حري بنا جميعا أن نعقد وقفة تساؤل جدي و رصين إزاء الدور الكبير للسلطة الرابعة _أو السلطة الأولى بلغة فريد الأنصاري _ في التعريف و التشهير بالكتب و المنتوجات الفكرية و الأدبية و العلمية و “فرضها “على اختيارات الناس و أذواقهم بقدرتها الساحرة على التلميع و إضفاء طابع الجاذبية على أي منتوج فكري و أدبي ، مايجبر أحيانا عالم القراء للانصياع لقوة و سلطان الإعلام الذي يصعب مقاومته بسهولة، هي سطوة حقيقية بالغة التأثير، تتشكل أساسا بانتقاء الكلمات و العبارات الفاخرة الجاذبة، ما يساهم في إنجاح عملية دغدغة أوتار الانبهار و الإعجاب الشديد بهذا الكتاب أو تلكم الرواية. “كلمات” مختارة و أسلوب إشهاري لصناعة و خلق “الصورة”، بغرضدفع المتلقي المتلهف لإطفاء نار الفضول التي أذكتها صورة الإعلام، حتى يتسنى له بعدئذ الانضمام إلى فريق قراء هذه الرواية أو ذاك الكتاب و التفاخر مع أقرانه بأنه السابق لقراءة الكتاب ، وكأنهفي سباق العدو . فهل تساءل الفضولي بعد القراءة عن قيمة الكتاب الأدبية أو العلمية أو أو…. ؟ هلعَقَدَ وقفة مع نفسه للتساؤل حول حمولة الكتاب الذي لقي ترويجا هائلا و الذي بيع منه حوالي خمسون مليون نسخة؟ هل تساءل عن القيمة المضافة للكتاب الجديرة بالذكر؟ أم أنه اكتفى بالخضوع لنشوته العاطفية و قلب الصفحات بمنطق استهلاكي محض بعيد عن منطق القراءة الصارمة الهادفة الواعية ، أمأن الفضولي و سيده الآلة الاعلامية يشجعان فقط على القراءة بالكم لا بالكيف؟ و هل أصبحت لدينا الآن الإرادة الكافية لتوجيه فضولنا و التحكم فيه أم أننا أصبنا بداء العجز و قدرة الاختيار ؟
إن الموضوع الشائك يجعلنا نتساءل أيضا بوضوح إزاء شروط و معايير تسويق و توزيع الكتاب؟ فهل الرهان من الدعاية و الإعلان و السباقات المحمومة بين القنوات و من بيده آلات التسويق هو التشجيع على قراءة منتوج فكري يستحق ذلك بناء على قيمته المضافة و رسالته، أم بحث عن الشهرة و الجمهور و مطاردة دخان النجومية؟! و إذا كان الأمر كذلك ألا يعد ذلك نوعا من تسليع و ابتذال الأدب و الفكر و الثقافة و انتهاك حرمة القيم و الأذواق الراقية و استبدالها بما هو ضيق و أدنى؟ أما عن الكاتب فالسؤال البديهي يطرح نفسه : من يصنع صورة هذا المؤلف، أهي كتاباته و أفكاره و رسائله أم أن عوامل أخرى تساهم في صناعته و التشهير باسمه؟
إن قوة الإعلانات و التسويق التي أتاحها التقدم التكنولوجي و الثورةالرقمية يساءل اختيارنا للكتاب دون غيره من الكتب الأخرى، فهل” نحن “حقا من نختار (سلوك إرادي) الكتب التي تستدعي منا الاهتمام و الدراسة نظرا لحمولتها الفكرية و رسالتها التوعوية أم أن المؤسسات المُكلفة بالدعاية و الرفع من نسبة السلوك الشرائي هي التي تختار لنا ما يجب استهلاكه و زيادة الأرباح المادية؟ ما موقعنا نحن كقراء داخل هذه المعادلة المتشابكة؟
لا شك أن بعض هذه المؤسسات و ما تعرضه من سلع في المشهد الثقافي تصنع القارئ بيدها و تنتقي له الكتب التي تتاجر بها بغض النظر عن قيمتها الحقيقية ضاربة عرض الحائط الشروط الموضوعية و النزاهة العلمية التي يجب أن يتحلى بها الكاتب و من يشتغل معه، و أمام هذه السطوة قد يفقد القارئ حرية الاختيار و البحث عن الكتب عبر معرفة مسبقة لكاتبها أو بعد الاطلاع على قراءات النقاد، كما أن هذا الفقد يعني في إحدى صوره الانهزامية أن يتحول القارئ من فاعل صاحب رأي و حرية إلى مفعول به ينتظر الوارد من ساحة الإعلانات الممولة ليقوم باستجابة آليةبعد أن نجحت عملية الاثارة العاطفية، و هنا قد نتساءل : هل حقا تم “إقناع” المتلقي بقيمة الكتاب الحقيقية في ساحة الفكر و الثقافة ام أن الأمر مرتبط فقط بالثناء و المدح العالي بعبارات تزيينية مختارة بعناية هدفها جذب القارئ “لشراء” السلعة و رفع منسوب الطلب ؟؟!
