البرلمان الأوروبي وتطاوله على الشؤون الداخلية للمملكة المغربية

Écrit par

dans

الأحداثمحسن طلحي: باحث بسلك الدكتوراه بالقانون العام والعلوم السياسية

لقد إرتكب البرلمان الأوروبي خطأ جسيما عندما تطاول على الشؤون الداخلية للمملكة المغربية بقراره الذي سلط فيه الضوء على الحقوق والحريات بالمغرب، والذي يشكل خرقا واضحا لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والذي أراد أن يلعب من خلاله دور الأستاذ ليعطي فيه الدروس، لكن في حقيقة الأمر فهذا القرار لا علاقة له بالحقوق والحريات بل يهدف إلى خدمة أجندات تحركها أياد خفية معادية لمصالح المملكة المغربية.
ولكي نضع الواقعة في سياقها الصحيح فالإتحاد الأوروبي اليوم يعيش في مرحلة توالي الأزمات، فبعد مخلفات جائحة كورونا وتبعاتها الاقتصادية على دول الإتحاد الأوروبي، فها هو اليوم يعيش على وقع التأثيرات الجيوسياسية للحرب الروسية الأوكرانية بحيث وجد الإتحاد الأوروبي نفسه بمثابة رقعة للشطرنج تحرك بيادقها الدول العظمى “أمريكا وروسيا والصين” بحيث تسعى كل واحدة من هذه الدول للحفاظ على مكتسباتها وفرض هيمنتها وإرادتها في الساحة الدولة، مما جعل دول الإتحاد الأوروبي تجد نفسها هي المتضرر الأول من هذه الحرب التي خلقت أزمات إقتصادية وفجرة أزمة الطاقة في مقدمتها أزمة الغاز.
هذا ما جعل برلمان الإتحاد الأوروبي يخرج بهذا القرار لصرف النظر أولاً عن الأزمات التي يتخبط فيها الإتحاد الأوروبي، وكذا سعيا منه لمحاولة إرضاء الدول المصدرة للغاز في مقدمتها الجزائر، الشيء الذي يوضح وبالملموس أن البرلمان الأوروبي يقود حربا بالوكالة ضد المغرب من خلال اتخاذه لهذا القرار المعادي للمملكة المغربية، والذي لا يعتبر سابقة من نوعه بل ما فتئت الدول الأوروبية القيام بمجموعة من الإستفزازات التي تحاول من خلاها تشويه صورة المغرب على الصعيد الدولي، مثل إتهام المغرب بالتجسس في قضية ما عرف ب “بيغاسوس” وكذا الترويج لمجموعة من الحملات العدائية عبر منح مجموعة من الانفصاليين والخونة اللجوء السياسي والسماح لهم بمهاجمة المغرب تحت غطاء حرية التعبير، وأيضا معاداة المغرب في قضيته الصحراء المغربية لجعلها ورقة ضغط واستفزاز له. كذلك إنزعاج دول الإتحاد الأوروبي من النهج الجديد الذي أصبح ينهجه المغرب بحيث لم يعد المغرب يعول على الاتحاد الأوروبي كشريك وحيد وذلك من خلال تنوع شركائه الدوليين مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والصين وروسيا… بحيث شعرت دول الإتحاد الأوروبي بأنها فقدت مكانتها في المغرب.
فالاتحاد الأوروبي أراد أن يضع المغرب في موضع التلميذ ليعطيه الدروس، لكن في حقيقة الأمر فعلى الإتحاد الأوروبي أن يستخلص الدروس ويربط الأحداث ليرى وبالملموس بأنه الأن يقف أمام مغرب القرن 21 الذي غير من سياسته الخارجية وأصبح يقف ند للند في وجه كبريات الدول، وله أن يستخلص الدروس من الجارة الإسبانية التي إرتكبت خطأ جسيما باستقبالها لزعيم الجبهة الإنفصالية، الشيء الذي دفع المغرب للإخراج أوراقه الدبلوماسية في وجه إسبانيا، ولم يمض كثير من الوقت حتى عادة مطأطئة الرأس وأعلنت عن اعترافها بمغربية الصحراء. وله كذلك أن يستخلص الدروس من ألمانيا التي حاولت أن تعامل المغرب بأسلوب الإستعلاء، فقابلها المغرب بتعليق علاقاته مع السفارة الألمانية بالرباط، لتعود بدورها لتعلن عن دعمها لمقترح الحكم الذاتي بأقاليمنا الجنوبية.
إذن فالمغرب أصبح ينحو منحى جديداً في سياسته الخارجية، بحيث غير من لغته الدبلوماسية وأصبح يرفض كل أشكال التعالي الدبلوماسي حتى من كبريات الدول، ويرفض كل أشكال الإستفزاز والمساومة، بحيث أصبح يفرض نفسه كشريك استراتيجي، وهذا ما يجد أساسه في خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى 69 لثورة الملك والشعب والذي جاء فيه : ” ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات” إذ يعبر هذا الخطاب على ازدياد حدة نبرة الموقف المغربي وقوة الخطاب الدبلوماسي، حيث أصبح المغرب يرفض الضبابية وإزدواجية المواقف ويصر على الوضوح.
وبالتالي فعلى الإتحاد الأوروبي أن يربط بين كل هذه الأحداث لكي يستخلص الدروس، ولكي يعي تمام الوعي بأنه قد إرتكب خطأ جسيماً أمام شريك يعول عليه الإتحاد الأوروبي في العديد من القضايا سواء في العلاقات الاقتصادية أو من خلال الدور المهم الذي يلعبه المغرب في محاربة الهجرة غير الشرعية وكذا الاستعانة بخبرة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية من قبل العديد من الدول الأوروبية في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
فهذا القرار البائس من طرف برلمان الإتحاد الأوروبي والذي حركته أياد خفية يبقى مجرد حبر على ورق، فالمغرب سوف يظل دولة موحدة كاملة السيادة قوية بمؤسساتها ترفض الإملاءات الخارجية وترفض التدخل في شؤونها الداخلية، فهذا القرار كان يهدف إلى خلق نوع من التفرقة والتوتر بين أوساط الشعب المغربي، لكنه قوبل باستنكار كبير من قبل كل مكونات الشعب المغربي، كما قوبل بإدانة شديدة من قبل البرلمان المغربي أغلبية ومعارضة، فهذا إن دل فإنما يدل على أن المغاربة قاطبة موحدون وكل محاولات التفرقة سوف تظل محاولات بائسة بدون جدوى تذكر.

هيئة التحرير26 يناير، 2023

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *