سفراء تطوان في عهد المولى محمد بن عبد الله… السفيـر عبـد الـكـريـم ابن قـريـش

تعريف: تحدث عنه كبار الفقهاء والمؤرخين :
قال عنه تلميذه الشيخ أحمد بن عجيبة: (( هو شيخنا الإمام العالم الفقيه المدرس الخطيب سيدي عبد الكريم ابن قريش.

كان رحمه الله مشاركا في كثير من الفنون ، عالما بمسائل التوثيق يستحضر كثيرا من مسائله، دارت عليه الفتوى في زمانه بمدينة تطوان، وكان يستظهر مختصر خليل حفظا، سمعت منه البخاري، مرارا، ومسلما، وتفسير الجلالين، ومختصر خليل، ورسالة ابن أبي زيد، وألفية بن مالك، ولا ميته، وتوضيح ابن هشام، وجزءا من المغني، والسلم، ومختصر الشيخ في تسعين من القرن الثاني عشر، وكا ن ابتدأ حاشية على الحوات فتركها لعدم التفرغ لها والله أعلم.. “.
وعرف به عبد السلام السكيرج .. بأنه الفقيه العالم العلامة سيدي عبد الكريم بن الفقيه الخطيب سيدي أحمد ابن الفقيه العلامة سيدي محمد (بالفتح) ابن قريش من أرجح الناس عقلا، وأوضحهم فضلا، وأصرفهم قولا، وأزكاهم فعلا، شيخ علم وذكاء، و بحر علم وزكاء، حسن البشارة، مستحسن الإشارة، حافظا للعلم، يحافظ على شيم الحلم، له عبادة موردها صفو زلال، وزهادة، موعدها روض مانع وظلال، ودراية تعضدها رواية سماع وينعقد عليها إتفاق وإجماع قرأت عليه السنوسي في المنطق، وعقيدته الصغرى والكبرى، وتلخيص المفتاح في البيان، والشفا، والهمزية، ولامية كعب بن زهير، وكان رحمه الله ملجأ للناس في الفتوى، والشفاعة عند الولاة، ثم صرف عنه ووجهه الأمير إلى المشرق بقصد الحج فمات في الحجاز راجعا سنة سبع وزهادة، وقد أتى عليه كل من أخذ عنه بما أثنى، ووردت فضائله على الألسن فرادی ومثنى، فمحامده مطلقة في روض من الضروس زاهية لكل النفوس، له معرفة بالسقارة والرمي بالمدفع، حضر السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله في المصلى خارج باب التوت وانجمع عليه ملأ من الفقهاء وأخيار البلدة، فسأل الفقيه القاضي سيدي عبدالسلام ابن عمر الفقيه المذكور فقال له هو ابن عمي فقال له إنه يصلح أن يكون قاضيا بثغر طنجة، فأجابه لذلك، فكان رحمه الله يقضي ويجئ لبلدته، فجاء يوما من ثغر طنجة فقلت له الحمد الله على سلامتك، فقال لي كيف تكون السلامة، أنا قادم من طنجة ليلا فجاءني قرب العين الجديدة أربعون رجلا وجعل يتناصل معهم بالسيف، ما من واحد منهم إلا وشمه، فتفاصل معهم فطاحوا بين يديه، وطلبوا منه صالح الأدعية وقالوا: إنا سمعنا بشجاعتك وجئنا نختبرك ولا حاجة لنا بمالك ورقبتك، بارك الله لك فيها وانصرفوا، قال: وأنا متداو بالعشبة، لا أستطيع أن أرفد يدي لرأسي، وإنما الله سبحانه هو الذي قواني ونصرني عليهم )) .ربما كان هذا من الخرافات التي كان يأتي بها السكيرج لملئ الفراغ وما أكثرها في الكتاب.

مسيرته العلمية لهـا قصـة:
” نقلا عن عبد السلام السكيرح في نزهة الاخوان “…أن ابن قريش كان سائرا بموضع يقال له ” قبال” قرب تطوان، اذ تلقاه “حمار” يقال له : “مركط” فقال له إلى أين قال للجبل أقرأ القراءات السبع، فقال له: لو ذهبت إلى فاس تقرأ العلم فقال له ما عندي بضاعة ولا قدرة على ذلك، فقال له: إني أركبك وأمونك إلى فاس، فارتحل معه إلى أن أوصله إلى فاس، فلما وصلا تركه هناك فاشترى من دلالة الكتب: الإمام الحطاب شارح الشيخ خليل – بستين مثقالا وجعله في بيت المدرسة أعطاه مفتاحه الفقيه العالم سيدي التودي بن سودة، وكان شراء الكتاب المذكور بعد صلاة ظهر يوم الجمعة وهو لا يملك من ثمنه درهما واحدا. فبينما هو كذلك إذ جاءه الفقيه سيدي التودى المذكور وقال له: تبيع الحطاب الذي إشتريت قال له: نعم ، قال له – إطلب فيه ما شئت ولا عليك، وجاء صبي من الشلوح إسمه مجاهد ومعه مزود مملوءة بالريال، فقال له: سنرد عليك أنا وهو الساعة.

فجاء الفقيه بالولد وهو من أحسن الناس صورة ومعه صاحب له جاء يؤنسه ويحرزه فاشترى منه الحطاب بمائة وعشرين مثقالا أدى لربه ثمنه وما فضل صرفه في وقت قراءته إلى غير ذلك.

قرأت عليه ألفية ابن مالك مرارا والإمام البخاري في الثلاثة الأشهر بالسرد مرارا وتفسير كلام الله تعالى سبحانه، والجرومية والخزرجية في علم العروض وتلخيص المفتاح والشيخ خليل مرارا ورسالة ابن أبي زيد وجزء الإمام بن عاشر والإمام مسلم تقريرا وغير ذلك. طلع للحاج وحج ورحل مريضا وزار قبرالنبي صلى الله عليه وسلم ومات بقرب مصر في الحجاز في موضع يقال له: اشراحة وأم العظام .. وقبره هناك، وذكر الشيخ بنيس كما روى ذلك الفقيه الرهوني (وقد حضرت وفاته بقرب العقبة الكبرى من الحجاز أواخر سنة 1196 هـ (1781) بالجمعة وأصابه بمكة مرض بالبطن ولم يزل مصحوبا به إلى أن توفي).

وقد عينه السلطان سيدي محمد بن عبد الله في سفارة مغربية لكل من مالطة ونابولي كانت عام 1196 موافق 1781م .. برئاسة السفير محمد بن عثمان المكناسي الكاتب الخاص للسلطان سيدي محمد بن عبدالله.

وعنها يقول محمد داود: (إن المترجم رحمه الله هو الذي عينه السلطان سيدي محمد بن عبد الله عضوا في البعثة الرسمية التي أرسلها إلى جزيرة مالطة ونابولي لعقد الصلح وفداء من كان هناك من أساري المسلمين” وهذه البعثة كما في تاريخ ابن زیدان كانت مؤلفة من رئيس هو السيد محمد بن عثمان، وأعضاء أربعة هم السيد عبد الكريم بن قريش المترجم – والسيد التهامي البناي – والسيد محمد المير السلوي والسيد الطيب ابن جلون، وقد أصحبهم السلطان ما ينيف على 86.000 ريال لصرفها في فداء الأسارى، وكان خروج هذه السفارة من طنجة في سابع ربيع الأول سنة 1196 فذهبوا إلى قادس ثم إلى مالطة فحيتهم المدينة بالمدافع، ورحب بهم حاکمهما وأركبهم عربته وسهل مهمتهم فافتدوا في مالطة 613 أسيرا، ثم توجهوا إلى نابولي فقابلهم صاحبها الملك فرناندو الرابع أحسن مقابلة وبالغ في إكرامهم واقتبلهم اقتبالا رسميا عظيما في قصره الملوكي، ثم لما أكملوا عقد الصلح مع الحكومة المذكورة وافتدوا بعض الأسارى وعزموا على السفر جاء الملك من مصيفه وودعهم وأصحبهم هدية ممتازة لسلطان المغرب وغيره، وقد ألف رئيس هذه البعثة الوزير محمد بن عثمان كتابه المسمى (البدر السافر بهداية المسافر إلى فكاك الأسارى من يد العدو الكافر) وضمنه هذه الرحلة وما تم فيها من الأعمال الخ.. والذي يظهر، أن المترجم بعد أن صحب الوفد المذكور وأتم مهمته، لم يعد معه إلى المغرب، بل توجه إلى الحجاز فحج ثم توفي هناك والله أعلم، والذي يفهم من كلام تلميذه أبي محمد السكيرج أنه كان قائما بشؤون جامع العيون من إمامة وخطبة وتدريس . رحم الله عبد الكريم بن قريش.

وقد وقفت له بخط يده حينما كان يمارس خطة العدالة بتطوان عام 1188 هجرية (1774 ميلادية) على رسمين:

– الأول عبارة عن رسم تحبيس صدر عن شقيقته السيدة فاطمة هذا نصه:
“الحمد لله أشهدت على نفسها بشهيديه السيدة فاطمة شقيقة كاتبه، كان الله له، أنها حبست على روضة والدها الكائنة قرب الدار الكبرى بحومة العيون جميع الربع الواحد من كافة الطرازين الكائنين أحدهما يحد بالمدرسة التي بالروضة، والآخر تحت الحمام الذي يحد بالزوجة ويحد بدار بوزيد، وفدان عطمون، بمنافع الربع المذكور، ومرافقه وكافة حرمه، يصرف ذلك أي خراج الربعين من الطرازين المذكورين على ما تستحقه الروضة المذكورة، من زيت، وحصر، وما تحتاج إليه الروضة لمذكورة، من مصالحها من بناء وتبييض وإصلاح رباع، حبسا مؤبدا ووقفا مخلدا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. حضر حفيدها عبد الباقي بكاتبه، وحاز ذلك عن الجانب المذكور معاينة بما يحازبه المشاع ليصرفه في الجانب المحبس عليه المذكور، وجعلت النظر في ذلك لحفيدها عبد الباقي المذكور ولإخوانه الأكبر فالأكبر ثم لأولادهم وأولاد أولادهم ثم لبني العم الأكبر فالأكبر من غير نظر قاض ولا غيره في ذلك. إشهادا صحيحا عرفا قدره، شهد به عليهما بأكمله وعرفهما في أول شعبان الأبرك عام ثمانية وثمانين ومائة وألف، عبد ربه عبد الكريم بن احمد بن قريش. كان الله له ووفقه بمنه، وعبد السلام بن محمد بن قريش. كان الله له ووفقه بمنه.

– الثاني عبارة عن رسم وصية، وفيه تعريف بأن أخت الكاتب السفير عبد الكريم بن قريش كانت فقيهة، ولذلك وردت كلمة “الفقيهة ” في هذا الرسم باعتراف أخيها الكاتب العدل حسب النص الاتي:

“الحمد لله عهدت وأوصت الفقيهة المصونة المذكورة أعلاه، أنها إن قدر الله موتها الذي لا بد منه، ولا محيد لمخلوق حي عنه، فانه يخرج نصف واجبها من كراء الحمام الذي لها في شركة غيرها، ويعطى منه عشر موزونات لمن يلازم قراءة حزب القرآن العظيم صباحا و مساء بالزاوية القريبة من دارها التي بها ضريح والدها الفقيه الشهير العلامة القاضي النحرير وضريح ابن أخيها المحدث العلامة البركة سيدي محمد بن عبد السلام رحمهما الله ونفع ببركاتهما. ويخرج منه أوقيتان اثنتان لتصرف في مصالح الزاوية المذكورة من إمام وزيت، لاستصباحها، وحصورها وتبييضها وغير ذلك ما تحتاجه، وما بقي من النصف المذكور يصرف منه خمس عشرة موزونة في شراء خبز كل شهر، وتصرف على طلبة الملازمين للزاوية المذكورة أي لمدرستها. والزائد على ما يصرف في الخبز المذكورة من النصف المذكور يقبضه من كان محتاجا من أقاربها الأقرب فالأقرب، فان لم يكن الأقرب بوصف الحاجة، رجع ذلك الزائد لإمام الزاوية المذكورة، يكون ماذكر حبسا مؤبدا ووقف مخلدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، وان وقع في الكراء نقص لايسع لجميع ما ذكر فلا ينقص مما هو لجانب الخبز عما ذكر. قصدت بذلك وجه الله العظيم وثوابه الجسيم، والدار الآخرة. والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. عرفت قدره، شهد به عليها بأكمله في الرابع والعشرين من صفر الخير عام تسعين ومائة وألف، أصلح يعطى صح به، وفي أول السطر التاسع ضرب ساقط صح به. وأوصت له أيضا بربع الدويرة التي قرب الحمام. عبد الكريم بن احمد ابن قريش. كان الله له ووفقه بمنه. وعبد السلام بن محمد بن قريش كان الله له ووفقه بمنه. ويظهر أنه بعد هذا التاريخ عين قاضيا بطنجة بعد زيارة السلطان سيدي محمد بن عبد الله قبل أن يعين ضمن الوفد الرسمي الذي توجه صحبة السفير محمد بن عثمان إلى مالطة ونابولي. ثم ذهب للحج حيث توفي هناك.

الكتاب: سفراء تطوان على عهد الدولة العلوية

للمؤلف: محمد الحبيب الخراز

(بريس تطوان)

يتبع…

الكتاب: سفراء تطوان على عهد الدولة العلوية

للمؤلف: محمد الحبيب الخراز

(بريس تطوان)

يتبع…

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *