تحديات وتناقضات أمام الفكر الجديد

Écrit par

dans

إن الوعي الشامل لظروف الإنسان العربي الحديث يجعلنا نقف حائرين أمام النقد  الخاطئ والمعادي  لأشكال الحداثة ومضامينها المتعددة الوجوه، وخاصة في مجال الفكر الأدبي.

فالعقل يستسيغ النقد الضروري لتقويم أي خلل طارئ في وضع صحي سليم ونفهم أيضا حقيقة النقد البناء في توجيه الفكر الجديد وتعميق جذوره الأصيلة. اما أن يكون هذا النقد هجوما ضاربا وظرفا جديدا يضاف إلى الظروف القهرية التي ولدت الإنسان العربي الحديث فهذا شيء لا يقبله أي منطق موضوعي متجرد.

ولمزيد من الإيضاح نقول أن العقل العربي الحديث نشأ في ظروف غير طبيعية، وبعيدة جدا عن الصحة النفسية والمناخ الملائم. هذه الظروف غير الطبيعية ستكون بديهيا النواة الصالحة لمخاض غير طبيعي وولادة مسخ فكري بعيد عن الوجود الطبيعي.

فلقد تفتحت عيون الجيل الجديد وما زالت تتفتح على مشكلة الوجود الصهيوني الغاصب كمجابهة حضارية رهيبة وواقع فاشل وصراع لا يملك حتى الآن المقومات الجاهزة للانتصار في هذا الصراع.

وتصبح الواقعة الإسرائيلية خبزا يوميا وصراعا مستمرا في اليقظة وفي الحلم، في الوعي وفي اللاشعور، في توازن الشخصية وهستيريتها، فيرتد هذا الصراع نتيجة العجز الفردي والجماعي إلى موضوع مكبوت.. ولا تنتهي التناقضات، فالواقع السياسي خليط غريب عجيب يتراوح بين القهر والاستلاب والقمع الغبي والتصفية الذكية والتسلط الغيبي والتخلف العقلي.

وتزداد التراكمات بانفصام النفسية الفردية والجماعية أمام التراث كجذور أصيلة، وأمام الفكر الروحي كقطعة لا تنفصل من الوعي الجمعي، فيتجلى هذا الانفصام، بخواء حضاري وفراغ روحي غير طبيعي لا يملك مقومات التوازن العصري والاطمئنان النفسي. ناهيك عن وقوف المجتمع العربي بكامله، عاجزا أمام التقدم التكنولوجي وملاحقة البناء العلمي السريع.

وإذا أردنا تعداد المزيد من الظروف غير الطبيعية المتواجدة على ساحة الوطن العربي من فقر وتعصب وضياع الجهود الفردية الصادقة وتقليص دور النخبة التي ما تكاد تصل إلى موقع التغيير حتى تكون أصيبت باليأس والتعب أو تنالها أدوات الاستئصال الجسدي، إذا أردنا هذا التعداد ودراسته لكان لدينا مجلدات  ضخمة تصلح أن تكون ظرفا آخر من ظروف القهر.

إذن، وبتجرد موضوعي مخلص، نرى أن مجتمعا غير طبيعي في إثبات وجوده، وغير طبيعي في خلق أفراد أصحاء، هذا المجتمع سينجب أفرادا لا طبيعيين في الفكر والروح وحتى في السلوك. ولا نتكلم هنا عن الإنجاب الآلي، ولكننا نعني إنجاب النفوس الحائرة والتي على عاتقها تقوم أعمدة التغيير المقبل وبناء الحضارة الجديدة.

