محمد منفلوطي_ هبة بريس
لايختلف فيه اثنان، ولا تتناطح عليه عنزتان، عن كون الاعلام بمختلف ربوع العالم يلعب دورا محوريا في رسم معالم التثقيف ونقل الخبر والتحسيس بالمخاطر وتبديد المخاوف، وتصحيح المسارات، والنبش في الأخبار والأحداث، والتحقق من مدى صحتها بكل تجرد ومهنية بنوع من الذكاء التحليلي الذي يتطلب رصيدا معرفيا وثقافيا وتكوينا أكاديميا يحترم جمهور المتلقين ومستوياتهم الاجتماعية والثقافية، حتى يكون للرسالة الاعلامية مدلولاتها وأهدافها التي جاءت من أجلها، بدل صناعة التفاهة وخلط الأمور…
مايلاحظ اليوم، هو ذلك التنافس الكبير على ترسيم العامية في الخطاب الاعلامي بدل تثبيت اللغة العربية الفصحى الخالية من الأخطاء الاملائية واللغوية، ذلك ما بات يبت عبر شاشات التلفاز لمسلسلات مدبلجة، أو اشهارات، أو غيرها… رغبة في الرفع من نسبة المشاهدات على حساب لغة الضاد، وكأن الأمر يحمل في طياته استهانة بلغتنا الأم، ذات الرأي ذهب عليه الشيخ السلفي “الكتاني في وقت سابق خلال تدوينة له قال فيها: ” إن الكتابة بالدارجة المغربية “العامية” في المناشير من قبل العديد ” ممن نحسبهم على خير من المثقفين و الصحفيين و العاملين للدين و مصلحة الأمة أمر قبيح، و استهانة بلغتنا الجليلة و نزول للغة الشارع التي لا تصلح لمثل هذه الأمور”.
ربما، يكون الهدف من وراء تمرير الخطاب الدارجي في اعتقاد مهندسيه، هو العمل على توسيع دائرة المشاهدة واستقطاب عدد كبير من المشاهدات لحصد الدريهمات، ولو على حساب القيم والاخلاق والمبادئ، ذلك ما باتت تروج له المسلسلات المدبلجة من ثقافة دخيلة عن مجتمعاتنا بمفاهيم علمانية نجحت إلى حد كبير في تمرير لقطات حميمية بطعم الخيانة الزوجية والتنافس من أجل المال وغيرها من المظاهر الخطيرة.
الخطاب الدارجي هذا لم يقتصر على المسلسلات فقط، بل صار سنة مؤكدة خلال الوصلات الاشهارية في ساعات الذروة، على الرغم من أن غالبية المجتمع لم تعد تقبل مثل هذا الخطاب في ظل المجهودات التي تبذلها الدولة في محاربة الأمية.
الخطاب الدارجي هذا انتقلت عدواه لتلامس الكتابة لدى البعض بأسلوب الدارجة والعامية، مما يطرح تساؤلات عدة عريضة وطويلة حول الأهداف المتوخاة من وراء هذا النوع من الخطاب المعتمد في النشر…
هذا النوع، وجد فيه كثيرون ضالتهم، اذ يكفي المرء أن يكون حاملا لهاتف نقال ذكي، أو كاميرا أعراس، الولوج لذات المجال من بابه الواسع دون أن يكون له نصيب من المرور عبر مسار تكويني في الإعلام أو في أي مجال معرفي أو أكاديمي، أو كاتب رأي أو طالب باحث في مجال ما… وبالتالي صارت الصحافة بذلك المفهوم الذي يكرس لمقولة ” إنها مهنة لمن لا مهنة له”.
فمع التطور التكنولوجي المتسارع، ومع تبني البعض للخطاب الدارجي والكتابة بأسلوب العامية، صار المجال مفتوحا لخلق بيئة أضحى معها الأمر سهل المنال، ليشرع المرء في أخذ الصور والمقاطع واجراء الربورطاجات والحوارات وحضور الندوات، فتسلل عبر الباب ذاته، جيل جديد من المؤثرين بلغة ” نشطاء الفايسبوك “، يسارعون إلى نشر الاخبار دون التحقق من مدى صحتها، وأحيانا يروجون للاشاعات واقتحام الحياة الشخصية للأشخاص، وأحيانا يطبلون للباطل ويصفقون له وينشئون لأصحابه لايڤات لتلميع الصور،…
ليبقى السؤال قائما يُسائل كل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد مفاده : ” هل انتصرت التفاهة على الصحافة في زمن العولمة؟
Laisser un commentaire