التعليم:
- أماكن التدريس:
وتكتسي هذه الفهارس قيمتها بالنسبة إلى الدارسين والقراء في كونها ترسم صورة واضحة عن النشاط العلمي والثقافي في تطوان بذكر المراكز الثقافية المساهمة في نشر العلم، وما يزدهر فيها من حلقات الدرس.
وقد جرت العادة في تطوان، أن الصبي إذا بلغ أربع سنوات أو حمسا، أسلمه وليه إلى المكتب القرآني، فيحفظ القرآن. وفي هذه الأثناء يلقنه الأستاذ بعض مبادئ القراءة والكتابة، وبعض قواعد التجويد، ورسم القرآن. قبل أن ينتقل إلى المرحلة الثانية، وهي حضور دروس العلم، مبتدئا بالعقائد وفقه العبادة، بنظم ابن عاشر بشرح المرشد المعين، وفي النحو بمقدمة ابن أجروم بشرح الأزهري ومختصر الشيخ خليل في الفقه ، بعد أن يكون قد حفظ متونها.
فإن اتصل في التعلم ولم ينقطع، أخذ في قراءة ألفية ابن مالك بالمكودي، ثم بالتوضيح ابن هشام، وربما قرأ بالأشموني. وفي قراءة الفقه، بمختصر الشيخ خليل بشارحه الخرشي، او الدردير، وتحفة ابن عاصم بشرح التاودي. وربما خلل ذلك بدروس في المعاني والبيان، والمنطق وأصول الفقه.
و قد كانت المساجد والزوايا أهم الأماكن التي يمارس فيها التدريس وقد حصر الفقيه داود في كتابه على رأس الأربعين مختلف هذه المدارس التي كان إشعاعها العلمي مشعا في القرن الربع عشر، والملاحظ أنها هي نفس الأماكن الدراسية التي درس فيها أو درس بها أغلب علماء فهارس تطوان وهي:
– مدرسة الجامع الكبير: وهي أقدم مدرسة عرفتها تطوان، وكانت جزء من المسجد الأعظم االذي وسعه السلطان مولاي سليمان. وكانت عبارة عن بيوت معدودة ملحقة بالمسجد، وكان الطلبة موزعين بعضهم يسكن المدرسة، والبعض الآخر يقطن في المسايد الملحقة بالمساجد. وكان السلطان مولاي سليمان عند تحديد بناء الجامع المذكور سنة(1807م) قد عين إماما به العالم الشيخ محمد الحراق، وكان عالما متضلعا، ومشاركا في علوم التفسير والحديث والفقه والفتوى، وكما انفرد عن باقي علماء عصره في ميدان الأدب والشعر. وكان لتوليته أثر فعال في تقدم العلوم الدينية بتطوان. ودرس فيه في القرن الرابع عشر: أحمد الزواقي، و محمد بن الآبار، ومحمد المودن، و محمد أفيلال، ومحمد المرير، ومحمد الزواقي، و الحسن أفيلال، وعبد الرحمان أقشار، والمهدي الموفق.
– جامع العيون: درس فيه أحمد الرهوني
– جامع السوق الفوقي: درس به الحاج أحمد الزواقي، ومحمد بن عبد الوهاب.
–جامع القصبة: درس به محمد المرير والحاج محمد الفرطاخ.
– جامع الربطة: درس به محمد المرير والحاج عبد الرحمان الفاسي
– جامع المصيمدي: درس به عبد الرحمان اقشار والسيد محمد الركيك
– جامع بن صالح (جامع الشحيت): درس به أحمد اللواجري والعربي الخطيب
– جامع الجديدة بالسويقة: الحسن أفيلال
– جامع للا فريجة بالسويقة: درس فيه محمد الفرطاخ
– الزواية الريسونية: درس بها محمد البقالي، وأحمد العمراني، وأحمد الزواقي، ومحمد ابن الأبار.
– الزاوية التيجانية: درس بها احمد الرهوني، وعبد القادر الشلي.
– الزاوية الدرقاوية: درس فيها محمد بن الحاج الصروخ الكرفطي
– الزاوية القادرية: درس بها محمد بناني، وأحمد الحداد
– زاوية الحاج علي بركة بالسوق الفوقي: درس بها محمد المرير وأحمد الحداد، ومحمد الفيزازي.
إلى جانب مجموعة من أماكن التدريس اندرست في عهد الفقيه داود من بينها:
– جامع لوقش: ذكر عبد الرزاق أحمادوش في رحلته أنه اجتمع بالشيخ أحمد الورزيزي في جامع لوقش وسمع منه أوائل صحيحي البخاري ومسلم وموطأ
مالك مع أسانيده في الكتب المذكورة، كما درس عليه التفسير والأصول ومختصر الشيخ خليل.
– مدرسة ابن قريش: عمرها بنو قريش بعلمائهم المدرسين، وقاموا بالاهتمام بها ورعاية شؤولها حتى أصبحت المدرسة الأولى في تطوان، إلا أن وجودها في طرف المدينة، وفي حومة يكاد ينعدم بهما سكنى العيان من الأرستقراطية الأندلسية، حرمها من وسائل البقاء والاستمرار، وعرضها مع مرور الزمان إلى الإهمال”.
كما نجد الفقيه أحمد بن عجيبة قد جلس للتدريس في عدة مواضع قبل ملاقاة الشيخ (البوزيدي) وبعده، ومنها جامع القصبة، وجامع الجعيدي، وفي مسجد الساقية الفوقية، وزاوية ابن ناصر، وزاوية أحنصال، وزاوية ابن مرزوق، وزاوية السعيدي.
وإذا انتهت مرحلة الأخذ في تطوان، واستقصى الطالب ما عند علماء بلده، فإنه يعمل الرحلة لإتمام دروسه بمدينة فاس، إذ هي العاصمة العلمية بالمغرب الأقصى منذ سقطت
قرطبة والقيروان، فيأخذ عن أكابر العلماء بها، ويتم دروسه العليا، حتى يتخرج بها، ويستجيز علماءها، ويعود للتدريس ببلدته.
- – مواد التدريس:
وإذا تأملنا مقروءات الفهارس التطوانية نجد أنها قامت على مجموعة من العلوم، لا محيد للدارس المسلم في بيئة المغرب في الأخذ بها والاعتماد عليها في التكوين والتربية العلمية والدينية والمهنية. هذه العلوم هي القرآن وعلومه، والتفسير والحديث ومصطلحه، والأصول والفقه والتوحيد والنحو والتصوف والأدب والحساب والتوقيت. وهي العلوم هي التي كانت رائجة في بيئة المغرب عامة وبيئة تطوان خاصة. وكان عمدة الدروس هو الفقه يقول الفقيه المرير: ” لأن هذا المنهج، كان عندنا المتبع في الدروس الفقهية، وبه قرأنا، و بنظامه تعلمنا وانتفعنا، كما قرأ به أشياخنا وأشياخهم. وكان مبناه على أن الفقه الإسلامي هو عمدة الشريعة الإسلامية، وقانونها ودستورها المستمد من كتابها العزيز …فالفقه الإسلامي كما يعتني بأحكام الديانة، كذلك بمصالح الدنيا والإمارة فما تحتها، ولا يشذ عنها من أحكام الدولة شيء، فكان لزاما على كل من ولي ولاية، أي يكون عارفا بالقوانين الفقهية فيما أنيط به، ولو بسؤال الفقهاء”.
ونجد أن المغرب منذ القرن التاسع للهجرة قد استقل فيه درس الفقه المالكي بمختصر الشيخ خليل، فتتوارى بجانبه بقية المصنفات الأخرى كالمدونة أو تهذيب البرادعي أو مختصر ابن الحاجب. فقد كان من أشهر الكتب الفقهية التي يتنافس العلماء والطلبة في حفظها ودراستها، ” فهو الكتاب الجامع للمذهب، والمحيط بفروعه، الذي لا مندوحة عنه لمن يدين بالشريعة الإسلامية. ولهذا أقبل الفقهاء المغاربة على دراسته، وعمروا أوقاتهم بفهمه وتفهيمه، إذ صار للطالب المغربي أقصى غاياته”.
وبالنسبة لبقية العلوم الأخرى فقد كان للحديث حضور بارز في مجالس الدرس بتطوان، ولكن أجل تلك الكتب عند أهل تطوان كان صحيح البخاري فقد اتخذ وسيلة عند تفاقم النوائب العظام، فتنفرج به الكربات، وترفع الملمات ويدرك المرام. يقول الشيخ المرير: “وقد أدركنا الناس ببلدنا أنه مهما ألمت بهم ملمة، من قحط بحبس الأمطار، أو فتنة تعم من صولة الفجار والثوار، يدعون إلى المساجد لقراءة صحيح البخاري، ويضاف إليه كثير من الأذكار. و كان يقرأ دراية ليفهم متنه واستحضار ما انبنى عليه المزايا والأحكام. وبجانب صحيح البخاري وبقية كتب الصحاح وخاصة مسلم كان يجري الدرس أيضا إلى كتاب الشمائل الترمذية وبعض كتب السيرة. ” ولكنهم يعتنون غالبا بموطأ الإمام مالك، وكل ذلك جرت العادة أن يقرأ زمن العطلة، وهي الأشهر الثلاثة: رجب وشعبان ورمضان، ويضيفون إلى ذلك، في خصوص شهر رمضان، شمائل الإمام الترمذي”.
وكان النحو يدرس بكتاب الخلاصة لابن مالك وشروحها وحواشيها وشروح شواهدها لتكون هذه المصنفات المجال الذي يتم به التفقه في النحو وإتقان اللغة وقواعدها. أما التفسير وعلم القراءات فقد جرت العادة بين العلماء أن علم التفسير لا يدرسه إلا ما كان محصلا لكثير من العلوم، وأنه مع ذلك معرض للوقوع في المحذور ولذلك كانوا يبتعدون عن تدريسه دراسة تحقيق وتدقيق، ويقتصرون على سرد بعض التفاسير مثل تفسير ابن عطية. ومن الذين تصدوا لتدريس التفسير في الجامع الكبير بتطوان الشيخ محمد الحراق.
هذه العلوم كان هناك درس الأدب والرقائق والتصوف فيأخذ بمصنفات زروق كالنصيحة والوظيفة على اعتبار أنها متون تعرض نصوصها وتشرح لغتها ومعانيها، ويأخذ بنصي البردة والهمزية للبوصيري فيكون محال درسها قائما على النظر فيها وتفسير الغامض منها. وعلى العموم فدرس التصوف كان أقل حظا في التدريس من العلوم الأخرى إذ يرى الأستاذ عبد المجيد الصغير أنه في القرن الثاني عشر: “لم يثبت بتطوان أن أحدا درس الكتب الصوفية غير أستاذ ابن عجيبة المباشر وهو محمد بن الحسن الجنوي، ولم يقبل من التلاميذ على هذا النوع من التعليم سوى ابن عجيبة وأحد الكتاب المؤرخين في عصره وهو عبد السلام السكيرج”.
ومن خلال تتبع لمجالس العلماء ودروسهم في تطوان، نقترب من الصورة العامة للحالة التعليمية فيها، حيث هيمنت عليها مصنفات معينة في الفقه والتفسير، كما غابت عنها علوم أخرى كعلم الطب والتوقيت وكتب الأدب واللغة والتاريخ والموسيقى، فقد سأل الشيخ عبد الرزاق بن حمادوش الجزائري الذي زار تطوان وتتلمذ للمدرسين بها، عن علم الفلك وعلوم الحساب والطب والهندسة فلم يجد من يبحث عنها، ويرجع الفقيه المرير سبب ذلك إلى غياب الاهتمام بالثقافة العلمية المكتوبة في الحاضرة التطوانية حيث لم يكن يستغرق سوى وسط محدود من سكان هذه المدينة، ذلك أن جل اهتمامات أهلها كانت تنحصر بالواجبات الدينية، ومشاغل الحياة اليومية. فعامة أهلها محترفون، يكتفون من العلم بمبادئه الاعتقادية والفقهية، فإذا حصلوا القدر الواجب انصرفوا إلى أمر المعيشة، أما الأغنياء فلم يشكلوا سوى فئة قليلة لم تكن لأبنائها غبطة في تلقن العلم:” إذ يرونه خطة خسف لا يتعاطاها إلا أبناء الفقراء”.
وقد ظل مضمون التعليم بتطوان في القرن الرابع عشر كما كان عليه في القرنين الذين قبله، فقد كان برنامج الدراسة يشمل علوما دينية وفقهية ولغوية. ويدرس كل ذلك في نطاق الثقافة العربية الإسلامية أما العلوم الأخرى والتي سأل عنها ابن حمادوش فقد ظلت غائبة عن الساحة العلمية، إلا أن الطلبة ” وإن كانوا لم يدرسوا تلك العلوم على أساتذة مخصوصين فإن منهم طبقة كانت كثيرة المطالعة لدواوين الأدب ولكتب التاريخ والجغرافية وللمؤلفات الحديثة في مختلف الفنون والعلوم، مما وسع دائرة معارفهم ومهد السبيل للنهضة الحديثة التي ظهرت بعد العهد الذي نتحدث عنه الآن”.
وكانت طريقة التدريس لهذه العلوم والكتب على هيئة بسيطة، لكنها كانت تختلف باختلاف طبقة المدرسين والطلبة، فمنهم من كان لا يتجاوز تكرير المتن وشرحه، أي أنه يشرح المتن شرحا مختصرا مع الإكثار من المقروء. مثل ما كان يقوم به الشيخ أحمد العمراني الغماري حيث كان تدريسه مفيدا، حيث كان يقتصر على المتن وما لا بد منه من الشرح، ولكن تلك الأبحاث والتذييلات التي أولع بها المتأخرون في الإقراء حالت دون تحصيل مقاصد العلوم بسرعة، وأدت إلى الانقطاع أو الملل: “قلت وأنا أقول كذلك. ولو وقع الاقتصار في قراءة” مختصر خليل” على الشارح الدردير، دون استدراك فروع أو تنبيهات، وختم المختصر عاجلا، لأحاط به التلميذ بذلك الفقه في أقرب وقت، وكذلك في الألفية بالمكودي، أو ابن عقيل، والتلخيص في الفنون البلاغية بختم مختصر السعد، لحصلت الملكة للطالب في فنون البلاغة في مدة قصيرة، وهكذا”.
أما تتبع الحواشي والأبحاث والأشكال وإيراد المستطردات، فيرى الفقيه المرير أنها لمن مارس الفن المقروء، وضبط قواعده الأولية، واستشرف لما هو أعلى من المباحث العالية، والنكت الدقيقة، :” فهذا يجب على المعلم أن يفسح له في الدرس، ويجاريه في ميدان البحث، لأنه في المرحلة العليا”.
وكان حديث التهامي الوزاني عن التعليم مناسبة ليعبر عن أفكاره الإصلاحية وينتقد الطريقة التقليدية في التدريس، وقد أدان ما كان يتصف به المسيد من عنف وتسلط، ليوضح أن هذا التسلط لم يكن قائما فقط بين الفقيه والتلاميذ، وإنما أيضا بين التلاميذ الكبار والتلاميذ الصغار. ولم يكن يخفف من وطأة هذا التسلط سوى الهدايا والعطاءات التي كان في إمكان التلاميذ الكبار تقديمها للفقيه، والتلاميذ الصغار تقديمها للتلاميذ الكبار والفقيه في آن واحد. ومعنى هذا أن ممارسة العنف في الكتاب التقليدي لم تكن تتم على قدم المساواة، ذلك أن التلاميذ الأرقى مركزا والأعلى شأنا في المرتبة الاجتماعية هم الذين كانوا محصنين نسبيا من تسلط الفقيه، أما الفقراء منهم ماديا ومعنويا فلم يكن بإمكانهم سوى الصبر والتحمل. مما يجعل هذه المرحلة عقبة كبرى في حياة التلاميذ، إذ قال عنها: “إنما عقبة من أشق الأعمال التي قاسيتها في حياتي وليس عندي ما يعادلها في العناء والقسوة”.
العنوان: فهارس علماء تطوان (تطوان من خلال كتب التراجم والطبقات)
للمؤلف: الوهابي
منشورات باب الحكمة
(بريس تطوان)
يتبع…
Laisser un commentaire