الحركة الوطنية في تطوان من خلال أحد رجالاتها (3)

ج- في مجال الوطنية
منذ أن وعى الأستاذ محمد على هذه الدنيا وجد بلده ابتليت بغزو أجنبي لا يهدف إلى استغلال خيراتها فقط، بل يحاول طمس هوية الأمة الدينية واللغوية والتاريخية، وتدمير مقومات وحدتها وتشويه أسسها الفكرية والعقدية. إذ أصبح تاريخ المغرب التليد هدفا للتشويش وأرضه مرمى للاستغلال ودينه هدفا للتحريف، وهو ما جعل وعي رجالات الحركة الوطنية وبينهم الفقيه داود يتبلور ليتضح بطريقة واضحة حين أصدرت فرنسا الظهير البربري إذ لم يقف مكتوف الأيدي حيث كان من بين مؤسسي لجنة لمقاطعة البضائع الفرنسية ونشر فكر المقاطعة بين الناس عبر اتصال كل واحد من أعضائها بالعامة ليعرفهم بحقيقة وخطورة الظهير البربري ووجوب محاربته بمقاطعة بضائع واضعيه. وإرسال برقيات الاحتجاج إلى الحكومات والهيئات الدولية، احتجاجا على السياسة الفرنسية في المغرب ومما جاء فيها: “بكل قوانا نحتج على سياسة تنصير فرنسا لإخواننا البربر ووحشية الجنود الإيطالية مع إخزاننا مسلمي طرابلس”.

وأشرف الفقيه داود مع كل من الحاج بنونة وعبد الخالق الطريس والتهامي الوزاني على الحفل الديني الذي شاركت فيه جميع العناصر الوطنية الذي أقيم بالجامع الكبير وذلك يوم الجمعة 6 ربيع الأول 1349 هـ الموافق فاتح غشت 1930م، وقرئ فيه اللطيف.

وفي سنة (1930م) عقد الأستاذ داود عدة اجتماعات سرية بدار التازي بفاس، مع الزعيمين الوطنيين علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني أسفرت عن وضع القانون الأساسي للحزب الوطني، كما ساهم رفقتهم في إعداد المطالب التي قدمت لإسبانيا عند قيام الجمهورية فيها سنة(1931م)، وكانت اول مطالب وطنية قدمت إلى رئيس الجمهورية آنذاك، من طرف وفد من وجهاء تطوان مكون من الطيب بوهلال والحاج عبد السلام بن الحاج حسن حجاج، وأحمد بن محمد غيلان، وأحمد بن عبد الكريم اللبادي.

وانتخب أستاذنا عضوا في أول مجلس بلدي في تطوان في زمن الجمهورية الإسبانية وصدر ذلك في قرار وزاري مؤرخ بـ 22 جمادى الأولى 1350هـ . وإلى جانب نضاله الوطني دافع عن قضية مهمة جدا وهي قضية حقوق الإنسان التي تعتبر من أبرز القضايا التي أثارتها الحركة الوطنية في المنطقة الخليفية فالمواطن المغربي محروم تحت نير الحماية من أبسط حقوقه المدنية والسياسية والدينية وقد تحول هذا الإهتمام من موضوع يراود مخيلة رجال الحركة الوطنية إلى عمل محقق على أرض الواقع سنة (1933م) إذ أسست أول جمعية مغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، وقد اقتبست هذه الجمعية نظامها وقانونها الأساسي من فرع الجمعية العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان بمدريد، وقد ترأسها الحاج عبد السلام بنونة ومن بين أعضاءها نجد الفقيه داود والتهامي الوزاني وأحمد غيلان وعبد الخالق الطريس ومحمد طنانة…، وشكلت وسيلة ضغط مهمة على السلطات الاستعمارية كما اكتست أهمية خاصة من الوجهة التاريخية لأنها كانت أول جمعية يعرفها المغرب بل وعدد من الدول الإسلامية وتبرز مدى النضج السياسي الذي وصلت إليه الحركة الوطنية في شمال المغرب .

