عزالدين سر
جاءت زيارة الرئيس الأمريكي الأخيرة إلى الصين لتكشف عن تحول عميق في العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، والتي مرت بعدة مراحل من الشد والجدب، خلال أكثر من نصف قرن، استخدمت فيها الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجيات مختلفة، بين ما هو اقتصادي وعسكري ودفاعي وتجاري، تراوحت بين الفشل والنجاح المحدود، وتبقى أهمها “استراتيجية الاحتواء” (Containment Strategy) التي حالت دون تمدد الصين في محيطها الإقليمي، إضافة إلى “استراتيجية الغموض الاستراتيجي” (Strategic Ambiguity Strategy) في ملف تايوان من خلال منع ضم الصين لتايوان، وتني هذه الأخيرة عن الاستقلال.
فرغم كل المحاولات الاستراتيجية المتعددة المستويات التي وظفتها واشنطن، نجحت بيجين في أن تصبح قوة اقتصادية وتجارية، تقف ندا للند أمام القوة الأمريكية، التي أدركت أن الصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة يمكن احتواؤها أو الحد من توسعها عبر الأدوات التقليدية التي استُخدمت سابقاً مع الاتحاد السوفيتي، كما يرى ذلك “هنري كيسنجر” (Henry Kissinger) فإن العلاقة مع الصين يجب أن تدار وفق مبدأ التوازن لا المواجهة، مع عدم جعل الصين عدوا مفترضا بل شريكاً تجارياً، كما يرى كذلك، أن الصراع الأمريكي الصيني لا يمكن أن يصل إلى مستوى الصراع والتنافس الصفري، إذ لا يمكن احتواء الصين كما تم احتواء الاتحاد السوفيتي، لأن الأولى، تمثل حضارة ضاربة جدورها في التاريخ، ولها اقتصاد مؤثر على المستوى العالمي، وقدرة تكنولوجية في تصاعد مهم، والثانية، هي مجموعة جمهوريات جمعتها الإيديولوجية المتمثلة في الاتحاد السوفياتي.
وكرد على مختلف الاستراتيجيات التي نهجتها واشنطن مند عقود في علاقاتها مع الصين، فقد وضع الرئيس الصيني لأول مرة العلاقة بين البلدين، في إطارها الجديد، عندما وصفها ب”الاستقرار الاستراتيجي البناء” (Constructive strategic stability)، وذلك لمنع أي خطوة أمريكية فيما يتعلق بملف تايوان، والرسوم الجمركية، والنزاعات الإقليمية، والقيود التكنولوجية، هذا الإطار الجديد يشكل تحولا مهما عن مصطلح “المنافسة الاستراتيجية” (Strategic Competition) الذي استخدمه الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.
ويقوم “الاستقرار الاستراتيجي البناء”، باعتباره الإطار الجديد للعلاقات الصينية الأمريكية، على أربع دعامات، منها الاستقرار الإيجابي القائم على التعاون، والاستقرار السليم القائم على التنافس المنضبط، والاستقرار الطبيعي القائم على التحكم في الخلافات، والاستقرار المستدام القائم على التطلع نحو السلام. هذا التموضع الجديد، سيسمح للقوتين من تدبير جميع التوترات التي يمكن أن تخرج عن السيطرة، وسيجعل من الاستقرار بمثابة الوضع الطبيعي في تلك العلاقات، التي تطال تداعياتها مختلف دول العالم.
فالصراع والتنافس بين القوتين، أضحى استراتيجي وتكنولوجي واقتصادي أكثر منه إيديولوجي، فالصين تعمل باستراتيجية طويلة النفس، تقوم على التوسع الاقتصادي الهادئ، وتعزيز النفوذ الجيوسياسي، من خلال مبادرة “الحزام والطريق” (Belt and Road Initiative)، و”منظمة شنغهاي للتعاون” (SCO) وتجمع البريكس (BRICS)، وكذلك التخلي التدريجي عن اعتماد الدولار الأمريكي، وتعويضه بالعملة الصينية اليوان (Chinese Yuan) في المبادلات التجارية الدولية. أما الولايات المتحدة الأمريكية فتعمل باستراتيجية الحسم السريع، ولهذا بدأت في الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة إدارة التوازن الاستراتيجي، بما يحفظ تفوقها الدولي دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
ومن بين الملفات الإقليمية والدولية التي تستأثر باهتمام القوتين النوويتين، ملف تايوان والنزاع الأمريكي الإيراني والتوتر بمضيق هرمز، والأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى القضايا التجارية والاستثمارية بين البلدين، وكذلك التكنولوجيا والمعادن النادرة والرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات.
الملف الإيراني والتوتر بمضيق هرمز:
بعد السيطرة على النفط الفنزويلي، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية السيطرة على النفط الإيراني والتحكم في مضيق هرمز، باعتباره ممرا حيويا للطاقة والتجارة، فالصين تستورد عبره نحو 80% من احتياجاتها المتعلقة بالطاقة، منها نحو 5.4 ملايين برميل نفط من إيران ودول الخليج، وتمر من خلاله 60% من تجارتها البحرية، واستمرار إغلاق هذا المضيق باعتباره شريان اقتصادي عالمي، يشكل تهديدا مباشرا للاقتصاد الصيني، كما امتدت تداعياته لمختلف دول العالم، إضافة إلى الأسمدة والمعادن النادرة، التي تمر منه، علما أن تغيير مسار الملاحة يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وكذلك المضاربات، مع العلم أن ارتفاع الأسعار لا يتأثر فقط بتوقف وتعطيل الإمدادات، بل بمجرد التنبؤ بحدوث اضطراب على مستوى العرض والطلب.
ولاعتبار الصين الدولة الأكثر قدرة على التأثير في الموقف الإيراني، ربما وجدت واشنطن نفسها مضطرة إلى طلب تعاون بيجين من أجل احتواء التصعيد في الشرق الأوسط، من خلال هذه الزيارة، باعتبار الصين الشريان الاقتصادي الأهم للنظام الإيراني، من خلال الدعم التقني والعسكري، والمالي من وراء شرائها للنفط الإيراني، في ظل العقوبات الغربية، فضلا عن التقارب السياسي والثقافي الذي يجعل النموذج الصيني أقل إثارة للحساسية الإيرانية مقارنة بالنموذج الغربي. ما وفر لطهران موارد مالية ساعدتها على الصمود اقتصاديا، وهي نفس الاستراتيجية التي اعتمدتها الصين للحصول على المزيد من الطاقة الروسية، ما منح موسكو قدرة أكبر في مواجهة تلك العقوبات الغربية المفروضة عليها، وتمويل حربها في أوكرانيا.
فهل توظف الصين ملف التعاون في مضيق هرمز كورقة تفاوضية مع واشنطن في ما يتعلق بملف تايوان، خاصة بعد صفقة الأسلحة الأخيرة بين الولايات المتحدة وتايوان؟
تايوان وأزمة الرقائق الإلكترونية:
في خضم هذا الصراع تبرز تايوان، كفاعل مهم في التوازنات الدولية الراهنة، والتي تحولت إلى شريان استراتيجي، من خلال التحكم بجزء مهم من الاقتصاد الرقمي على المستوى العالمي، بوجود أكبر شركة عالمية “تي إس إم سي” (TSMC) لإنتاج الرقائق الإلكترونية المتطورة، بأكثر من 60%، منها 90% أكثر تطورا، والتي تدخل في الصناعات العسكرية وتكنولوجيا الجيل الخامس، بما فيها الذكاء الاصطناعي والطائرات الحربية، والسيارات الكهربائية والذاتية القيادة.
لهذه الاعتبارات ترى الولايات المتحدة الأمريكية أن أي سيطرة محتملة للصين على تايوان، ستشكل تهديدا مباشرا للتفوق الأمريكي-الأوروبي في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة المستقبلية، في المقابل فإن بيجين تعتبر قضية تايوان، تمس جوهر السيادة الوطنية ووحدة الدولة الصينية، وتنظر للدعم الأمريكي للجزيرة بمثابة محاولة استراتيجية لتطويق ومنع صعود الصين كقوة أولى عالميا، دون الانجرار إلى حرب مباشرة، ستكون لها كلفة اقتصادية وعسكرية ضخمة على العالم بأسره، لذلك تسعى واشنطن إلى بناء توازن دقيق يقوم على احتواء المنافسة ومنع تحولها إلى صدام مفتوح، كما أشار لذلك “هنري كيسنجر”، بضرورة إدارة ملف تايوان بحذر شديد وأن أي خطأ يشوب هذا الملف المعقد سيفضي بالنتيجة إلى حرب نووية لا يمكن إيقافها، وكل هذا يوحي إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية أدركت بأن الصين باتت تعد قطب عالمي، لا يمكن إيقافه مهما فعلت، بالتالي يجب التعامل معها بوصفها شريكا تجاريا واستراتيجيا.
الصراع على المعادن النادرة:
فالصراع الأمريكي الصيني لم يعد يقتصر على الرقائق الإلكترونية، بل امتد إلى حرب المعادن النادرة، التي أصبحت تمثل العمود الفقري لصناعات المستقبل، كالبطاريات والهواتف الذكية والأسلحة المتطورة، وتقنيات الفضاء، والذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الطاقات المتجددة. وتسيطر الصين على معظم تلك المعادن النادرة، وأيضا على سلاسل التوريد والتكرير والمعالجة الصناعية، وهو ما منحها ورقة ضغط جيوسياسية مهمة، أصبحت توظفها في مواجهة الضغوط الغربية كما جاء ذلك في تقرير معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية (EUISS) الأخير، الذي يؤكد هيمنة الصين الشبه كاملة على سلاسل القيمة المرتبطة بالمواد الخام الحرجة، والتحكم الانتقائي في الصادرات وتقييد التراخيص، التي تستعملها في جمع المعطيات المتعلقة بشبكة الصناعات الغربية، بالمقابل فالولايات المتحدة الأمريكية حسب ما جاء في التقرير الاستراتيجي للأمن القومي لسنة 2025، تضع الطاقة في قلب مشروعها لاستعادة التفوق الاقتصادي والصناعي، وتعزيز قدرتها على الردع، داخليا لإعادة التصنيع، ودعم الطبقة الوسطى، والحفاظ على التفوق التكنولوجي، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية المستهلكة بشكل كبير للطاقة، وخارجيا بوصفها أداة نفوذ دولي، حيث يعاد توظيف صادرات الطاقة الأمريكية لتعميق الشراكات مع الحلفاء، وتقليص اعتمادهم على الخصوم، ومنعهم من السيطرة على أسواق الطاقة أو استخدام الموارد كسلاح سياسي ولا سيما في أوروبا وآسيا.
مستقبل العلاقات في ظل التطورات الجيوسياسية
في ظل التطورات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وبحر الصين الجنوبي وأمريكا اللاتينية، وسيطرة الولايات المتحدة على الممرات البحرية ومصادر الطاقة العالمية، ومع اعتماد الصين في تدفقات الطاقة والتجارة الدولية على تلك الممرات والمناطق، فإن هذا التشابك يجعل من الصعب على أي طرف تجاهل الآخر أو السعي إلى عزله بالكامل، كما أكد ذلك الزعيم الصيني، عندما وصف الزيارة بأنها “تاريخية”، قائلاً إن “النهضة العظيمة للأمة الصينية” وشعار ترامب “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” يمكن أن يمضيا جنباً إلى جنب، وأضاف أن العلاقات الصينية الأمريكية هي “أهم علاقات ثنائية في العالم”، لأنها تمس رفاه البلدين، البالغ عدد سكانهما 1.7 مليار نسمة، ومصالح أكثر من 8 مليارات شخص في العالم.
إن الإطار الجديد للعلاقات الأمريكية-الصينية لا يعني نهاية الصراع على قيادة النظام الدولي، بل يشير إلى تحوله من صراع إيديولوجي مباشر إلى تنافس استراتيجي واقتصادي وتكنولوجي طويل الأمد. إنه تنافس تحكمه البراغماتية والواقعية الدولية، فكل طرف يسعى إلى تعظيم مصالحه مع تجنب كلفة المواجهة المباشرة، وهو ما ظهر من خلال استحضار الرئيس الصيني مصطلح “فخ توسيديديس” (Thucydides Trap) بقوله أن السؤال الرئيسي بالنسبة للبلدين هو ما إذا كان بإمكانهما تجنب هذا الفخ، أي الصدام التقليدي بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة تخشى فقدان نفوذها، وهو مفهوم مستوحى من الصراع بين أثينا الصاعدة وإسبرطة المهيمنة في اليونان القديمة.
وتشير تقديرات استخباراتية أمريكية إلى أن الصين تواصل تطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية بوتيرة متسارعة، بنجاحها في بناء آلة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUVs)، لإنتاج رقائق أشباه الموصلات المتطورة التي تشغل الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية والأسلحة المتطورة، رغم القيود الغربية المفروضة عليها، والتي ظلت لسنوات محتكرة للرقائق الإلكترونية. ما يجعل من الزيارة الأخيرة بمثابة هدنة مؤقتة ضمن صراع استراتيجي طويل الأمد بين أكبر قوتين اقتصاديتين، خاصة بعد زيارة الرئيس الروسي لبيجين، والتي جاءت مباشرة بعد تلك التي قام بها الرئيس الأمريكي، وقد يشكل مشروع أنبوب الغاز “قوة سيبيريا 2” (Power of Siberia 2 Gas Pipeline) الذي سيربط روسيا بالصين، بديلا استراتيجيا، بعيدا عن الأزمات التي تشهدها المضايق التقليدية، كمضيق هرمز.
ختاما، فإن “الاستقرار الاستراتيجي البناء”، باعتباره الإطار الجديد للعلاقات الأمريكية – الصينية، يوحي بأن العالم يعيش مرحلة انتقالية تاريخية، تؤشر بإعادة تشكيل موازين القوى، نحو نظام متعدد الأقطاب، ستتضح ملامحه بشكل كبير، في المستقبل القريب.