لا يعني هذا أبدا أن الترويج للكتاب و التعريف به على مختلف المنصات و الوسائل المتاحة و جميع ما يقام من ندوات و معارض دولية أو جهوية و حفلات توقيع هو شر محض، و إنما هي من الأمور التي تصاحب عملية التأليف و النشر إن توفرت الكلفة المادية المناسبة، و لكن بالمقابل لا يمكن إعطاء شيك على بياض بأن الدعاية لأي كتاب يساوي أهمية الكتاب و قيمته الفكرية و العلمية الحقيقية التي تدفع القارئ الباحث لتصفحه و مدارسته، و من جهة أخرى مهمة، لا يمكننا إنكارها أو التغاضي عنها، و هي إمكانية أن تساهم عملية الترويج و التسويق بكل وسائلها و تقنياتها في التعريف بكتاب جيد ذو حمولة معرفية جيدة تستحق الاهتمام و القراءة المتمعنة و هنا السؤال حول نصيب هذا النوع من الكتب الجادة من الدعاية و الترويج الإعلاميين.!
في سياق هذا الموضوع نجد كتب كثيرة في مجالات علمية و معرفية مختلفة (الفلسفة ،الدين ،الاقتصاد،السياسة…) مؤلفات مختلف المفكرين ورواد الإصلاح التي يمكن أن تشكل نقطة انطلاق الوعي و بداية نهضة حقيقية تتخلص من ثقل الجهل و قيود الكسل و اجترار الحسرة ، إلاانها لا تجد أبدا حصتها الكافية من الرواج و الدعاية ، بلتبقى مجهولة إلا عند عدد قليل من “الباحثين” الذي لا يكتفون بما يعرض لهم في “السوق الثقافي و المزاد العلني”، هذادون الحديث عن كسل القارئ / الناقد و دوره الكبير في التعريف بالكتاب و المنتوج الفكري و إعطاء انطباعه الشخصي . في المقابل نلاحظ الكثير من إنتاجات معينة محددة لا تخفى عنا، كبعض ما يمكن إدراجه في فن الرواية و مجال “التنمية”! البشرية تلقى حظا وافرا من التسويق و التعريف و التلقي ، مايؤهلها للوصول إلى قراء المريخ و حصد ملايين المبيعات و ارتفاع اسم الكاتب / الكاتبة النجم(ة) في سماء الشهرة لحضور التنافس المحموم العجيب بين القنوات و المؤثرين حوله و حول كتبه التي جعلت من صنم” التغيير و النجاح ” موضوعا يدغدغ وتر المشاعر و يجذب اهتمام الأفراد . فهل هذا ما يمكن أن يصنع ثقافة نقدية بناءة عند جمهور القراء أم أنها تسعى لتكوين ثقافة نرجسية تسطيحية عِوض الاشتغال على إنماء وعي ثقافي حقيقي ينهض بصاحبه على مختلف الجوانب التاريخية و السياسية و الدينية و العلمية؟
Laisser un commentaire