ولما كانت محاكم الباشوات والقياد في المنطقة الخليفية من المغرب غير مقيدة بقانون، وليست متبوعة بمحاكم أخرى تتعقب أحكامها، فقد اقتضت المصلحة العامة أن يوضع قانون بتنظيم المحاكم العدلية المخزنية ،فتألفت بتطوان في سنة (1353-1934م) لجنة علمية لدرس قانون تنظيم محاكم العدلية المخزنية، وقد كانت هذه اللجنة برئاسة وزير العدلية آنذاك العلامة محمد بن التهامي أفيلال، وبعضوية جماعة من العلماء، وهم: العلامة أحمد الزواقي، والحاج محمد الفرطاخ، والعلامة البشير أفيلال، والسيد محمد بن محمد اللبادي، وعضو اللجنة وكاتبها الأستاذ محمد. داود. كما كان هو الممثل الرسمي لجمعية طلبة شمال افريقيا بفرنسا في عهد رئاسة الأستاذ الفاسي لها.

ودفعت الأنشطة الوطنية للفقيه داود السلطات الاستعمارية إلى إصدار قرار رسمي سنة 1934م صدر في الجريدة الرسمية لمنطقة طنجة الدولية آنذاك يقضي بمنعه من الدخول إليها وعللت قرارها بأنه يشكل خطرا على الأمن العام. وفي نفس السنة أصدرت السلطات الفرنسية من الرباط، أمرا بمنعه من الدخول المنطقة التي كانت تحت سيطرتها، وقد ظل ممنوعا رسميا وعمليا من دخولها لعدة سنوات. كما منع أثناء رحلته إلى المشرق العربي لأداء فريضة الحج من دخول سوريا ولبنان واللتان كانتا خاضعتين للانتداب الفرنسي، بينما دخل مصر والحجاز ونجدا والعراق وشرق الأردن وفلسطين.

وإذا كانت الحركة الوطنية المغربية تبنت العمل الثقافي المركز على ميدان التعليم ونشر الثقافة ومحاربة البدع، فإنها لم تغفل الجانب الاقتصادي لبناء اقتصاد وطني مستقل ويدعم الحركة في صراعها ضد الاستعمار. ومن هنا تأتي القيمة الكبرى لكتاب على رأس الثمانين الذي تفرد بذكر وبتفصيل مسهب لأهم الأعمال الاقتصادية التي قامت بها الحركة الوطنية في شمال المغرب بقيادة رائد هذه المبادرة وأب الحركة الوطنية المغربية الحاج عبد السلام بنونة. ساعده في ذلك تكوينه الثقافي الحديث وتقلده مناصب هامة بالمخزن الخليفي ذات الصلة بالجانب الاقتصادي، أمين الأملاك المخزنية أولا سنة 1915م، ثم محتسب مدينة تطوان سنة (1916م)، وكذلك وزير المالية سنة (1922م)، بالإضافة إلى إتقانه للغة الإسبانية وإلمامه باللغتين الفرنسية والإنجليزية من الاطلاع عن كثب على كل الاختراعات والتطورات التي تطال الصناعة بأروبا وجلب آلياتها المتطورة وتدريس علومها بالمغرب.

ويبقى المشروع الأكثر أهمية والذي بقي صامدا لسنين هو شركة التعاون الصناعية التي سيوقع محضرها التأسيسي وقانونها في فاتح مارس (1928م). فقد كان هذا المشروع الفريد على شكل شركة مساهمة، شاركت في رأسماله سائر الطبقات الاجتماعية في المنطقة من مسلمين وإسبان ويهود. وكان الهدف الرئيسي من تأسيسه هو إنشاء الطاقة الكهربائية وتوزيعها واستغلال سائر الصناعات المرتبطة بها أو المتممة لها وإجراء جميع أنواع العمليات التجارية ةوبيع سائر المواد التي يمكن إنتاجها وكذلك استثمار أي مؤسسسة أخرى لها طابع صناعي. وقد حددت مدة الحياة الشركة في خمس سنوات قابلة للتمديد، وكان رأسمالها التأسيسي مليون بسيطة.
لقد استغرقت عملية إنجاز الشركة أكثر أربعة سنوات للاستعداد لها وجلب الآلات، حيث قام الحاج عبد السلام بنونة باستيراد هذه الأدوات الميكانيكية من سويسرا وإنجلترا، كما اعتمد على مهندسين ألمان في تركيب آليات وأجهزة المعمل، في حين وقع في مدريد عقدا مع شركة ألمانية لمد شبكة الأسلاك الكهربائية.

تبعا لنفس المخطط سيتم تأسيس المطبعة المهدية كشركة مساهمة، كان الهدف منها طبع لكتب المدرسية وإنزالها إلى السوق الوطني بثمن أقل من الكتب المقررة التي كانت تأتي من مصر، وتأسست المطبعة المهدية وهي المطبعة العربية الوطنية الاولى في عهد الحماية بالمغرب بتاريخ 21 نونبر(1928م)، برأسمال قدره 25 ألف بسيطة، وقد ظلت قائمة إلى غاية استقلال المغرب، حيث تعرضت لمنافسة قوية من طرف مطابع ذات آليات جد متطورة لتقوم على إثر ذلك بإقفال أبوابهار).

وعرف عن الفقيه داود اهتمامه بالأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد الإسلامية، وكان ينادي بتحريرها كافة لأنه لايمكن أن ينعم جزء من هذه الأمة بالاستقلال والحرية وأجزاء منها لازالت ترزح تحت قيود الاستعمار وأغلاله، ولايمكن أن تقوم لهضة حقيقية في بلد من بلدان العالم الإسلامي إلا في ظل لهضة شاملة. فإذا كانت الأصول واحدة والديانة واحدة فلا بد أن تكون الانطلاقة موحدة وفق برنامج يستمد قوانينه من الكتاب والسنة. لقد عاش الفقيه مناضلا عربيا إسلاميا يتخطى المجال الإقليمي الضيق إلى آفاق الوطن العربي الكبير، وكان للحركة الوطنية الفضل في غرس فكرة التضامن في نفوس كافة الوطنيين. وقد انعكس ذلك على كتاباته حتى التاريخية منها حيث ذكر في المجلد الثامن من تاريخ تطوان قائع مهمة متعلقة ببلدان المغرب العربي واحتلال فرنسا للجزائر وهجرة بعض المجاهدين والأسر الجزائرية وتوافدها على تطوان. كما تبرز الرسائل الرحمانية المنشورة في هذا الجزء دعوة علانية للجهاد ضد المستعمر وتنطق بوعيه بحجم الأمانة الثقيلة الملقاة على عاتقه تجاه أمته.

ولم تمنعه كثرة انشغالاته واهتماماته من الاتصال بصحافة مصر وتونس، ورموز الحركة الإصلاحية بالمشرق أمثال جمال الذين الأفغاني ومحمد عبده، ومتابعته باهتمام بالغ الأحوال السياسية في سائر الدول العربية والإسلامية، وتتبع أخبار الثورة الريفية ضد المستعمر بزعامة عبد الكريم الخطابي وإطلاع الشعوب العربية بأخر أخبارها من خلال مراسلته لجريدة الأهرام.

وهكذا نراه يوهب حياته لتحقيق المنشآت و المعالم الثقافية التي كانت تراود فكره منذ صباه و شبابه، لذا فقد كان مثالا يحتذى به من طرف المفكرين و الأدباء المغاربة نظرا للتفاني و نكران الذات والاعتزاز بالكرامة وحب البلاد والتضحية في سبيلها بالغالي والنفيس. مما جعل صاحب (الإسعاف) يصفه بقوله: “صفحة رائعة خالدة خلود الدهر مليئة بالكفاح المتواصل والعمل المثمر سواء في ميدان الصحافة الواسع الأرجاء أوفي ميدان التأليف…وذلك مايدل على نبوغه الفكري الممتاز وذهنه الوقاد ويدعو إلى تقدير شخصه والإعجاب به ويجعله حريا بأن يطلق عليه اسم المواطن الصالح والعالم العامل”.

العنوان: فهارس علماء تطوان (تطوان من خلال كتب التراجم والطبقات)

للمؤلف: الوهابي

منشورات باب الحكمة

(بريس تطوان)

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *