تطوان من خلال فهارس علمائها (12)

د – بعض القضايا التي اهتم بها المجتمع التطواني في القرن العشرين:
إن ما سجله سيدي التهامي سواء في كتابه الزاوية وفي مقالاته وكتاباته الأخرى عن الحياة الاجتماعية والعلمية والسياسية بتطوان ونواحيها منذ بداية هذا القرن ، يعتبر مادة تاريخية هامة وإسهاما في خدمة تريخ المغرب. فيؤرخ للاحتلال الاسباني لمدينة تطوان وهو حدث لم يبلغ مبلغ الرجال بعد (كان عمره آنذاك عشر سنوات)، و ما خلفه في نفوس سكانها من اضطراب وقلق وإحساس بالذل والمهانة وخصوصا وأن تجربة حرب تطوان القاسية والمريرة ما زالت خالدة في الأذهان، لم يمحها الزمان بعد، ومستحضرين أيضا تجربة أجدادهم الأندلسيين وفقدالهم للفردوس الأندلسي. فيصف التهامي الوزاني أسرته باعتبارها نموذجا مصغرا للمجتمع التطواني في تلك الفترة حيث كادت جدته تفقد صوابها من جراء ما حدث، ولا سيما أنها كانت تلاحظ هروب عائلات بأكملها أو هجرتها إلى طنجة وشفشاون، فضلت أن يستمر بيتها على ما هو عليه، حريصة على أن يتابع حفيدها تعليمه.

ومن بين هذه الشرائح الاجتماعية التي ذكرها التهامي الوزاني في كتابه و التي تأثرت بما حدث فتى يدعى شعيب، الذي لم يكن رغم أميته وأصوله الشعبية غافلا عن الاخطار المحذقة بالمغرب، وكان يتطلع إلى الجهاد في صف العثمانيين إذا جاءوا لإنقاد بلاده، رغم أن نفوذ هؤلاء – في غيبة عنه- كان آخذا في التلاشي. تتوثق الروابط بين التهامي الوزاني وشعيب، وتتأجج في نفسيهما الأحاسيس التي تتخلص في الخطر المحدق ووجوب مقاومته. لكنهما يستفيقان ذات يوم والجيش الاسباني يدخل مدينة تطوان ثم يفقد كلاهما الآخر. غير أن التهامي لن يصاب بالذهول الا عندما يعلم بعد مرور الوقت أن صديقه جند في الجيش الاسباني، وانه غدا بامكانه ان يفتك بالمجاهدين فيما اذا دعت الضرورة الى ذلك.

و تعتبر فهرسة الفقيه المرير ديوان علم حافل بالمعلومات والأفكار عن مختلف العلوم وخصوصا الإسلامية منها، وبأخبار الناس وعاداتهم واهتماماتهم وقضاياهم لذلك نلفي الفهرسة تهتم بأهم القضايا التي أرقت المجتمع التطواني في القرن الرابع عشر، مع وصف وعاداته وتقاليده ومن بينها: الاحتفاء بليلة المعراج بتطوان، حيث ذكر الفقيه المرير تعظيم أهل هذه الحاضرة لليلة المعراج بصيام يومها، وتقدير هذه الليلة من طرف الزوايا التي تقيم اجتماعا بعد صلاة العشاء يحضره الطلبة وغيرهم. وأشهر هذه الزوايا الزاوية الريسونية:
ويقصرون في ذلك على الأمداح النبوية، مما يذكر في هذه الليلة المباركة”.
وقد نال الاحتفال بالمولد النبوي اهتماما كبيرا من طرف الشيخ محمد لمرير فقد ألف تقييدا خاصا به أبرز فيه مشروعية الاحتفال به، واصفا أجواءها في تطوان، إذ كان الشأن أن يجتمع الناس وأعيان المدينة ونبلاؤها وفقهاؤها في الزاوية الريسونية، ثم يبتدئ منشدو الزاوية من أهل المعرفة بفنون الطرب وذوي الأصوات الحسنة في إنشاد القصائد التي تعظم النبي المختار: “ثم تنشر أواني الطعام في وسط الزاوية للفقراء، ويذهب بعض الخاصة إلى دار الشرفاء، التي هي في مقابلة باب الزاوية التي تقع في وس وسطها”.

ولم تفت صاحب الفهرسة الإشارة إلى قضية شغلت الرأي العام التطواني ونالت نقاشا حادا بين الفقهاء والعلماء حين ارتفعت أصوات بعض العلماء السلفيين بترك سنة مؤكدة وهي أضحية العبد بدعوى: “أن الناس لضيق الحال، وقلة ذات اليد، يأخدون ثمنها من المصارف الأجنبية ويرابون في ذلك”. وقد وافقه في ذلك كثير من علماء ذلك العصر من بينهم الشيخ الزواقي، وقد أظهرت هذه القضية تبحر الفقيه المرير في الفقه المالكي وقدرته على التحليل وترجيح الآراء ليؤكد أن ذلك عمل باطل، لا يعول عليه فاضل، بل الأضحية سنة مؤكدة، وهي من شعائر الدين، وسنن سيد المرسلين لا يجوز التمالؤ على تركها.

وتعلمنا الفهرسة بالانفتاح الثقافي الذي شهده المجتمع التطواني في أواسط القرن الرابع عشر، ودخول بعض التيارات الفكرية الغربية إليه والنقاشات التي دارت بين مؤيديها ومعارضيها ومن بينها الفلسفة الاشتراكية، حيث اعتبر معتنقوا هذا المذهب أن أن المذهب الاشتراكي، هو مذهب تقتضيه قواعد الإسلام، ويقول به بعض من له في الدين قدم راسخ ومقام، معتمدين في ذلك على قصة الصحابي أبي ذر الغفاري الذي كان ينادي الأغنياء بمواساة الفقراء، ويعتبر مال بيت المال هو حق للمسلمين جميعا. فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الأغنياء، وشكا الأغنياء ما يلقونه منهم. وأورد الفقيه المرير ردود الفقهاء على أصحاب هذا القول،وأورد النقول رغم بطولها ومن بينهارأي الفقيه الرهوني ، ليتضح للقارئ ما جرى في قضية أبي ذر بعمومها وخصوصها، ويتبين له ما كان يرمي إليه ذالك الصحابي الجليل.

العنوان: فهارس علماء تطوان (تطوان من خلال كتب التراجم والطبقات)

للمؤلف: الوهابي

منشورات باب الحكمة

(بريس تطوان)

يتبع

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *