تطرق دفاع عبد النبي البعيوي إلى تهمة “المشاركة في عمل تحكمي بقصد إرضاء أهواء شخصية”، المنصوص عليها في الفصل 225، معتبرا أن هذه التهمة بدورها تفتقد، بحسبه، إلى الأساس القانوني والوقائعي. وأوضح أن الحديث عن المشاركة يقتضي أولا وجود فعل أصلي ثابت وقائم الأركان، متسائلا عن طبيعة الجريمة الأصلية في الملف، قبل أن يشير إلى أن الاجتهادات والأحكام القضائية المتعلقة بهذا النوع من الجرائم “تبقى نادرة”.
وأكد الدفاع أن الركن المادي لهذه الجريمة يفترض أن يكون الفاعل موظفا عموميا يتوفر على سلطة معينة ويمارس عملا تحكميا بشكل إيجابي وليس مجرد امتناع أو سلوك سلبي، إلى جانب ضرورة توفر القصد الجنائي العمدي، أي أن تتجه إرادة المعني بالأمر إلى تحقيق ذلك الفعل بشكل متعمد ولأهداف شخصية، كاشفا أن سعيد الطنجي، باعتباره الفاعل الأصلي المفترض، “قام فقط بالاستماع والتبليغ ورفع تقرير إلى الوكيل العام”. وأضاف أن الإجراءات التي تلت ذلك تمت بشكل عادي وفي آجال عادية، وفي إطار تنفيذ أوامر رؤسائه، وليس بدافع أهواء أو مصالح شخصية.
وتوقف الدفاع عند مسألة القرائن التي اعتمد عليها التحقيق، مميزا بين القرائن القانونية والمؤشرات أو الانطباعات، معتبرا أن ما ورد في الملف لا يرقى إلى مستوى الإثبات القانوني، مشيرا إلى أن إعداد التقارير ورفعها واتخاذ الإجراءات اليومية يدخل ضمن العمل العادي للأجهزة الأمنية، في إشارة إلى دور سعيد الطنجي في هذه النازلة. وتساءل: “هل إخبار دركي بأن شخصا ما مبحوث عنه من طرف العدالة يمكن أن يعتبر جريمة؟ وهل مساعدة الأجهزة الأمنية في تطبيق القانون تدخل ضمن الأفعال المجرمة؟”.
الدفاع الذي أثار مسألة الاتصالات الهاتفية التي قال قاضي التحقيق إنها تدخل ضمن “المحاباة”، نبه إلى أن الملف أشار إلى وجود اتصالات بين سعيد الطنجي وكل من سعيد الناصري وعبد النبي البعيوي، دون توضيح طبيعتها أو تواريخها أو مضمونها، متسائلا عن الكيفية التي تم بها اعتبار هذه الاتصالات دليلا على وجود محاباة أو تواطؤ.
وفي ما يتعلق بالمخالفات المرتبطة بالشاحنات موضوع القضية، ذكر الدفاع أن المادة 261 من مدونة السير، تعاقب بغرامة مالية كل من استعمل مركبات على الطرق العمومية دون صفائح تسجيل، مشددا على أن الشاحنات لم يتم ضبطها في حالة سير أو تلبس بالطرقات العمومية، وإنما وُجدت داخل مقالع. وزاد أن عدم توفرها على شهادة المطابقة هو السبب، معتبرا أن الملف يفتقر إلى محاضر معاينة تثبت استعمال تلك الشاحنات في الطرق العمومية بشكل مخالف للقانون.
وفي ختام مرافعته، شدد دفاع عبد النبي البعيوي على أن مختلف التهم المعروضة في الملف تفتقد، بحسبه، للأركان القانونية المكونة لها، سواء تعلق الأمر بالإكراه أو إخفاء أشياء متحصلات جريمة أو الرشوة، ملتمسا التصريح ببراءة موكله لانعدام الأساس القانوني للمتابعة.
وقررت الهيئة القضائية الاكتفاء بالقدر الذي تم عرضه من مرافعات، مع تأجيل مواصلة مرافعة دفاع عبد النبي البعيوي وشقيقه إلى جلسة الأسبوع المقبل.



ياسيــن كحلـي مستشار قانوني وباحث في العلوم القانونية إن من دلائل رقي الأمم وتمام رشدها أن تبني لنفسها قوانين عادلة تصون بها الحقوق، وتحفظ الحريات، وتضبط بها سلطان الدولة، فلا يطغى به، بل يرشد ويقيد، ويجعل في خدمة الأمن والعدل. ويأتي في صدارة هذه القوانين، قانون المسطرة الجنائية، لما له من وظيفة إجرائية بالغة الأهمية؛ فهو الذي يحدد معالم الطريق من لحظة الاشتباه إلى غاية تنفيذ الحكم، مارا بمراحل التوقيف والتحقيق والمحاكمة، وهو في ذلك كله، حام لحقوق الأفراد من التعسف، وضامن لتوازن العدل بين سلطة الدولة وحرمة المواطن.ومن هذا المنطلق، شكلت مصادقة مجلس المستشارين، يومه الثلاثاء 8يوليوز 2025، على مشروع القانون رقم 03.23 القاضي بتعديل وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، لحظة مفصلية في تاريخ التشريع المغربي، تتوج ما يزيد عن عقدين من الإصلاحات القانونية والدستورية، وتعلن عن دخول العدالة الجنائية مرحلة جديدة، تؤسس لنص مسطري يقوم على المشروعية، متشبع بقيم العدالة، متناغم مع التزامات المملكة في مجال حقوق الإنسان، ومراع لمتطلبات الشفافية والنجاعة في الإجراءات .وقد جرى التصويت على هذا المشروع بأغلبية أربعة وعشرين صوتا، في مقابل معارضة 4 أصوات وامتناع عضوين، مما يعكس حجم الرهان الذي تضعه الدولة في هذا التعديل، وحجم النقاش السياسي والقانوني الذي دار حوله. وقد أكد وزير العدل، أثناء تقديمه للمشروع، أن هذا القانون يعد “محطة تاريخية استثنائية”، لما يحمله من تحول نوعي في فلسفة العدالة الجنائية، واعتراف صريح بأن الممارسة أضحت تقتضي قانونا مسطريا حديثا يواكب المرحلة الانتقالية التي تشهدها المملكة على مستوى استقلال السلطة القضائية وتعزيز الحقوق والحريات، فضلا عن سعيه إلى إحكام ضبط التماس القائم بين حق المجتمع في العقاب، وحق الفرد في البراءة والمحاكمة العادلة .ومن أبرز ما جاء به هذا التعديل التشريعي، عنايته البالغة بتعزيز الحماية القانونية للمشتبه فيهم، لاسيما أولئك الذين يوجدون في وضعيات خاصة، ممن يقتضي حالهم عناية مضاعفة وضمانات أكثر صرامة. فقد نص المشروع صراحة على وجوب حضور الدفاع عند الاستماع إلى الأحداث والأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية من طرف الشرطة القضائية، وهو إجراء جوهري ينم عن وعي المشرع بهشاشة هذه الفئة وضرورة مواكبتها قانونيا منذ اللحظة الأولى لأي تدخل أمني قد يمس بحريتها أو يعرضها للاستغلال أو الضغط.ولم يقف النص عند هذا الحد، بل خطا خطوة متقدمة حين أقر حق المحامي في الاتصال بالشخص الموضوع رهن الحراسة النظرية منذ الساعة الأولى لتوقيفه، باستثناء ما تعلق بقضايا الإرهاب، وهو مستجد يعد تحولا نوعيا في فلسفة الدفاع، إذ يقر عمليا بدوره المحوري في مراقبة قانونية الإجراء وضمان احترام الحقوق، خصوصا في مرحلة تعد من أكثر مراحل المسطرة الجزائية قابلية للخرق والتجاوز .ومن بين المقتضيات ذات الأثر العملي البالغ، ما نص عليه المشروع من إقرار التسجيل السمعي البصري (تقنية التسجيل بالفيديو) لتصريحات الأشخاص الموضوعين رهن الحراسة النظرية، وذلك ما تعلق بحالات ذات طابع جنائي، وكذا الجنح التي تبلغ عقوبتها خمس سنوات حبسا فأكثر، حيث يتم هذا التسجيل أثناء قراءة المحضر على المشتبه فيه، ولحظة توقيعه، أو إبصامه، أو حتى في حالة رفضه التوقيع، مع الاحتفاظ بالتسجيل وفق الشروط المنصوص عليها قانونا، وتمكين المحكمة من الاطلاع عليه عند الاقتضاء.ورغم أن هذا الإجراء جاء بصيغة أكثر تقييدا مما ورد في المسودة الأولى، التي كانت تهدف إلى تعميم التسجيل على كافة مراحل الاستجواب دون تمييز في طبيعة الجرائم أو درجة خطورتها، إلا أن اعتماد هذا التوجه في صيغته الحالية يعد مع ذلك تحولا جوهريا في تعزيز مصداقية المحاضر، وضمان شفافية الإجراءات، والحد من أي تجاوز محتمل من قبل الشرطة القضائية، بفضل الرقابة التقنية المصاحبة. وهو بذلك يمثل خطوة أولى في مسار أوسع نحو توثيق العمل الجنائي بطريقة تمكن من إعادة تقييمه قضائيا بشكل موضوعي عند المنازعة.وانسجاما مع التوجه نحو ترسيخ الشفافية وتعزيز الرقابة القضائية، جاء المشروع ليقوي آليات التظلم من قرارات الحفظ، التي كانت في السابق محل انتقاد لغياب رقابة فعلية عليها. فقد أتاح النص الجديد إمكانية الطعن في قرار الحفظ الصادر عن وكيل الملك، برفع التظلم إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف، كما أجاز، في حالة صدور قرار الحفظ عن الوكيل العام نفسه، التوجه بالتظلم ـ الطعن ـ إلى الوكيل العام لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة.ويعد هذا التدرج في مستويات الطعن تكريسا لمبدأ تسلسل الرقابة داخل مؤسسة النيابة العامة، كما أنه يشكل آلية قانونية هادفة إلى الحد من السلطة التقديرية المطلقة التي كانت تمارس باسم الملاءمة، دون رقابة خارجية مؤثرة. وبذلك، يكون المشروع قد أرسى ضوابط موضوعية تحمي مصلحة المتقاضين وتضمن تفعيل الدعوى العمومية كلما توفرت مبرراتها القانونية، بعيدا عن أي تعطيل غير مبرر للعدالة.وفي خطوة تعكس وعي المشرع بأهمية الدفاع كضمانة أساسية في المحاكمة العادلة، جاء المشروع ليعيد الاعتبار لوظيفة المحامي أثناء مرحلة ما قبل المحاكمة، حيث نص صراحة على حضور المحامي خلال استنطاق المتهم من طرف النيابة العامة، مانحا إياه حق الإدلاء بالوثائق، وتقديم الملاحظات، بل وطرح الأسئلة باسم موكله، بعدما كان حضوره في هذه المرحلة مقتصرا على التتبع الشكلي دون مشاركة فعلية. وهذا التحول لا يكتفي بمجرد الاعتراف الشكلي بدور الدفاع، بل يؤسس لتمكين فعلي له داخل المسطرة الجنائية.ولم يقف المشروع عند هذا الحد، بل فتح باب الطعن في قرارات الإيداع بالسجن الصادرة عن وكيل الملك، بالسماح بعرضها على هيئة الحكم المختصة، أو على هيئة ثلاثية من القضاة، كما أجاز الطعن في أمر الإيداع الصادر عن الوكيل العام أمام غرفة الجنايات الابتدائية، مع الإبقاء على إمكانية تقديم طلب السراح المؤقت في أي مرحلة لاحقة. وهي آلية تعزز رقابة القضاء الجالس على قرارات الحرمان من الحرية، منذ اللحظة الأولى، وتحد من السلطة الانفرادية للنيابة العامة، بما ينسجم مع المبادئ الدستورية المتعلقة بحماية الحرية الفردية، ويقر بتدرج المراقبة القضائية كصمام أمان إجرائي ضد أي تعسف محتمل.ولأن الاعتقال الاحتياطي يعد من أكثر الإجراءات مسا بالحرية الشخصية، فقد حرص المشرع في هذا المشروع على ترشيده وتقنين مداه الزمني، استجابة لما أثير من انتقادات حادة حول الإفراط في اللجوء إليه وامتداده غير المبرر زمنا، دون أن يكون مشفوعا بحكم قضائي.وفي هذا السياق، نص المشروع على تقليص مدد تمديد الاعتقال الاحتياطي بشكل واضح، فجعلها في قضايا الجنايات لا تتجاوز مدة التمديد مرتين بنفس المدة، أي بحد أقصى ستة أشهر، بعدما كانت المدة قابلة للتمديد إلى خمس مرات. أما في الجنح، فقد خفضها إلى التمديد مرة واحد فقط، بنفس المدة، لتصبح المدة القصوى شهرين.ويمثل هذا الإجراء نقلة نوعية في فلسفة الاعتقال الاحتياطي، إذ لم يعد ينظر إليه كإجراء تلقائي، بل كاستثناء تقيده آجال دقيقة، ويخضع لتقدير قضائي مضبوط. وبهذا التوجه، يكون المشرع قد انخرط في ترسيخ مبدأ الحرية كأصل، والاعتقال كاستثناء، وفق ما نصت عليه الوثيقة الدستورية والمعايير الدولية، مؤكدا على ضرورة ألا يستخدم الاعتقال الاحتياطي كأداة للعقاب المسبق أو الضغط النفسي، وإنما كوسيلة قانونية مقدرة بميزان الضرورة والاعتدال . وتكريسا لمبدأ التناسب بين الإجراء الجنائي وخطورة الفعل المرتكب، وسعيا إلى تقليص اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي كلما أمكن ذلك، أتاح المشروع للوكيل العام للملك إحالة المتهم مباشرة على غرفة الجنايات في حالة سراح، أو وضعه تحت واحد أو أكثر من تدابير المراقبة القضائية، بدل إحالته في حالة اعتقال، وهو ما يشكل نقلة نوعية في التعامل مع حرية الأفراد، ويؤكد على أن الحرمان من الحرية لا ينبغي أن يتخذ إلا عند الاقتضاء الضروري، ووفق ضوابط محكمة.وفي السياق نفسه، وسع المشروع من نطاق بدائل الاعتقال، من خلال إدراج تدبير الوضع تحت المراقبة الإلكترونية ضمن منظومة المراقبة القضائية، تحت إشراف قاضي التحقيق، وهي خطوة تعكس وعيا تشريعيا متقدما بمستجدات العدالة الجنائية الحديثة، التي باتت تراهن على الوسائل التقنية كوسائل فعالة لمراقبة المتابعين دون اللجوء إلى الحبس. وهذا التوجه يعكس تحولا في النظرة إلى العقوبة والتدابير الاحترازية، من منطق الردع الصارم إلى منطق الإدماج وحفظ الكرامة، دون التفريط في مقتضيات الأمن العام .وفي سياق حماية السلامة الجسدية وصون الكرامة الإنسانية، أقر المشروع مقتضى بالغ الأهمية يعد من أقوى الضمانات الممنوحة للمشتبه فيهم، إذ ألزم النيابة العامة بإجراء فحص طبي على الشخص الموضوع رهن الحراسة النظرية متى طلب ذلك، سواء منه مباشرة أو من دفاعه، شريطة أن ينجز الفحص من قبل طبيب مؤهل ومستقل، وبما يراعي شروط الحياد والمهنية. وليس هذا الإجراء مجرد خيار إجرائي، بل جعل من عدم إجرائه جزاء مسطري بالغ، يتمثل في بطلان الاعترافات المدونة بمحاضر الشرطة القضائية.ويترجم هذا المقتضى التزاما صريحا من المشرع بمبدأ الوقاية من التعذيب وسوء المعاملة، كما نصت عليه المواثيق الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادق عليها المغرب، كما يكرس البعد الإنساني في العدالة الجنائية، والذي لا يجيز مطلقا أن تنتزع الاعترافات تحت وطأة الإكراه أو في غياب ضمانات طبية وقانونية أساسية. فهو بذلك لا يحمي فقط المتهم، بل يحمي أيضا مشروعية الإجراء، ويعزز الثقة في مصداقية المحاضر المنجزة من قبل الشرطة القضائية وأدلة الإثبات .وفي إطار تعزيز حقوق الدفاع خلال مرحلة التحقيق الإعدادي، جاء المشروع ليقوي موقع المحامي إجرائيا ومهنيا، وذلك من خلال إلزام قاضي التحقيق باستدعاء الدفاع قبل كل استنطاق للمتهم بمدة لا تقل عن خمسة عشر يوما، مع منحه الحق في الاطلاع على ملف القضية خلال هذا الأجل، والحصول على نسخ من المحاضر والوثائق سواء في صيغة ورقية أو إلكترونية. ويعد هذا المقتضى تحولا مهما في تكريس فعالية الدفاع وتمكينه من أداء دوره عن اطلاع واستعداد، بدلا من أن يبقى في موقع التتبع السلبي أو المفاجأة الإجرائية، وهو ما ينسجم مع ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في الدستور والمواثيق الدولية ذات الصلة .وفي منحى آخر، اتجه المشروع إلى توسيع نطاق الجرائم التي يمكن أن تكون موضوع مسطرة الصلح الجنائي، بما يترجم تحولا في الفلسفة الزجرية من منطق العقوبة إلى منطق التسوية. فقد تم توسيع دائرة الصلح ليشمل، بالإضافة إلى الجنح المعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل، أو بغرامة لا تتجاوز في حدها الأقصى 100.000 درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين، لتشمل طائفة من الجنح ذات الطابع الحقوقي الخاص، والتي تبنى أساسا على وجود ضحية مباشر يمكنه التنازل دون الإضرار بالنظام العام .وقد أحصى المشروع من بين هذه الجرائم الجنحية القابلة للصلح، تلك المنصوص عليها فــي :الفصل 401 (الضرب والجرح البسيط)،الفصل 404، البند الأول منه (الضرب الذي لا يحدث مرضا أو عجزا)،الفصلان 425 و426 (التهديد)،الفصل 441، الفقرة الثانية (السب غير العلني)،الفصل 445 (الوشاية الكاذبة)،الفصول 447.1 إلى 447.3 (المتعلقة بالمس بالحياة الخاصة عبر الوسائل الإلكترونية)،الفصل 505 (السرقة البسيطة)،الفصول 517، 520، 523، 524، 525، 526 (الإضرار بممتلكات الغير)،الفصول 538، 540، 542 (النصب وبعض صور خيانة الأمانة)،الفصل 547، الفصل 549 – البندين الأخيرين،الفصل 553، الفقرة الأولى (الإيذاء دون عجز)،الفصل 571 (إخفاء الأشياء المتحصلة من الجريمة)،وكذا المادة 316 من مدونة التجارة (الخاصة بالشيك بدون رصيد)،بالإضافة إلى كل جريمة أخرى ينص القانون صراحة على قابليتها للصلح.كما تم الاستغناء عن شرط مصادقة القاضي على محضر الصلح، وهو ما يبسط المسطرة وييسر على المتقاضين سلوك مسار العدالة التصالحية، دون تعطيل أو تعقيد، شريطة توفر الرضائية الكاملة وعدم المساس بحقوق الغير أو النظام العام. ويعد هذا التطور توجها حيويا نحو تقليص اللجوء إلى المسطرة الزجرية الكلاسيكية، وتفضيل آليات العدالة الرضائية كلما أمكن ذلك.وفي إطار ترسيخ الولوج السلس إلى العدالة وتعزيز دور الأطراف المدنية، جاء المشروع ليضبط من جديد إجراءات الشكاية المباشرة، أو ما يعرف بالاستدعاء المباشر، حيث نظم شكلياتها بدقة، وحدد كيفية أداء مصاريفها الإجرائية، بما يضمن الوضوح القانوني ويجنب المتقاضين أي تعقيد مسطري قد يحول دون ولوجهم للعدالة. كما منح الطرف المدني صلاحية استثنائية تتمثل في الطعن بالاستئناف والنقض ليس فقط في الدعوى المدنية التابعة، وإنما أيضا في الشق الجنائي من الدعوى العمومية، وهو تحول عميق في موقع الضحية داخل المسطرة، يعزز من دوره الإجرائي ويمنحه إمكانيات واسعة لتتبع المآل القانوني لقضيته.وإلى جانب ذلك، أقر المشروع آلية جديدة تعرف بـ “التجنيح القضائي”، وهي آلية تخويل الوكيل العام للملك تكييف بعض الأفعال ذات الطابع الجنائي وصفا جنحيا، إذا بدا له أن الضرر الناتج عنها محدود، أو أن الفعل المرتكب يتسم بالبساطة، وهو ما يسهم في تحقيق مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، ويجنب المتهمين سلوك المساطر الجنائية الثقيلة في قضايا قد لا تستدعي تلك الحدة الإجرائية. وقد أوجب النص في هذا السياق على قضاء الدرجة الأولى أن يلتزم بهذا التكييف الجنحي المعتمد في صك المتابعة، مما يكرس مرونة في الملاحقة الجنائية، ويقلل من حالات الإفراط في اللجوء إلى غرف الجنايات دون مبرر موضوعي، مع المحافظة في الوقت ذاته على حقوق الضحايا والمتهمين في آن واحد.ولتعزيز شروط المحاكمة العادلة وضمان حسن تقدير الأدلة، نص المشروع صراحة على عدم جواز الحكم بالإدانة اعتمادا فقط على أقوال متهم ضد متهم آخر، ما لم تدعم هذه الأقوال بقرائن قوية ومتناسقة، وهو توجه يعكس حرص المشرع على تحصين الحكم الجنائي من الانزلاق في مستنقع الشكوك أو الاستناد إلى اعترافات فردية قد تحمل خلفيات ذاتية أو دوافع انتقامية. كما شدد النص في قضايا الخطورة القصوى،وعلى رأسها عقوبة الإعدام، على ضرورة صدور الحكم فيها بإجماع قضاة غرفة الجنايات دون استثناء، مع إلزامهم بتحرير محضر خاص بذلك وتوقيعه من قبلهم جميعا، الأمر الذي يكرس ضمانات مشددة عند اتخاذ القرار بالفصل في حياة المتهم .وفيما يتعلق بمسطرة الحكم، منح مشروع القانون رقم 03.23 غرفة الجنايات صلاحية تأجيل النطق بالحكم لمدة لا تتجاوز خمسة عشر يوما، في حالة تعذر صدوره في الجلسة ذاتها، شريطة أن يحرر القرار كتابة داخل هذا الأجل، وهو ما يعزز الشفافية واليقين القانوني، ويمنع الغموض في القرارات النهائية.أما على مستوى تنفيذ العقوبات، فقد بادر المشروع إلى إحداث آلية جديدة للتخفيض التلقائي للعقوبة، تشرف عليها إدارة السجون تحت رقابة قاضي تنفيذ العقوبات ووكيل الملك، ضمانا لعدالة التنفيذ لا لصرامة الإدانة فقط. ولتدبير التظلمات المرتبطة بهذا التخفيض، تم إحداث لجنة محلية على صعيد المحكمة الابتدائية، تتكون من قاض يرأسها، وممثل عن النيابة العامة، والمدير الجهوي لإدارة السجون، بما يوفر توازنا دقيقا بين غاية العقوبة في الردع والزجر، وبين وظيفتها الإصلاحية التي تسعى إلى إعادة إدماج المحكوم عليه في المجتمع بشروط قانونية واضحة وتحت إشراف قضائي فعال .لا يسع المتأمل في مضامين مشروع القانون رقم 03.23 القاضي بتعديل وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية إلا أن يلمس فيه تحولا عميقا في التصور التشريعي لمنظومة العدالة الجنائية، تحولا يتجاوز منطق الردع والزجر، إلى عدالة مؤسسة على التوازن، مشبعة بروح الإنصاف، محصنة بضمانات الدفاع، ومنفتحة على بدائل عقلانية تراعي الكرامة وتؤمن الحقوق .إننا بإزاء نص قانوني لا يكتفي بتعديل إجراءات، بل يؤسس لفقه مسطري جديد، قوامه الرقابة على سلطات الاتهام، والتدرج في تقييد الحرية، والتمكين الفعلي للدفاع، والتقيد الصارم بمبادئ المحاكمة العادلة، في انسجام تام مع الدستور ومع الالتزامات الدولية للمملكة في مجال حقوق الإنسان .وإذا أحسن تنزيل هذه المقتضيات، وتم تأويلها بمنهج منضبط وممارسة مسؤولة، فإن العدالة الجنائية المغربية تكون قد خطت خطوة واثقة نحو بناء منظومة يعتد بها بين الأمم، وتطمئن لها القلوب، ويأمن في ظلها الضعيف كما يردع المعتدي، وتعلو فيها سلطة القانون لا سطوة القوة، ويصبح الأمن قرينا للحرية لا نقيضا لهــا .