ونصل بعد هذه المقدمة السريعة، إلى أن المجتمع غير الطبيعي ستكون عملية توليده لأفراده الحقيقيين عملية غير طبيعية منذ الحمل حتى الوضع، وحتما ستكون الولادة غير الطبيعية بشارة لمجيء أفراد غير طبيعيين في التركيب، حيث تتجلى لا طبيعية هؤلاء الأفراد أكثر ما تتجلى في ميداني الأدب والفن وذلك لعدم توفر الظروف المانعة لهذا الظهور الشاذ في نفسية وتفكير أرباب هذا الميدان. يعكس الإنسان العادي الذي يتجاوز لا طبيعيته بتقليد حضارات ومحاكاة مظاهر قديمة أو حديثة ولكن غريبة عن الجذور.

هذا التجلي في الأدب أمسك بزمامه رواد الشعر الحديث وتيار القصة الجديدة لجيل الشباب. حيث نرى الإبهام والغموض واتباع أشكال  غير طبيعية نتيجة للظروف الأولى. ونرى أيضا الإبهام والغموض لدى فناني الألوان حيث تنمو مذاهب مغرقة في الغموض والسحر والصوفية الفنية والفكرية.

هذا الإبهام والغموض والرمزية وبعض طلائع السوريالية لا تجد لدى الأفراد العاديين، الذين تخلوا عن حقيقة ولادتهم، أي تقبل واستساغة. ونرى أيضا هذا الرفض العنيف والعشوائي لدى بقايا الفكر التراثي المتحجر وعجزة النظرة الضيقة الذين لا يجدون أي مبرر لهذا الظهور البشع في اعتقادهم، مما يدفع بالمواجهة بعيدا عن ميدان صراعها الحقيقي.

وليس عدم القبول هذا، وشدة الرفض ذاك إلا شكلا من أشكال الاغتراب والانغلاق أمام تطور المجتمع وفهم المتغيرات النفسية التي تحاصر الشباب العربي الجديد والمتفهم لواقعه ولمرحلته.

أما نحن فنرى في هذه الظواهر التي تتراوح بين الشعر الحديث المبهم والغامض، وبين الأشكال التجريبية في القصة، والمذاهب المتطرفة في الفن، نرى أن هذا الظهور الاغترابي اللاطبيعي واللامنتمي ثمرة طبيعية لحمل غير طبيعي، وولادة غير طبيعية في مجتمع غير صحي.

وما نريد الوصول إليه هو النداء بالتخفيف من حدة الصراخ والاتهام السوقي لانهيار الآداب والفنون التراثية والتروي ومحاسبة النفس قبل التفكير في مهاجمة الجيل الجديد بأدوات تعابيره الخاصة، لأن رواد الجيل الجديد لا يملكون أن يستوحوا إلا ما يطبعهم بمؤثراته. فإذا أراد هؤلاء تغيير هذه المظاهر المسلحة في نظرهم، فعليهم تبديل الوسط الطبيعي أو الاجتماعي كيلا تكون هناك مرة أخرى هذه المؤثرات.

وكل دعوة بالعودة إلى المنطق والتمذهب الواضح لدى أفراد ينمو إبداعهم بشكل جديد، هي دعوة فاشلة وستجابه بالاندحار والهزيمة أمام الظروف التاريخية وتطور إبداعيات الأفراد، لأن تغيير المجتمع وتبديل العلائق المتخلفة فيه وخلق الظروف الإنسانية الحقة، كل ذلك سيكون عملا من نصيب ابن المجتمع الحقيقي الذي يراه البعض لا منطقيا وبعيدا عن التفكير الاجتماعي. وقد عرفنا أن ابن المجتمع الحقيقي هو الإنسان الذي لا يجد التوازن الفكري والروحي في إبداعه وإنتاجه المعطاء. فهذا الابن الضال هو الذي سينقذ الجميع من الضلال وسيقود التائهين إلى بر جديد بعد أن طال الليل ونام الانتظار.

فلا عجب إن قلنا ان هؤلاء الأفراد قد يكونون بشائر على طريق الولادة الكبرى أو قد يكونون فعلا طلائع الولادة الكبرى التي تتم  دون أن يدري بها إلا المقربون منها.

والله الموفق

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *