شيدت في بليونش مجموعة من المنازل الملوكية والمنيات والمساكن النبيهة على امتداد تاريخها، وكان موقعها وما يحف بهما من جميل المنظر والطبيعة داعيا إلى اتخاذ المنازه والقصور بها، ومن أوائل ما دشن فيها القصر الروماني الذي أدرك الرواق في القرن الرابع أطلاله وأقباء مبنية تحت الأرض كانت تتخذ لحفظ الطعام والمؤونة. وآثار أخرى أشار إليها بقوله: «وغير ذلك» لعلها خرائب وأطلال لمساكن وجنات وأرحاء. وموضعه عند الخندق الكبير غرب برج السويحلة، وكان يعرف زمن الوراق بالقصر إشارة إلى الحصن الذي شيده الرومانيون فيه وسط كروم بليونش وبساتينها وأطلقوا عليه اسم اكسليسيا-Exilissai.
وأما في الفترة الإسلامية فقد تطورت منازل بليونش تطورا هائلا، وتأنق الناس فيها بما لا مزيد عليه عمارة وفنا وذوقا وحسن زخرفة وجمال منظر. ويمكن الحديث في هذا السياق عن نوعين من المنازل في بليونش.
النوع الأول: المنازل الملوكية، وهو المنزل الذي كان يبنى على طراز المنية الأندلسية، والمنية مكان يتخذ للاستجمام وتتوافر فيه كل مقومات الشعور بالراحة والهدوء والسكينة بعيدا عن أعين الناس. وهي بهذا المعنى مرادفة للمنتزه. وهي من أثر العمارة الأندلسية في المغرب، وقد ظهرت المنيات في الأندلس في القرن الثاني الهجري، واتخذت في الأندلس عدة منيات، لا سيما في أرباض قرطبة ومن ثم انتقلت التسمية إلى العدوة، وتنفرد ضاحية مدينة قرطبة عن ضواحي مدن الأندلس الأخرى بكونها الضاحية التي عرفت إقامة أكبر عدد من المنيات وأشهرها كذلك.
وإلى هذا النوع من المباني أشار ابن سعيد المغربي (685-1286/0610-1213م) بقوله: «وفي بر العدوة؛ أماكن للفرجة متعددة آخذها بمجامع القلوب وأزمة الأبصار؛ بليونش. متنزه بظاهر سبتة على البحر، في نهاية من حسن الوضع وانحدار المياه والتفاف الأشجار وتزخرف المباني». وهذه الإشارة من ابن سعيد تشير إلى أن التزخرف في بناء الدور والمساكن صار سمة بارزة في بليونش في القرن السابع، وسيشهد هذا التزخرف قمته وروعته في القرن الثامن الهجري. حتى إذا زارها ابن الخطيب قال ذاكرا فضائل سبتة: «وكفاها السكنى ببليونش في فصول الأزمان، ووجود المساكن النبيهة بأرخص الأثمان». بل جعل عبد المهيمن الحضرمي المنازل منازه في قوله:
منــازل مـا إن علـى مـبدل *** هـاء مكان الـلام فيهـا انتقاد
ولا تكون المنازل منازه إلا إذا بلغت الغاية في الزخرفة والتأنق والإنشاء.
وهذا الزخرفة التي اشتهرت بها منازل بليونش، كانت مزيجا من الفن المغربي والغرناطي الأندلسي، لذلك كان الشبه واضحا بينها وبين زخارف قصر الحمراء في غرناطة وكذا منارة شالة ومجموعة من المحفوظات الموجودة في المتحف الأركيولوجي في قرطبة. ومما يؤكد هذا التشابه أن الحاج عبد الله بن الصباح عندما زار سبتة وأحوازها بعد سنة 1349/750مـ، ذكر بأن سبتة كأنها حاضرة من حواضر الأندلس، وأنها الأندلس الصغيرة في هوائها وطباع أهلها وعوائدهم وماكلهم أيضا، ومما يدل على هذا أيضا أن أبا العباس الحسيني بني في جنة الحافة قبة كان يتخذها مجلسا للمؤانسة، وبناء القبة في البساتين من عناصر العمارة الأندلسية.
النوع الثاني: البيوت التي كانت للعاملين في الجنات والبساتين ومن كان على شاكلتهم، وبعض منازل بليونش الآن بنيت على أنقاض تلك المنازل والبيوت أو رممت وسكن فيها، «ومن الراجح أن أشكال تلك المنازل تشبه منازل بادية غرناطة». وهي منازل بدوية تقوم على مجموعة من العناصر التي لا زالت البادية المغربية تحتفظ بها خصوصا منطقة أنجرة، حيث يحتفظ البيت الجبلي بالكثير من ملامح البيت الغرناطي، مثل الجدران المجيرة بالأبيض وجوانبها السفلى بالأزرق، والقرميد الأندلسي الأحمر الذي يغطي سقف البيت من الخارج، والذي لايزال الإسبان إلى اليوم يسمونه: القرميد العربي (Teja Arabe). ومن بين العناصر أو الوحدات المكونة للمنزل القروي في أنجرة ونجد لها مثيلا في بيوت الأندلس القديمة السطح والدويرة التي تزدان بأصص الأزهار ومشاتل الورود من أنواع السوسن والياسمين المرددوش والقرنفل والحبق وبيت المرمة وهي آلة الحياكة التقليدية بالمغرب، مما جلبه الأندلسيون إلى المنطقة، وبيت الكانون والتوالة وغير ذلك.
وهذه المنازل كانت تسرج بالليل، فتضيء شموعها ومصابيحها راسمة بذلك لوحة فنية رائعة ومنظرا جميلا يثير الإعجاب، وقد سجل لنا هذا المشهد أبو الحجاج المنصفي (1211/0608م) بقوله:
انظـر إلى بهجـة بليونــــش *** وحسـن ذاك المنظر اللامع
تحكـى الثريـا عندما أسـرجت *** بليلـــة الختمـة في الجامع
ولسان الدين ابن الخطيب (713هـ-776ه/1374-1313م) حيث يقول:
لله بليونــــــش تحكــي منازلهـا *** كواكباً أشـرقت في جنح ظلماء
ومن الأخبار المتعلقة بمنازل بليونش ما ذكره أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عبيديس النفزي في كتابه: نزهة الألباب في صفات الأحباب، حيث قال: وقيل لي بسبتة المغرب: إن رجلا أدخل الفقراء داره ورياضه ببليونش موضع قريب من سبتة، وطاب ذلك اليوم مع الفقراء، فقال: يا ليت من يتملك هذه في الدار الآخرة، وإنما أحوال الدنيا فانية وليست باقية، فقيل له: قدمها للدار الآخرة حتى تنتقل بخير ما بحضرتك، فإن الله يجازيك على عملك ويثيبك، فقدرت داره وجنته باثني عشر ألفا، واشتراهما من نفسه الفانية لنفسه الباقية، وفرق الثمن على المساكين. وتوفي ابن عبيديس بغرناطة سنة 659ه/1260م. وقد ألف هذا الكتاب قبل سنة 1234/0632م(5). ويعطينا هذا النص فكرة عن الأثمنة التي كانت تباع بها دور بليونش في ذلك العهد، وقد ذكر أن الدار ورياضها بيعا باثني عشر ألف درهم. وفي تحديد مقدار الدرهم في تلك الفترة نرجع إلى الكتاب الذي ألفه أبو العباس العزفي السبتي (557ه-633هـ/1162م-1236م) وسماه: «إثبات ما ليس منه بد لمن أراد الوقوف على حقيقة الدينار والدرهم والصاع والمد»، حيث قال العزفي: «والدرهم الجاري عندنا من ثمان وعشرين حبة فإذا كان للرجل ثلاث مائة درهم وستون درهما وجب عليه فيها إخراج ربع عشرها وهو تسعة دراهم فإن نقصت فلا شيء عليه». فإذا كان نصاب الزكاة في الدراهم في تلك الفترة هو 360 درهما، كان بيع الدار باثني عشر ألف درهم مبلغا كبيرا.
وذكر الأنصاري أن عدد المنازل في بليونش خمسة وعشرون منزلا. ولا شك أنه يقصد المنازل الكبيرة ذات البساتين والجنات، وأما المنازل الصغيرة فكانت أكثر من هذا، وهذه المنازل توزعت على حومة الغروس من جهة الحويمم شرقا إلى ما وراء عنصر اللوز غربا، وكانت تتخللها البساتين والأزقة المبلطة والجنات، وقد بقيت بعض آثار هذه المنازل تلوح للناظر في حومة الغروس.
الكتاب: سبتة وبليونش “دراسة في التاريخ والحضارة”
للمؤلف: د. عدنان أجانة
منشورات تطاون أسمير/ الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية
(بريس تطوان)
يتبع…
Laisser un commentaire