دلالات عودة احتفاء المغاربة برموز الهوية والسيادة الوطنية

Écrit par

dans

إعداد: زينب مركز

استعاد المغاربة مع فرحتهم، الاحتفاء برموز الهوية الوطنية. نشيد وطني، راية مغربية، واعتزاز بالانتماء. فقد أعاد المنتخب المغربي من خلال سلسلة نجاحاته التاريخية، الروح الوطنية، والاحتفاء بالانتساب للوطن. المفكر محمد الهاشمي والسوسيولوجي أحمد شراك يحللان لـ”الأيام” أبعاد ودلالات هذا الاحتفاء النبيل نفسيا وثقافيا واجتماعيا.

المفكر محمد الهاشمي : الكرة تفجر اعتزازنا بهويتنا الفخمة رغم كل ما طالها من جراحات وإحباطات

هناك انفعالات هشة، لكنها ذات مفعول عميق وبعيد في الوجود الإنساني، ومن القسوة الزائدة أن نحاصرها بمشارط التحليل والتأويل، ونثقلها بنظرياتنا وأنساقنا المعرفية المعقدة. هي اختلاجات بسيطة وجميلة ولا تقتضي منا غير التفاعل التلقائي معها، وتأملها في تعاطف إنساني وحساسية جمالية، لأن المبالغة في فتح التشعبات الجنيالوجية للفرح والسعادة الجماعية، هو أشبه ما يكون بالكشافات الضوئية القوية التي تباغت حياة كائنات ليلية جميلة لا تحب الكثير من الضوء، وكذلك مشاعرنا الجمعية.

هل بالغ الشارع المغربي والعربي عموما في الاحتفاء بالحدث الرياضي، ومن ثمة بذاته وتصوراته الهوياتية؟ هل في الأمر استيهام جماعي تعويضي عن الهزائم الطويلة والواقعية التي مُني بها هذا الشارع على مستويات متعددة؟ لا شيء يمنع من مقاربة هذه السلطنة الجماهيرية من خلال آلية التعويض، فهذا الذي يعيش باستمرار تحت ضغط التفوق الغربي، ويتذوق مرارة الغلبة الاقتصادية والعسكرية للمستعمر القديم، من الطبيعي أن ينقض على فرصة نادرا ما تتاح له، وهي تصريف أفعال من قبيل انتصرَ وربحَ وفازَ وتفوقَ في صيغة ضمير الجماعة، إنه حلم جميل قليلا ما يتحقق، لكن هل معنى هذا أن هذا الانتشاء هو خَدَرٌ في القوى الواعية، سرعان ما سينقشع لكي نفتح أعيننا مرة أخرى على واقعنا وصعوباته المعروفة، ضغوطات موجة التضخم، تحديات التنمية البشرية، مهالك ندرة الموارد الطبيعية الأولية، التواجد في خط خطر على المستوى الجيوسياسي…

في رأيي ليس الأمر بكل هذه الاستيهامية، فهناك أشياء ملموسة حدثت وعلينا أن نلتقطها بسرعة، ونرسخها في أذهان المغاربة، إنها هويتنا الفخمة رغم كل ما طالها من جراحات وإحباطات.

هناك أشياء لا تباع ولا تشترى، ولا يمكن استيرادها من الخارج. إنها العمق التاريخي للهوية المغربية، فخلف هذا الشعب البسيط يوجد إرث تاريخي عتيد، يتشكل من قدرته على أن يكون على حِدة، وألا ينصهر تماما في أي هوية طارئة. إن دلالة كلمة مغربي ضاربة في القدم، شعوب قليلة تنافسنا في هذه العراقة، وفي هذا الامتداد غير المنقطع في التاريخ، لهذا فإننا وإن بالغنا في جلد الذات، نستشعر بأننا لسنا طارئين على التاريخ. لدينا مذهبيتنا الفقهية الخاصة، حسّنا الروحاني المتميز، قابليتنا الكبيرة على الانفتاح مع الحفاظ على مرتكزات ثابتة، نطقنا الخاص للهجتنا الغنية، إيقاعاتنا الموسيقة المتنوعة، الراقصة في أغلبها، غيرتنا على الثوابت، علاقة شبه عائلية مع المؤسسة الدستورية للملكية، جراءتنا على مستوى الحراك والحوار السياسي والفكري، تواجدنا في موقع استراتيجي يسيل لعاب الطامعين، ومع ذلك قدرة بطولية في حماية وحدتنا الترابية، فقد كان أجدادنا دائما بالمرصاد لكل الطامعين، وكثيرة هي الممالك التي كانت تنكسر شوكتها حين تضع قدمها على أرض المغاربة أمازيغا كانوا أو عربا، ولم نفعـل ذلك لأننا نحتمي في جبال منيعة ومنسية، بل في بلد يملك آلاف الكيلومترات من السواحل المفتوحة أمام تحديات الغزاة، ومع ذلك ظلت الهوية المغربية منيعة ومتماسكة على الدوام.

إن هذه الفخامة التاريخية التي هي واقع لا يمكن إنكاره، وما على المعترض إلا أن يسأل عنا تاريخ العثمانيين، بأبوابه العالية وصدوره العظمى وباياته وخديوياته وإيالياته، هي ما يجعل المغربي حتى في أقصى درجات الانكسار، لا يفقد اعتزازه العميق بذاته، إنه يعرف بأن هناك شيئا ما في هذا البلد يستحق الاعتزاز، ما يفسر نزعة «التمغربيت» التي تستفز أحيانا من لا يفهم دلالات هذه الفخامة. يفتقد المغربي هذا الاحتفاء بالذات، لأن السياق المعاصر للتاريخ يطرح أمامه تحديات كبرى، لكنه مع ذلك يحافظ على رغبته في استعادة فخامته وتفوقه، وأعتقد أن الحدث الرياضي أيقظ ذاكرته اللاواعية، من هنا هذا الإصرار على ذكر كلمة المغرب والاحتفاء بنشيده الوطني، وبثالوثه المقدس «الله الوطن الملك».

هذا التلاحم الجميل هو ما ينبغي استحضاره بعد نهاية التظاهرة، هذا الحب اللامشروط للمغاربة حيال وطنهم هو ما ينبغي أن نضعه في الاعتبار ونحن نخطط للهندسة الاقتصادية لهذا البلد، علينا أن نمنع إذا أردنا أن تستمر هذه الروح الإيجابية للانتصار، من أن يكون ثمن الانتصار الاجتماعي لفئة صغيرة هو الهزيمة الاجتماعية لأغلبية هذا الشعب الطيب الذي أثار احترام ومحبة كل شعوب العالم تقريبا.

على الفاسدين والمحتكرين والمضاربين الماكرين وأغنياء الحرب، أن يجعلوا هذا الفريق الأخوي المبهر نموذجا يُحتذى، وأن يلعبوا لعبتهم الاقتصادية والسياسية بشكل جماعي، وبنظافة واحترام للقواعد، أن يلعبوا بحس أخلاقي إنساني على منوال ما شاهدنا في المباريات السابقة لمنتخبنا الوطني، وحينئذ سيكون انتصارهم هو انتصارنا جميعا، وستنتج ثرواتهم فائضا من السعادة للجميع، وسيغني المغاربة فرحا وابتهاجا بأسمائهم، وستنتصر الفخامة المغربية على النذالة الميركنتيلية التربحية، ربما بالقليل من المحبة والكثير من العمل النظيف، يمكن أن نسجل أهدافا في شباك معارك أخرى غير الرياضة، وأن ننتقل إلى مستويات أعلى في المنافسات الدولية، فنحن كما أقنعنا أبطالنا الطيبون قادرون على الانتصار، وكما ذكرنا جمهورنا الرائع والمتحضر نستحق الانتصار. لينته كأس العالم بما شاء من نتائج، لكن علينا ألا نتوقف على استحضار شعار مبهر ينبغي ألا نتوقف عن ترديده «سيييير سييير» لنحاول أن ننتصر إننا قادرون على ذلك.

أحمد شراك: هزم الدونية ورفع الفخر بالأنا تجاه الأنا الآخر

لا يمكن تفسير هذا الحدث النبيل الذي عرفه المغرب مع التأهل التاريخي للمنتخب الوطني إلى النصف النهائي لمونديال قطر إلا بتواشج الأسباب الآتية: أولا بثقافة الفرح التي تكون مضمرة وتصبح معلنة على إيقاع غير منتظر كالمشاركة المفاجئة لأسود الأطلس في كأس العالم الحالي، والتي دوخت ليس الجماهير المغربية بل كل الجماهير من الماء إلى الماء بل تدفق كيمياء الفرح إلى الإنسان الكوني. وثانيا بكفاءات الإنجاز التي لمتخل من إبداعية متناسقة جماعية بعيدا عن تلك النرجسية المنحرفة التي تلعب فيها الأنانية دورا منحرفا.

ثم ثالثا، ثقافة الفاعلين من المدرب الوطني إلى اللاعبين، لا فرق بين لاعب أساسي ولاعب احتياطي. وهي ثقافة مسلم بسيط وعميق في الإيمان والولاء إلى الوطن بكل مقتضياته ومقدساته الاجتماعية كرضا الوالدين والسلوك التلقائي الصافي بعيدا عن النصب والمكر والخديعة والنميمة القاتلة أو ما يسميه المغاربة بالمعقول والمسؤول أيضا. والسبب الرابع يتمثل في تكسير عقدة تفوق الأجنبي الذي جعل المغاربة يتجاوزون الندية إلى التفوق.

تأسيسا على هذه الأسباب وغيرها، أتى هذا الانفجار الجماهيري حمالا لمعاني كثيرة وعلى رأسها استعادة الذات وتحقيق إثباتها. إنه نوع من التطهر النفسي والدفع نحو الأمام، نحو المزيد عبر التفرج سواء في المنازل أو في المقاهي التي بات يتفرج فيها النساء والرجال بل وحتى الأطفال، ثم التظاهر بعد الانتصار فرحا وولاء للوطن بحمل الأعلام الوطنية وترديد النشيد الوطني وتحية جلالة الملك محمد السادس، إنه استظهار للوطنية وحب الوطن بمقاس جودة الإنجاز وهزم الدونية والخضوع للأجنبي والافتخار بالأنا تجاه الأنا وتجاه الآخر.cf

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *