تطوان من خلال فهارس علمائها

أ- البيئة الثقافية:
تبرز مجموعة من فهارس علماء تطوان الحركة العلمية النشيطة التي كانت تشهدها تطوان من بداية منتصف القرن الثاني عشر إلى نهاية القرن الرابع عشر الهجريين. ويمتد الحديث عن الهيئة التدريسية التي أخذت على عاتقها نشر أريج الثقافة بين صفوف الطلاب، حيث سطع نجم مجموعة من علماء تطوان القائمين على تدريس مختلف العلوم من فقه ونحو وأدب وغيرها. فكان أهل العلم يشعرون كأنهم يعيشون في ” روضات الجنات، وهل مجالس العلم والأدب إلا بساتين يجري بين جنباتها عذب الأنهار، ويتساقط من أغصانها جني الثمار، ويعبق من أرجائها عبير الأزهار”.

وتكبر أهمية الحديث عن المشيخة عامة لما يرتبط بها من فوائد في ترجمة الرجال والتعريف بهم وذكر أحوالهم وأخبارهم ونشاطهم العلمي، وفيما يتبع ذلك من عرض أوجه الدرس ورصد حلقات العلم ومجالس التعليم وتعيين طرق الإقراء بما وتحديد ظروف الاستفادة فيها وغير ذلك.

ويظهر من قائمة شيوخ فهارس علماء تطوان، أن هذه المدينة كانت تعيش حركة علمية نشيطة، فكانت في ذلك أختا لفاس في الإشعاع العلمي والمعرفي، فإذا أخذنا فهرسة الشيخ أحمد بن عجيبة و كتاب نزهة الإخوان لعبد السلام السكيرج و كناش نضار الأصيل لعبد الله بن علي شطير نجد (حوالي ثلاثين عالما) ممن تعاطوا التدريس في بيئة واحدة ، وفي ظرف زمني محدد (نهاية القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر)، ممثلين في جماعة تنتمي في أغلبها إلى جيل واحد وهو أمر يدعو إلى التنبيه والأخذ بالاعتبار لما يمكن أن ينشأ عن ذلك من معالم ازدهار الدرس العلمي وما يمكن أن يعكسه هذا الحشد الهائل من العلماء من نشاط في ممارستهم للعلم والتعليم درسا وإقراء وتأليفا وهو ما دفع شيخ العلوم الفقيه محمد المرير إلى أن يصف هذه الفترة بقوله: ” ناهيك أن عصره (الشيخ أحمد بن عجيبة) كان بتطوان فيه للعلوم سوق نافقة، وألوية التعليم والرواية على صروح مدارسها ومعاهدها خافقة، إذ كانت تضم إلى أحضانها علماء أكابر، وأئمة لا تفوقهم الأوائل ولا تدركهم بتبريزهم الأواخر، فانظر إلى أشياخه الأفاضل، وما حرروه من المباحث، وما قرروه من المسائل، يتضح لك المقام، وأن ذلك العصر كان عصر تقدم في الدراية والرواية، لا عصر تلكؤ وإحجام”.

وقد أكد الدكتور عبد الله المرابط الترغي رحمه الله ذلك حينما وصف كتاب “نزهة الإخوان” بكونه: “مصدرا فريدا لمن يريد أن يستجمع عناصر النشاط الثقافي في القرن الثاني عشر في تطوان، أو لمن يرغب في الاطلاع على مستويات الدرس العلمي التي كانت تجري فيه مجالس تطوان وحلقاتها التعليمية على عهد الشيخ عبد السلام السكيرج”.

هذه الحركة العلمية سيمتد إشعاعها إلى القرن الرابع عشر حيث كان شيوخ تطوان يلقون دروسهم التطوعية في مساجد وزوايا تطوان، نهارا أو بين العشائين، يحصل منها الطلبة ما يكملون به دراستهم النظامية، ويستفيدون مما يقدمه الشيوخ من معارف في المجال الذي يقيمون عليه هذه الدروس، ومن مناهجهم في التدريس والتناول. واحتفظت لنا مجموعة من الأعمال الفهرسية ما كان يغشى هذه المجالس من شيوخ، وما تلاقيه من إقبال من طرف الطلبة وما تدرس فيه من مواد وكتب ، ومن بين هذه الأعمال ” على رأس الأربعين” حيث يصف الفقيه داود هذه الحركة العلمية بدقة ويذكر شيوخها، مع الإحالة على ما يتميز به مجلس هذا الشيخ أو ذاك من حضور وتوجه وأسلوب في الطريقة التعليمية فيقول مثلا عن دروس الفقيه المرير وتحقيقاته أنها حببت إلى الطلبة دراسة الألفية، وعرفتهم بقيمتها العلمية”. وأما الشيخ أحمد الزواقي فحلقته العلمية تجعل الطلبة يتمثلون أنفسهم في حضرة ابن القاسم، أو سحنون، ودروسه الأصولية ممتازة، ولا نعرف من بين أشياخنا من درس جمع الجوامع مثله، يلقي درسه كأفيلال باللغة العربية الفصحى، وإذا كان هناك طالب شيطان بطال يريد أن يحصي كلمات الزواقي ويتتبع عباراته في تدريسه ليعثر على لحنة واحدة، فإنه قد يقضي السنوات دون أن يحصل على ما يريد وكان العلماء متعلقون بالتدريس، شغوفون به، فقد كانت العادة أن من يريد دراسة أي علم من العلوم أو كتاب من الكتب، ما عليه إلا أن يقصد العالم أو الفقيه الذي يعرف أنه يحسن الموضوع الذي يريد، وأن لديه من الفراغ في الوقت ما يسمح له بالتدريس، فيطلب منه ذلك، فيجيبه إلى طلبه بجانا، لا يطلب جزاء ولا يريد شكورا. لدرجة أنه في سنة (1337هـ/1918م) كان عدد الدروس التي تلقى بتطوان ثلاثة عشر درسا في اليوم الواحد.

وكان من الشيوخ من لا يكتفي بإلقاء درس واحد بل تأخده همته إلى أبعد من ذلك فالشيخ الرهوني رغم كثرة انشغالاته المهنية والثقافية، إذ كان في ذلك العهد وزيرا للعدلية، وكان يؤلف مختلف الكتب، وخصوصا تأليفه الكبير في تاريخ تطوان. كان معدل دروسه ثلاثة دروس في اليوم، وفي بعض الأحيان أربعة، وقد يرتفع الرقم إلى خمسة.

وكان من ثمار هذه الحركة أن تأسست المجمع العلمي ها، فنظم درجات العلماء، ورتب لهم المكافآت: فأقرأ المدرسون التسعة الرسميون في الجامع الكبير، وكان منهم من يلقي درسين، ومنهم من يلقي ثلاثة دروس في اليوم”.

وأحب أن أشير أن تطوان عرفت في هذه الفترة ندوات علمية وأدبية عدة، ويؤرخ كتاب “الزاوية” لأحد أهم الندوات العلمية وهي ندوة الفقيه المرير الذي ” كان يحتفل هذا الدرس احتفالا لا مزيد عليه فكان يلبس جميل الثياب ويفرش غرفه بافخم الفرش. وإذا كان وقت الدرس كان بخور العود يعبق به المكان، حتى إذا فرغنا من الدراسة أحضرت آنية الشاي وقدمت صواني الحلواء، وفي هذه الأثناء يكون المنشدون يرددون الأذكار وقطع الموسيقى الجميلة وأبياتا من همزية البوصيري وكلام القوم، وكان موعد هذا الدرس يوم الأربعاء بعد صلاة العصر، فكنا نجد فيه متعة وناديا نتصل فيه بأماثل أهل العلم والفكر، فإذا تم ذلك أخذ الحاضرون في حديث دونه متساقط الظل على غروس البرتقال، وقد أزهرت فروعها وانتشرت روائحها.. حتى إذا حضرت وقت المغرب صلينا جماعة ثم لا يكون انصرافنا إلا قرب العتمة”.

ومهما يكن من شيء، فإن هذه الندوة استقطبت العلماء و طلاب العلم النابهين كما كان يخف إليها وجوه المدينة وأعيانها. ومن أبرز من كان يجلس فيها إضافة إلى الكاتب الفقيه أحمد الحداد، والفقيه محمد النبخوت، وعبد السلام بنونة.

العنوان: فهارس علماء تطوان (تطوان من خلال كتب التراجم والطبقات)

للمؤلف: الوهابي

منشورات باب الحكمة

(بريس تطوان)

يتبع…

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *