عبد اللطيف أبو البراء قسطاني
في كل مرة يطفو على السطح حديث عن المال في السياسة بالمغرب، يعود السؤال ذاته بإلحاح أكبر.. هل ما زالت السياسة فعلا نبيلا لخدمة الصالح العام، أم تحولت عند بعض الفاعلين إلى سوق مفتوحة تباع فيها التزكيات والمواقع والنفوذ؟ التصريح الذي نسب لعبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، حول طلب أحد الأمناء العامين لأحد الأحزاب مبلغا يصل إلى 700 مليون سنتيم مقابل تزكية انتخابية، لم يكن مجرد كلام عابر في سجال سياسي. بل كان بمثابة مرآة عاكسة لواحد من أخطر الأعطاب التي تنخر الحياة الحزبية المغربية منذ سنوات، أعطاب المال الانتخابي، والفساد السياسي، وتحويل العمل الحزبي إلى تجارة مربحة بدل أن يكون رسالة وطنية وأخلاقية.
الأخطر في الأمر ليس فقط الرقم الصادم، بل ما حمله التصريح من إيحاء بأن مثل هذه الممارسات أصبحت “معروفة” و”شائعة”، وكأن المجتمع السياسي المغربي بدأ يتعايش مع الانحراف باعتباره أمرا طبيعيا. هنا تكمن المأساة الحقيقية. فحين يصبح الفساد أمرا معتادا، تفقد السياسة روحها، ويفقد المواطن ثقته، وتتحول الديمقراطية إلى مجرد واجهة شكلية تدار خلفها شبكات المال والنفوذ والمصالح.
لقد آن الأوان فعلا لأن يطرح السؤال بجرأة ووضوح.. ألم يئن الأوان للسياسة بالمغرب أن تنظف نفسها وتتخلص من الشوائب والظواهر السلبية التي أفقدتها هيبتها ومصداقيتها؟ ألم يحن الوقت لكي تعود الأحزاب إلى دورها الطبيعي كمدارس للتأطير والتكوين وصناعة النخب، بدل أن تتحول عند البعض إلى شركات انتخابية موسمية؟
الحديث عن “بيع التزكيات” ليس جديدا في المغرب، وإن كان نادرا ما يقال بهذه الصراحة. فمنذ سنوات طويلة، تتردد في الكواليس السياسية قصص عن مرشحين يدفعون أموالا طائلة للحصول على تزكية حزب معين، خصوصا في الدوائر الانتخابية التي تعتبر “مضمونة” أو ذات حظوظ قوية. وفي كثير من الأحيان، لا يكون المعيار هو الكفاءة أو التاريخ النضالي أو المشروع السياسي، بل حجم “القدرة المالية” للمرشح. وهكذا يجد المناضل الحقيقي نفسه مهمشا، بينما يتصدر المشهد أصحاب المال والنفوذ.
هذه الظاهرة لا تضرب فقط مصداقية الأحزاب، بل تضرب جوهر الديمقراطية نفسها. لأن الانتخابات، في أصلها، هي آلية لاختيار الأفضل لخدمة المواطنين. ومع تحول التزكية إلى سلعة، يصبح المقعد البرلماني استثمارا ماليا يسعى صاحبه لاسترجاع ما دفعه، وربما مضاعفته. ومن هنا تبدأ سلسلة خطيرة من الفساد.. شراء الأصوات، استغلال النفوذ، نهب المال العام، وتوظيف السلطة لخدمة المصالح الشخصية.
وأخطر ما أنتجه المال السياسي بالمغرب هو تشويه صورة المنتخب في المخيال الشعبي. فالمفروض في النائب البرلماني أو المستشار الجماعي أن ينظر إليه باعتباره ممثلا للأمة أو خادما للشأن العام. في حين أن هذه الممارسات رسخت لدى فئات واسعة من المواطنين صورة سلبية تختزل السياسي في شخص يبحث عن الامتيازات والصفقات والريع. وهذه الصورة، حتى وإن كانت ظالمة في حق بعض الشرفاء، فإن من صنعها في النهاية هو سلوك جزء من الطبقة السياسية نفسها.
لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية في ظل هيمنة المال الفاسد. لأن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي أيضا أخلاق وقيم وتكافؤ فرص. وحين يدخل المال بقوة إلى العملية السياسية، يصبح المواطن البسيط عاجزا عن المنافسة، مهما كانت كفاءته أو نزاهته. وهكذا يتم إقصاء الطاقات الحقيقية لصالح “أعيان الانتخابات” وأصحاب الثروات.
لقد عانى المغرب طويلا من ظاهرة “الترحال السياسي”، حيث ينتقل بعض المنتخبين من حزب إلى آخر بحسب المصلحة والفرصة. لكن الأخطر من الترحال هو غياب القناعة السياسية أصلا. فبعض المرشحين لا يهمهم البرنامج ولا المرجعية الفكرية، بل فقط الحزب القادر على منحهم التزكية التي تضمن لهم الوصول إلى البرلمان أو الجماعة. وهذا دليل على أن السياسة عند البعض فقدت بعدها القيمي وتحولت إلى وسيلة للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي.
والمسؤولية هنا لا تقع فقط على الأحزاب، بل أيضا على المجتمع والدولة والإعلام. فحين ينجح أصحاب المال في الانتخابات رغم الشبهات التي تحيط بهم، فهذا يعني أن هناك خللا جماعيا. فالمواطن الذي يبيع صوته مقابل مبلغ مالي أو خدمة مؤقتة، يساهم بدوره في إعادة إنتاج الفساد. والإعلام الذي يصمت أو يطبع مع الانحرافات السياسية يتحمل جزءا من المسؤولية كذلك.
لكن رغم هذا السواد، لا ينبغي السقوط في التعميم أو اليأس. فما زالت في المغرب كفاءات سياسية محترمة، ومناضلون شرفاء، وأحزاب تضم طاقات وطنية نظيفة. غير أن المشكلة أن هذه الأصوات غالبا ما تحاصر داخل منطق المال والنفوذ. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ بإعادة الاعتبار للسياسة النبيلة، وتشجيع الكفاءات النظيفة، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل صارم.
إن تخليق الحياة السياسية لم يعد ترفا فكريا أو شعارا انتخابيا، بل أصبح ضرورة وطنية ملحة. لأن استمرار الوضع الحالي يهدد الثقة في المؤسسات، ويعمق العزوف السياسي، ويفتح الباب أمام الشعبوية والتطرف. فالشباب المغربي اليوم ينظر إلى السياسة بكثير من الشك والسخرية، ويرى في الأحزاب مجرد أدوات للصراع على المناصب. وهذه أخطر نتيجة يمكن أن تصل إليها أي ديمقراطية ناشئة.
وقد أثبتت التجارب العالمية أن الإصلاح السياسي الحقيقي يبدأ من داخل الأحزاب نفسها. فالحزب الذي لا يمارس الديمقراطية داخله، لا يمكن أن يبني ديمقراطية في المجتمع. والحزب الذي تباع فيه التزكيات أو تمنح على أساس الولاءات الشخصية والمالية، لا يمكن أن يفرز نخبا قادرة على خدمة الوطن. لذلك فإن أول خطوة نحو الإصلاح هي فرض الشفافية داخل الأحزاب، واعتماد معايير واضحة ونزيهة في اختيار المرشحين.
كما أن القوانين الانتخابية بحاجة إلى مراجعة عميقة. فمحاربة المال الانتخابي لا تتم فقط بالشعارات، بل بآليات رقابية صارمة، وعقوبات حقيقية، وتفعيل دور مؤسسات الحكامة. ولا يعقل أن تظل الشبهات تتكرر في كل استحقاق انتخابي دون أن نرى محاسبة واضحة ورادعة. فالإفلات من العقاب هو ما يشجع على استمرار الفساد.
ثم إن المجتمع المدني مطالب بدور أكبر في مراقبة الانتخابات وفضح الممارسات المشبوهة. فالديمقراطية ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية جماعية. كما أن الإعلام الحر والنزيه يبقى خط الدفاع الأول ضد الفساد السياسي، لأنه يسلط الضوء على التجاوزات ويمنح المواطنين حق المعرفة.
أما المواطن المغربي، فهو بدوره أمام امتحان حقيقي. فالتغيير لا يأتي فقط من فوق، بل يبدأ أيضا من صندوق الاقتراع. فحين يرفض المواطن بيع صوته، وحين يعاقب الفاسدين انتخابيا، وحين يختار الكفاءة والنزاهة بدل المال والقبلية، عندها فقط يمكن أن تبدأ السياسة في التطهر.
والمغرب اليوم بحاجة إلى ثورة أخلاقية في السياسة، لا ثورة على السياسة. لأن هدم الثقة في المؤسسات خطر كبير، لكن الأخطر منه هو استمرار الفساد داخلها. والمطلوب ليس شيطنة العمل السياسي، بل إنقاذه ممن أساؤوا إليه.
لقد تعب المغاربة من الشعارات الفضفاضة والوعود الموسمية. ويبحثون عن سياسة نظيفة، ونخب صادقة، وأحزاب تحترم ذكاءهم. يريدون أن يشعروا بأن البرلمان يمثلهم فعلا، وأن المنتخب يخدمهم لا يخدم مصالحه الخاصة. ويتطلعون لأن يعود للسياسة معناها النبيل.
وتصريح بنكيران، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا حول خلفياته السياسية، أعاد فتح جرح قديم في الحياة السياسية المغربية. لكنه في الوقت نفسه يضع الجميع أمام مسؤولياتهم. فإما أن يتحول هذا النقاش إلى فرصة حقيقية للإصلاح، وإما أن يظل مجرد ضجيج سياسي عابر ينتهي بانتهاء الجدل الإعلامي.
فإلى متى ستظل السياسة رهينة المال والنفوذ؟ وإلى متى سيظل المواطن يؤدي ثمن فساد لا يشارك فيه؟ ثم ألم يئن الأوان فعلا لكي تنظف السياسة المغربية بيتها الداخلي، وتستعيد شرفها وهيبتها ورسالتها الوطنية؟
لقد آن الأوان، بل تأخر الأوان كثيرا. لأن الأمم لا تبنى بالمال الفاسد، ولا تنهض بالأحزاب الضعيفة أخلاقيا، ولا تتقدم بسياسيين يعتبرون المناصب غنائم. الأمم تبنى بالثقة، والنزاهة، والكفاءة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
والمغرب، الذي راكم تجربة سياسية مهمة، ويملك مؤسسات دستورية متقدمة مقارنة بعدد من الدول، يستحق حياة سياسية أكثر نظافة وشفافية. ويستحق أحزابا تفرز الكفاءات لا الأثرياء فقط. ويستحق برلمانا يعكس إرادة الشعب لا قوة المال. ويستحق سياسة تعيد للمواطن الأمل بدل أن تدفعه إلى النفور والعزوف.
إن معركة تخليق السياسة ليست سهلة، لأنها مواجهة مع مصالح قوية وشبكات نفوذ متجذرة. لكنها معركة ضرورية إذا أراد المغرب أن يربح رهانه الديمقراطي والتنموي. فلا تنمية بدون ثقة، ولا ثقة بدون نزاهة، ولا نزاهة بدون إرادة حقيقية للتطهير والإصلاح.
وتبقى السياسة، رغم كل شيء، أداة نبيلة حين تكون في يد الشرفاء. ويبقى الأمل قائما في أن تستعيد الحياة الحزبية المغربية عافيتها، وأن يظهر جيل جديد من السياسيين المؤمنين بخدمة الوطن لا بخدمة الحسابات الشخصية. يومها فقط، يمكن أن نقول إن السياسة بالمغرب بدأت فعلا تتخلص من شوائبها، وتسير في الطريق الصحيح نحو المستقبل.