المغاربة يتبرعون بـ 600 مليار سنويا

Écrit par

dans

في غياب إحصاءات رسمية دقيقة وشاملة حول القيمة الإجمالية لتبرعات المغاربة، تشير تقديرات غير رسمية إلى أن المغاربة يساهمون سنويا بما يتراوح بين 4 و6 مليارات درهم في شكل تبرعات، سواء كانت مالية مباشرة أو على شكل مساعدات عينية وخدمات تطوعية.

ويزداد هذا السخاء بشكل ملحوظ في فترات معينة من السنة، خصوصا خلال المناسبات الدينية مثل شهر رمضان، الذي يعد شهر الذروة في العمل الخيري، حيث تتضاعف التبرعات والمساعدات، سواء عبر توزيع القفف الغذائية، أو المساهمة في إفطار الصائمين، كما تتضاعف مظاهر التضامن من خلال توزيع الأضاحي، والكسوة، والإعانات الغذائية.

لكن التبرع لا يقتصر على المناسبات الدينية فقط، بل يطفو على السطح بقوة خلال الأزمات الوطنية الكبرى، حيث يظهر المغاربة قدرة عالية على التعبئة المجتمعية، كما كان عليه الأمر خلال حملات التضامن التي أطلقتها الدولة بعد زلزال الحوز، أو تفاعلا مع صندوق تدبير جائحة «كوفيد-19» الذي أنشئ سنة 2020، وشهد تفاعلا استثنائيا من الأفراد والشركات على حد سواء.

وفي السياق ذاته، يشير «مؤشر العطاء العالمي للعام 2023»، وهو تقرير تعده مؤسسة المساعدات الخيرية (منظمة غير ربحية مقرها المملكة المتحدة)، إلى أن المغرب شهد أكبر قفزة في التبرع المالي بعد زلزال الحوز. حسب التقرير، الذي يقوم على استطلاع آراء الناس حول الأعمال الخيرية التي قاموا بها في الشهر الذي يسبق موعد الاستطلاع (مساعدة شخص غريب، والتبرع بالمال، أو التطوع لفائدة عمل خيري)، فقد انتقل عدد المتبرعين من 2% سنة 2022 إلى 18% خلال سنة 2023، كما تضاعف معدل التطوع من 8% إلى 16% .

مع ذلك فإن التقرير أفرز نتائج غير متوقعة، إذ حل المغرب متأخرا في المرتبة 128 من أصل 142 دولة شملها التقرير. بينما خلص إلى أن 70 في المائة من المغاربة البالغين قدموا مساعدات لغرباء، و2 في المائة فقط تبرعوا بالمال، و8 في المائة تطوعوا في أعمال خيرية. ونتيجة لذلك حصل المغرب على 26 درجة على مؤشر العطاء، حيث تشير الدرجة الأعلى (من 100) إلى أن عددا أكبر من السكان منخرطون في العطاء.

كما يشير التقرير الذي يستمد بياناته من “مؤسسة غالوب الدولية” لاستطلاعات الرأي، إلى أنه على الرغم من التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها معظم المجتمعات الافريقية، فإن الكرم لا يزال متأصلا في المنطقة، مدفوعا بالتقاليد الثقافية القديمة التي تركز على التضامن والمساعدة المجتمعية.

في عمق هذا المشهد المتقلب، يبرز سؤال جوهري: لماذا لا ينعكس هذا السخاء الشعبي في مؤشرات عالمية؟

يفسر متتبعون هذا التناقض بين ميل المغاربة إلى التبرع وكرمهم، وبين ضعف المؤشرات التي ترصدها استطلاعات الرأي، بإشكاليات تتعلق بالإطار التنظيمي، وبضعف الثقة في الوسائط المؤسساتية، أكثر مما يعكس غيابا للروح التضامنية.

ورث المغاربة التضامن عن أجدادهم وآبائهم، فهو مترسخ في الثقافة والدين، إلا أن عموم هؤلاء ما يزالون يفضلون التبرع المباشر أو العفوي، بعيدا عن القنوات الرسمية أو الجمعيات المسجلة، وهو ما يصعب من عملية رصد الأرقام وتوثيقها في تقارير دولية. فغالبا ما تتم المساعدات في شكل معاملات فردية أو جماعية غير خاضعة لأي تتبع مؤسساتي، سواء داخل الأحياء الشعبية، أو عبر شبكات الأقارب والمعارف، أو حتى عبر الوسطاء الرقميين، وهو ما يجعل جزءا كبيرا من هذا العطاء بعيدا عن الأعين.

ويضيف بعض الباحثين أن ضعف الإطار القانوني المنظم لأعمال الإحسان والتبرع، وغياب تحفيزات ضريبية واضحة للمتبرعين، يساهم في استمرار هذه الهوة بين الممارسة الفعلية والتصنيف الدولي.

فبينما تعتمد دول كثيرة على نظام شفاف يتيح تتبع أثر التبرعات وتعزيز الشفافية المالية، ما تزال أغلب المبادرات المغربية قائمة على الثقة الشخصية والانطباع المباشر حول صدقية الحالة، مما يعرض هذه المبادرات أحيانا لمخاطر الاستغلال أو النصب.

ومع ذلك، فإن واقع الحال يؤكد أن «الكرم المغربي» هو طاقة مجتمعية كامنة، تحتاج فقط إلى تأطير أفضل، وتشجيع أكبر من طرف الدولة والمؤسسات المعنية، من خلال سن قوانين حديثة تسهل جمع التبرعات وتنظمها، مع توفير آليات رقمية شفافة وآمنة تسهم في تعزيز الثقة، وإدماج العمل الخيري ضمن السياسات العمومية للتنمية الاجتماعية.

إن قصص النجاح التي تصنعها مبادرات فردية عبر منشورات على مواقع التواصل، أو حملات تضامن رقمي عفوية، تؤكد الحاجة لتحويل المبادرات المشتتة إلى قوة جماعية قادرة على تحقيق التغيير المنشود. فالمطلوب ليس فقط تعديل القانون، بل إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتطوير ثقافة التبرع من فعل فردي إلى ممارسة مجتمعية مؤطرة، قادرة على تحقيق الأثر في حياة المستفيدين، وبناء مجتمع أكثر إنصافا وتماسكا.

إقرأ الخبر من مصدره