ترجمته:
ولد العلامة المؤرخ الأديب المربي الوطني الفقيه محمد داود بمدينة تطوان، ليلة الإثنين ثاني عشر ذي الحجة الحرام عام (1318هـ)، موافق فاتح أبريل (1901م). كان يتصف بأخلاق فاضلة وشمائل شريفة ونفس أبية وروح دينية إصلاحية وطنية، صافي السريرة، عالي الهمة، مفطورا على التواضع والنقاء والإيثار وحب الخير للناس، شديد الاعتناء بطلبة العلم حيث بنى مسجدا لصق داره، وبجواره وفوقه مكتبة حبسها لفائدتهم، عاشقا لجمع التحف والنوادر ومجموعات الطوابع البريدية والعملات المتنوعة وصور الأشخاص والبلدان. قال عنه المرحوم التهامي الوزاني: “الأستاذ الكبير، الصابر المصابر، العزوف البعيد الهمة.عرفناه قادرا على الخلق والإيجاد، دون ما حاجة إلى الوسائل السهلة المنال، وما عليه إلا أن يعزم الفكرة فيقررها، ثم يتقدم إليها هادئا مواصلا”.
ألحقه والده (1323هـ) بالكتاب ليتعلم القراءة والكتابة على يد مجموعة من المدررين، كان آخرهم الفقيه أحمد بن تاويت وعليه ختم القرآن عدة مرات، قبل أن يبدأ في حفظ بعض المصنفات العلمية المتداولة وقتذاك مثل: المرشد المعين والمجرادية ولامية الأفعال على علماء تطوان آنذاك. ثم توجه إلى فاس لنفس الغرض، وحين عودته إلى بلدته اشتغل بالتدريس والعدالة والكتابة في صحف الشرق والمغرب العربي. وأسس مع جملة من رفاقه المدرسة الأهليةأواخر سنة (1924م)، فكانت أول مدرسة عربية إسلامية وطنية حرة عاملة على تعليم النشأ تعليماً عربياً إسلامياً وطنياً على الطريقة الحديثة بشمال المغرب في عهد الحماية. وقد تولى إدارة هذه المدرسة والتدريس بها نحو اثنتي عشرة سنة، كما ساهم في تأسيس شركة المطبعة المهدية سنة (1928م)، وانتخب رئيسا لمجلس إدارتها، فكانت أول مطبعة عربية وطنية كبرى ساهمت في نشر الثقافة وعملت في حفل النضال الوطني في شمال المغرب.
كما انتخب عضواً سكرتيراً في لجنة إصلاح التعليم الإسلامي بشمال المغرب سنة(1930م)، وعضواً في المجلس البلدي بتطوانعندما أجريت الإنتخابات الحرة في عهد الجمهورية الإسبانية سنة (1931م). وعند تأسيس هيئة العمل الوطني بشمال المغرب في سنة (1933م) كان محمد داود أحد قادتها. وفي سنة ذاتها انتخب عضواً ومقرراً في اللجنة العلمية المكونة لدرس قانون تنظيم محاكم العدلية المخزنية. وفي نفس السنة أنشأ مجلة “السلام”، وهي أول مجلة عربية وطنية حرة استقلالية في عهد الحمايتين الفرنسية والإسبانية على المغرب. وفي سنة (1935م) حج بيت الله الحرام، حيث قام برحلة استغرقت ستة أشهر زار فيها من بلاد الشرق كلا من مصر والحجاز ونجد والعراق وشرق الأردن وفلسطين، وقد منعته السلطات الاستعمارية الفرنسية من زيارة سوريا ولبنان، وكانتا إذاك تحت انتدابها. وتم تعيينه مفتشاً عاماً للتعليم الإسلامي بالمنطقة الخليفية من المغرب، وهو أول وظيف حكومي تولاه في حياته سنة (1937م)، كما عين عضواً في المجلس الأعلى للأوقاف الإسلامية في شمال المغرب عام (1939م).
وعندما نال المغرب استقلاله واسترجع سيادته،عينه الملك محمد الخامس سنة (1956م) عضواً رسمياً في الوفد الحجازي الذي مثل جلالته، كما عينه في نفس السنة عضواً من بين أربعة أعضاء يمثلون علماء المغرب في المجلس الوطني الاستشاري، وانتخب مستشاراً في مجلسه الإداري وعضواً في مكتبه الرئيسي. وفي عهد جلالة الملك الحسن الثاني، تم تعيينه مدير الخزانة الملكية بالرباط سنة (1969م)، ولم يتخل عن هذه المهمة إلا في سنة (1974م)، وذلك لأسباب صحية جعلته يرجع إلى مسقط رأسه تطوان، حيث اشتغل بأبحاثه ومؤلفاته.
ترك الفقيه داود أعمالا جليلة من بينها: تاريخ تطوان، المجتمع التطواني من خلال الأمثال المغربية، العملة المغربية خلال القرن 14هـ، على رأس الأربعين، مختصر تاريخ تطوان، تكملة تاريخ تطوان، تاريخ تطوان.
ولبی نداء ربه في رابع عشر رمضان عام 1404هـ الموافق 4 يونيو 1984م, و شيعت جنازته إلى مثواه الأخير عصر اليوم الموالي، وصلى عليه الفقيه القاضي تاويت. ودفن بجانب مصلى الجنائز بباب المقابر في المكان الذي أوصى أن يدفن فيه .
(على رأس الأربعين) و(على رأس الثمانين):
وهما كتابان عبارة عن سيرة ذاتية للمؤلف يسجل فيهما كل ما يتعلق بحياته الخاصة، بما فيها من أنشطة ومساهمات ومنجزات حققها في مختلف الميادين الأدبية والثقافية والسياسية والاجتماعية وغيرها، أو له تأثر أو تأثير في حياته أو في الأحداث العامة التي عاشتها مدينة تطوان في تلك الفترة بالذات من فترات تاريخها. غير أن القدر لم المتعلقة بالأطوار يمهله ليتم تدوين كل فصول كتابه، فأنجز الفصول الأولى منه، وهي الأولى من حياته، منذ فترة ولادته إلى نهاية فترة دراسته في مختلف المستويات، بدء من حفظ القرآن في المسيد، إلى فترة أخذه للعلوم في مختلف مساجد وزوايا تطوان، ثم دراسته العليا بجامع القرويين سجلها في جزء سماه “على رأس الأربعين”، يقول الفقيه داود رحمه الله: “هذا الكتاب شرعت في تأليفه بمناسبة إشرافي على إتمام الأربعين سنة من عمري، وهو مذكرات عن تاريخ حياتي وفصول تصور الأوساط التي نشأت فيها وعشت بينها أو اتصلت بها في رحلاتي المتعددة وأعمالي المختلفة المتواضعة”.
في حين بقي الجزء الخاص بمنجزاته وأنشطته وعطاءاته الوافرة في ميدان النضال الوطني والعلمي والثقافي والاجتماعي ” عبارة عن إشارات موجزة في مذكرات جيبية مختصرة، أو مجرد أفكار سجلت على شكل رؤوس أقلام، على أوراق مبعثرة ومن هنا وهناك، داخل مكتبته الخاصة”. هنا جاءت فكرة إتمام المذكرات من قبل ابنته البارة الأستاذة حسناء داود ، على أن تغطي بقية حياته التي لم يتحدث عنها فيه، ولهذا سمت هذه المذكرات “على رأس الثمانين”، سيرا على النهج الذي اختاره والدها في تسميته لمذكراته.
العنوان: فهارس علماء تطوان (تطوان من خلال كتب التراجم والطبقات)
للمؤلف: الوهابي
منشورات باب الحكمة
(بريس تطوان)
يتبع…
Laisser un commentaire