المعلومات المستقاة عن السفير عبد الكريم العوني قليلة جدا، بحيث لم يعرف عنه إلا أنه كان أعيان تطوان، كما قال الرهوني في عمدته في الجزء الثالث.
ونفس الأمر استخلصه مؤرخ تطوان الذي قال “( ولم أقف على أكثر من ذلك من أخباره،) في إشارة إلى السفارة التي قام بها إلى تركيا، كما أضاف “ولم أقف على تاريخ وفاته”.
سـفـارتـه الـى تـركـيـا:
إن السفارة التي وجهه إليها السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى تركيا، كانت من الأهمية والفائدة. فهى الى جانب تمتين الصلات وتأكيد العلاقات بين البلدين، إلا أنها تميزت أيضا بإبراز دور المغرب وقوته، وعلو همته، ومتانة مكانته بين دول العالم. ولم يخطئ الناصري صاحب الاستقصا حينما عبر عن ذلك بقوله : (وكان السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله عالي الهمة، يحب الفخر، ويركب سنامه، ويخاطب ملوك الترك مخاطبة الأكفاء، ويخاطبونه مخاطبة السادة، ويمدحهم بالأموال والهدايا، حتى علا صيته عندهم، وحسبوه أكثر منهم مالا ورجالا. وكان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، ويوفد السفراء إلى تركيا بالهدايا الثمينة. وكان يفعل ذلك تقريبا كل سنة خصوصا عند سفر الركب النبوي إلى المشرق. وكان الأتراك يعاملونه بنفس المعاملة فيوجهون مع كل سفير قدم من المغرب سفيرا ترکیا بهدايا السلطان سيدي محمد بن عبد الله ولأرباب دولته تساوي الهدايا المغربية أوتفوقها).
وإلى جانب ذلك كله دخلت سفارة عبد الكريم العوني إلى منعطف أخر، يتعلق برد الشرف إلى سيادة المغرب، ويتعلق الأمر بالوقاحة الجزائرية التي كانت عصاباتها الإجرامية تدخل إلى التراب المغربي وتعيث فيه فسادا، وتقوم بأعمال السطو والنهب والإختلاس، ولما كثر الضرر على المواطنين المغاربة المجاورين للحدود الجزائرية وهي يومئذ مستعمرة تركية تجاور المغرب، وهي المسئولة عن الرعايا الجزائريين في كل ما يقومون به من أعمال القرصنة والنهب، كانت سفارة عبد الكريم العوني أيضا، تبليغ الخطاب السلطاني المغربي بالتشكي إلى السلطان العثماني عبد الحميد الثالث عن تصرفات الجزائريين على حدود المغرب بعدما سبقه إلى ذلك سفير أخر هو السيد محمد الحافي، وجاءت سفارة عبد الكريم العوني مرة ثانية لتأكيد هذه الشكاية من خلال ما حمله من الخطاب الملكي إلى السلطان العثماني ، وقد نشره الزياني في ” الترجمانة الكبرى” ومما ورد فيه (… إن لم تدفع ضررهم على المسلمين فدعني وإياهم..) وهو تهديد كما ترى للأتراك. ولذلك لما اخذوا رسالة السلطان المغربي، قابلوها بنوع من الجدية، “فراسلوا باشا الجزائر، وباشا تونس أيضا، لكي يتأدبوا مع السلطان محمد بن عبد الله، وينفذوا ما يكتب لهم عليه، ويفعلوا معه من الآداب ما يفعلونه مع السلطان عبد الحميد ”
“ووجهت الحكومة التركية هذه المكاتيب مع السفير إسماعيل أفندي فأمر أن يتوجه أولا إلى المغرب ليقدم للسلطان سيدي محمد كتابا يعتذر فيه الخليفة العثماني عن أعمال أهل الجزائر ويستوصي بهم خيرا، ورجع عبد الكريم العوني مع هذا السفير ، ولما اجتمعا بالمركب سأل العوني إسماعيل أفندي عن قضية أهل الجزائر فقال: “عندي المكاتيب لباشا الجزائر، وباشا تون ولسلطان المغرب، السلطان عبد الحميد كتب لهم أن يكونوا عند أمر مولاي محمد، فلم يشك العوني أن السلطان عبد الحميد ولى أمرهم لسلطان المغرب، فلما بلغوا طنجة نزل العوني من المركب واجتمع مع القائد ابن عبد الملك الحاكم على مدينة طنجة، فأخبره بقدوم الباشدور معه، وأنه أتى بالمكاتب لأهل الجزائر وتونس بولاية السلطان عليهم، فلم يشك القائد في ذلك، وفي الحين كتب لأمير المؤمنين أن السلطان عبد الحميد أعطاه الجزائر وتونس وصاحبه قدم بالمكاتب”.
وترتب عن هذه الكذبة التي أطلقها السفير التركي ان نتج عنها أن السلطان المولى محمد بن عبدالله صدق الأمر ، فأمر قواده في جميع النواحي التي سيمر منها السفير التركي لغاية الرباط . بتنظيم الاحتفالات باستقباله بما يليق من الحفاوة والإكرام.
حتى وصل إلى الرباط اعتقادا من المولى محمد بن عبد الله أنه يحمل بالفعل رسالة السلطان العثماني بتسليم تغري الجزائر وتونس إليه.
وظل السفير العثماني تحت رعاية وعناية سلطان المغرب، وحظي بالهدايا والاكرامات المتعددة التي أغدقت عليه من أعيان الدولة ورجال المخزن، وحضر السفير التركي احتفالات عيد الأضحى المبارك، وفي يوم الجمعة الموالي لعيد الأضحى استقبل السفير التركي في مسجد السنة من طرف الملك المغربي، وبعد مراسيم صلاة الجمعة أمر السلطان قاضي القضاة بقراءة كتاب الخليفة العثماني فلم يكن فيه سوى الإعتذار عن أعمال أهل الجزائر فغضب السلطان غضبا شديدا ونسب الكذب للسفير التركي وأمر بإرساله في الحين إلى تطوان ريثما يرده سفير مغربي الذي يلحق به إلى بلاده.
الكتاب: سفراء تطوان على عهد الدولة العلوية
للمؤلف: محمد الحبيب الخراز
(بريس تطوان)
يتبع…
الكتاب: سفراء تطوان على عهد الدولة العلوية
للمؤلف: محمد الحبيب الخراز
(بريس تطوان)
يتبع…
Laisser un commentaire