اللاروب-الحــــــــــالــــ(ن)ــــة المتوقفة

Écrit par

dans

منى بونوار

تنهض هذه رواية اللاروب لحسن أوريد على بناء سردي بالغ الكثافة، يستجمع أبعادا تاريخية ووجودية وفكرية متداخلة، من خلال سيرة محمد بنيس، الموظف لدى الإدارة الاستعمارية بالدار البيضاء سنة 1946، الذي أوكلت إليه مهمة مراقبة رواد كابريه سنترا، المصنفين في نظر السلطة فئة هامشية ومصدر تهديد. غير أن هذا الفضاء، في عمقه الدلالي، يتجاوز كونه حانة عابرة، ليغدو بؤرة رمزية تتقاطع فيها الأزمنة، وتتجاور داخلها بقايا الحرب العالمية الثانية مع إرهاصات الحركة الوطنية، وتتعالق في جنباته أصداء خطاب المهدي بن بركة، في مشهد يكشف عن انفصام حاد في البنية الهوياتية والاجتماعية لمدينة كوزموبوليتانية تتجاور فيها عوالم الأوروبيين والأهالي دون أن تتلاقى.

يتمحور النسيج السردي حول جدلية الزمن، التي تتجسد في صورة “ساعة سنترا” المعطلة، ذات عقرب كبير واحد مستقر دائما على الرقم 9، بما يجعلها علامة على انكسار السيرورة التاريخية وانحباسها. هذا التوقف لا يحيل إلى عطب ميكانيكي، بل إلى اختلال في وعي الشخصيات بذواتها ومحيطها، إذ يغدو الزمن لديهم كتلة واحدة متداخلة، يستحيل فيها التمييز بين ماض وحاضر ومستقبل. ويعزز الموتشو هذا المعنى حين يشبه رواد سنترا بأناس ولجوا كهفا زمنيا ولم يغادروه، في إشارة إلى اغترابهم عن حركة التاريخ، وانفصالهم عن منطق التقدم.

في هذا المناخ المختنق، تتبدى شخصية محمد بنيس باعتبارها تجسيدا مكثفا لأزمة المثقف، إذ يتأرجح بين عجز شخصي وانكسار جماعي. فمعاناته من العنة لا تقف عند حدود الجسد، بل تنبسط كاستعارة كاشفة عن عجز أعمق، يمس قدرته على الفعل والتأثير في واقعه السياسي والاجتماعي. ويزداد هذا التمزق حدة بفعل موقعه الوظيفي داخل إدارة الشؤون العامة التابعة للاحتلال الفرنسي، حيث يمارس المراقبة، في تعارض صارخ مع ميوله النضالية وانتمائه إلى الحزب الشيوعي، فيغدو ممزقا بين انتماءين متنافرين، لا يملك القدرة على الحسم بينهما.

أما كابريه سنترا، فيرتقي إلى مقام الفضاء الرمزي الذي تتكثف فيه الذاكرة الجماعية، أشبه بغرفة سوداء تعاد فيها صياغة الأحلام والذكريات. ويحتشد داخله طيف من الشخصيات الدالة: المعطي، المثقل بذاكرته الحربية وخرافاته؛ العلام، المنغمس في التحليل والتنظير؛ علالو، الغارق في تأملاته المخدرة بالكيف؛ ومليكة، التي يجسد جنونها وتعدد زيجاتها صورة صارخة للتيه الوجودي. في هذا السياق، يتحول الحكي إلى فعل مقاومة ضد النساوة، ومحاولة يائسة لاستبقاء المعنى في وجه التلاشي.

ولا ينفصل هذا العالم عن سياقه التاريخي، إذ يستحضر السرد لحظات مفصلية هزت الوعي العربي والمغربي، من خلال حضور جمال عبد الناصر كطيف يفصح عن حقيقة هزيمة 1967 بوصفها انهيارا لحلم جماعي، ثم اغتيال عمر بنجلون سنة 1975، الذي يشكل منعطفا مأساويا يعلن أفول جيل من الطموحات الثورية، وانغماس الفضاء في عتمة كثيفة وضباب خانق.

ويتجلى البعد الأخلاقي والوجداني في انقسام حياة محمد بنيس بين تولا وسوليكا. تولا، الخادمة النوبية التي استغلها في القاهرة وتخلى عنها حاملا، تعود إليه في هيئة طيف أو متلبسة شخصية خربوشة، فتوقظ في داخله وخز الضمير وثقل الخطيئة. أما سوليكا، زوجته اليهودية العصرية، فتتبدل صورتها بين الفتنة والذبول، في إشارة إلى تآكل الحاضر وانحلال قيمه الجمالية.
وعند تخوم النهاية، ينزاح محمد بنيس من أفق الالتزام الأيديولوجي إلى أفق روحي، حيث يغدو الإحسان لديه أسمى مراتب الوعي والضمير، في تحول يوحي بالبحث عن خلاص يتجاوز حدود التاريخ والسياسة. غير أن هذا المسار يفضي إلى مشهد الاحتضار داخل المستشفى، حيث تنطفئ الذات وقد استنفدت إمكاناتها في صراع لم يبلغ غايته.

إن كابريه سنترا، في مجمل الدلالة، ليس مكانا معزولا، بل مرآة لمجتمع مأزوم، تختلط فيه الجدلية بالهزل، وتضيع حدوده الزمنية تحت وطأة الاستعمار والتحولات الاجتماعية. وهو، في الآن ذاته، تجسيد لأزمة المثقف المغربي، الذي يتخبط بين وعي مثقل وعجز مستحكم، بين ماض يستدعيه بوصفه ملاذا، وحاضر يعجز عن امتلاكه.

وتبرز هذه الأزمة في لجوء شخصيات مثل العلام وعنيبة ومحمد بنيس إلى الاحتماء بالتنظير والشعر، حيث يستعيضون عن الفعل بالتأمل، وعن التغيير بالاجترار، فتغدو رؤيتهم للعالم ضبابية، بلا جسر يصل الفكر بالممارسة. وفي هذا الانعزال، يتحول الفضاء إلى ما يشبه عش الزنابير، حيث اللغة غامضة، والعلاقات مبتورة، والواقع مؤجل.

كما يكشف المسار عن مفارقة صارخة، تتمثل في تبني قشرة الحداثة دون امتلاك روحها، إذ يظل المثقف أسير قيم متكلسة، عاجزا عن مواكبة التحولات أو الإسهام فيها. وتزيد الصدمات التاريخية، كنكسة 1967 واغتيال عمر بنجلون، من تعميق هذا الانكسار، فتدفعه إلى الانكفاء والانسحاب من معترك التاريخ.

وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في رمزية الساعة المعطلة، التي تختزل حالة الشلل الحضاري، إذ تشير إلى انفصال الذات عن الزمن الفاعل، وإلى الارتماء في نوستالجيا عقيمة، لا تفضي إلى فعل. كما توحي وقفتها عند التاسعة إلا ربعا بأن المشاريع الفكرية والسياسية تظل أبدا ناقصة، محكومة بعدم الاكتمال، وكأنها ولدت وفي داخلها بذرة إخفاقها.

هكذا تنبني الرواية بوصفها مساءلة جذرية لوضع إنساني مأزوم، حيث يختلط الفشل التاريخي بقشرة الحداثة، ويبحث الأفراد عن خلاصهم في الحلم أو الحكي أو النزوع الروحي، في عالم يتآكله العجز، ويغدو فيه الزمن شاهدا على الانكسار، لا أفقا للانبعاث.

إقرأ الخبر من مصدره