وفاة العلاوي البوكيلي.. رحيل عملاق من عمالقة الشعر الأمازيغي

Écrit par

dans

الحاجب/خالد المسعودي

“آه.. لقد صرت غرابا.. كل يوم أودع أصحابا…”.
لم أعد أتذكر لمن قرأت مثل هذه العبارة – الصرخة الموجعة، لكني أجدها توجز بصيغة جد مكثفة حالتي اليوم.
بعد رحيل العديد من الشعراء الأمازيغ في وقت سابق، إلتحق بهم صباح يوم الأربعاء الماضي العلاوي البوكيلي هرم آخر من أهرام شعرنا الأمازيغي بآيت نظير بالحاجب، كأن خريطة الوطن في تسابق وتنافس لتشع سماؤها بنجوم شعرنا المضيئة.
“نعيٌ هنا، ونعيٌ هناك، كأنّ الموت عداء مسافات قصيرة، أو عامل نظافة في حيّ مهجور”، يكتب الأديب عبد اللطيف الوراري..
كنت في العمل، لما رنَّ هاتفي المحمول، الزميل جواد عكي المولوع بالشعر الأمازيغي يسألني عن صحة خبر وفاة العلاوي البوكيلي، لا علم لي، لكن علي التحقق من صحة الخبر، ثم ستتوالى المكالمات والاتصالات، من زملاء ومحبي الشعر الأمازيغي، جربت الإتصال بمن يؤكد لي الخبر، وفي الحقيقة كنت أبحث عمن ينفي لي النعي المشؤوم، كأن أسمع أنه مجرد إشاعة من إشاعات فصل الشتاء البارد.
أمام حالة “لا تأكيد – لا نفي”، قررت بعد مغادرتي العمل، التوجه مباشرة إلى جماعة آيت بورزوين مسقط رأس الشيخ العلاوي البوكيلي، ما أن أطللت على الدوار الذي يقطنه، حتى طالعتني وجوه أعرف بعضها، تتجمع أمام “منزله”، الذي يقيم فيه منذ أزيد من خمس عقود من السنوات.
نعم. مات البوكيلي.
كيف؟ متى؟
موجز الجواب: “مرض القلب والشرايين، عرض نفسه على الطبيب”.
أو كما في قصة “الثرثار ومحب الاختصار” التي ضمها أحد كتب أحمد بوكماخ المدرسية: “مات والسلام”.
والشاعر الأمازيغي العلاوي البوكيلي لم يكن من الثرثارين ولا من المختصرين، بل كانت تعبيرات ملامحه وشكل ابتسامته وتقويسة حاجبيه وحركة عينيه، وصمته.. تنطق بما يفوق كل قول.
كان الوقت صباحا لما فاضت أنفاسه الأخيرة.
تحكي زوجته، بقلب دامع يمزقه الحزن وألم الفراق: كنت إلى جانبه في لحظاته الأخيرة، طلب مني أن أمده بالماء. شرب كوب ماء معدني من الحجم الصغير، ثم رأيت أن أناوله كوب حليب، لما شرب الحليب، قال إنه يحس بالراحة، ولم ندرك ونحن إلى جانبه كيف غافلنا في لحظة مارقة، راح في رمشة عين، انتقل إلى راحته الأبدية، لم نشبع منه، مات زوجي.
لن أنسى أبدا ضحكة البوكيلي الطفولية، ولا سخريته المميزة، ولا الصداقة والأيام التي جمعتني به، كما لن أنسى قسوته على نفسه بإهماله لهندامه وخصومته الدائمة مع الأناقة، لكن البوكيلي كان يملك أناقة أخرى لا تباع ولا تشترى، هي أناقة اللهجة الأمازيغية، أناقة الروح والقلب.
منذ وقوع الخبر الفاجعة، وسيل تبادل التعازي لم يتوقف، بين الأصدقاء والزملاء، ممن يعرفون الراحل أو عايشوه أو عرفوه عن قرب أو من بعيد، الكل يشيد بمزايا الراحل الإنسانية.
عندما وصل النعي إلى صديقنا عبد اللطيف اهرمة لم يتمالك مشاعره وحزنه:
“فقدانك يا البوكيلي رجلا متميزا في عمله وفِي أخلاقه، فهذا الرجل كما عرفته وخبرته كان شاعرا أمازيغيا متكاملا، لا يتطرق لموضوع إلا أتقنه، ولا يطلب منه شيء إلا أنجزه.
لم يكن يريد أو يسعى لأن يصبح شاعرا لامعا، أو رجلا تجري بذكره الركبان، بل كان شاعرا لا يتكالب على المآدب، ولا يجري لالتقاط الفضائح لينظم عليها، ولا على ضمان دخل غير نظيف.
عندما يأخذ مكانه بين الشعراء، ينكب على الشعر مستعينا بذاكرته، لا يضيع وقته في الهدر، ويبدو واثقا من نفسه، فيما ينجز من أعمال شعرية، أكانت سياسية، رياضية، اقتصادية أو إجتماعية، ولا يذهب إلى الأسواق أو المقهى للقاء محبيه إلا إذا أنجز عمله”.
ويكتب لي صديقي جواد عكي معزيا، بكلمات مختصرة، لكنها زادت من حرقة الألم: “هذا الجيل يذهب بسرعة البرق دون أن يعرفه الجيل الجديد من الشعراء الأمازيغ.. وهذه من أسوأ الفظائع”.
حقا، ما أشد الفاجعة، ما أقسى فظاعة المأساة يا صديقي والناس يتهيؤون لشهر رمضان، قررتَ أنتَ إطفاء الأنوار وإغلاق الباب خلفك، والذهاب للنوم الأخير الذي ما بعده صحوة أو استيقاظ.
هذه هي المرة الأولى التي تقسو فيها على من حواليك من الأحبة والأصدقاء، وإن كنتَ قاسيا باستمرار على نفسك، تماما كما أصدقاؤك الذين سبقوك بأيام.
ماذا يمكن القول إزاء هذا الفقدان المريع؟
الشعر الأمازيغي في حداد… عبارة صارت جاهزة، ولم تعد تفيد المعنى والقصد كله.
لكنه حداد طويل لا يكاد ينتهي، ما أن نولي ظهرنا للمقبرة بعد مواراة جثمان شاعر، حتى نعود إليها لنُودعَها عزيزا جديدا.
ختاما من يقدم على تجميع القصائد التي خلفها هذا الهرم الأمازيغي الكبير وتقديمها للأجيال؟
هل من مبادرة نبيلة لتخليد إسم الشاعر الأمازيغي العلاوي البوكيلي وإطلاقه على شارع أو مؤسسة تعليمية بمدينة الحاجب؟
إياك أعني.. واسمعي يا جارة.. يا وزارة الثقافة والشباب والتواصل

هيئة التحرير4 مارس، 2023

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *