المكتبة العامة بتطوان منارة علمية توقف عندها الزمن

Écrit par

dans

منذ سنة 1919م، انطلقت إرهاصات تأسيس المكتبة العامة والمحفوظات بتطوان (La Biblioteca General y Archivos de Tetuán) الموجودة بشارع محمد الخامس في قلب المدينة، وبدأت قصة تأسيسها مع محاولات جيش الاحتلال الإسباني تجميع مكتبة متنقّلة تضمّ كتب ومجلاّت..، واستمرّت هذه المبادرة إلى أن كان التأسيس الرسمي للمكتبة سنة 1939م.
تزخر هذه المكتبة ذات الطوابق الثلاثة بكنوز معرفية مكتوبة بلغات متعددة (العربية، الفرنسية، الإسبانية، الإيطالية، الإنجليزية)، وهي متنوعة بين كتب (يقدر عددها بأكثر من 38 ألف كتاب) ومجلاّت وصحف تاريخية (يصل عدد هذه الدوريات إلى أكثر من 4900)، زيادة على المحتويات النادرة كالمخطوطات (حوالي 2400 عنوان) والصور (48 ألف صورة) والمسكوكات والخرائط.


إن هذا الإرث الثقافي جدير بأن يجعل من تطوان قبلة لطلاّب العلم والمعرفة، ويلحقها بمصاف كبريات المراكز العلمية بالعالم العربي، فإن كان هذا يبدو غريبا اليوم، فإنه لم يكُ كذلك بالأمس، خصوصا أيام الحماية الإسبانية، وفي السنوات الأولى بعد الاستقلال، حينما كانت تطوان العاصمة الخليفية رمزا للنهضة العلمية ونشر الصحف والمجلات والكتب، ومقرا لتنظيم المؤتمرات العلمية والتظاهرات الثقافية، حتى بلغ صيتها المشرق فزارها الكاتب الأمير شكيب أرسلان سنة 1930، والكاتب اللبناني أمين ريحاني 1939، وكذلك طه حسين 1958، وكان من ثمرات هذا الإشعاع إنشاد الشاعر السوري فخري البارودي (1887-1966) قائلا: بلادُ العُربِ أوطاني من الشّـامِ لبغدانِ، ومن نَجدٍ إلى يَمَـنٍ إلى مصـرَ فتطوانِ.
بالعودة إلى الموضوع، لا شك أن المكتبة العامة بتطوان هي منارة علمية، كانت قبل عقود مواكبة لعصرها، جذّابة بمحتوياتها، إذ وفّرت خدمات ذات قيمة علمية كبيرة، هذا ما جعلها إسهامها معتبرا في تكوين الهوية الثقافية لتطوان المعاصرة، لكن الملحوظ في السنوات الأخيرة -رغم التقدم الذي حصل على مستوى ترتيب فهارس المكتبة وعملية رقمنة المحتويات- أن هذه المؤسسة المهمّة بدأ الزمن يتجاوزها، بعد أن اختلفت شروط الانجذاب إلى المؤسسات العلمية، فقد أمست هذه المؤسسة تجسّد الماضي أكثر من الحاضر، ولعلّ الوقت قد حان لدقّ جرس الالتفات إلى أحد أركان الثقافة بشمال المغرب.
المفترض في مؤسسة مهمة بالنسبة للطلبة والنخبة كالمكتبة العامة، أن تكون لها أدوار طلائعية في تقديم خدمات علمية رفيعة المستوى لأبناء جهة طنجة-تطوان-الحسيمة والباحثين المغاربة بشكل عام، بالإضافة إلى الأجانب، باعتبارها رمزا ثقافيا، ومقصدا للسيّاح الذين يهتمون بالشأن الثقافي. ويصعب كما هو معلوم في الظروف الحالية أو بشكل أوضح في ظلّ الميزانية المخصصة لهذه المؤسسة أن تضطلع بهذا الدور.
فواقع المكتبة العامة بتطوان يشي بتجاوز الطلب العلمي للعرض المتوفر فيها، حيث أمست هذه المكتبة تتحول من مكتبة عامة مواكبة للتطورات الثقافية إلى مكتبة تاريخية توقف تاريخ معروضاتها في فترة طواها الزمن، ويتجسّد هذا التراجع فيما يلي: ضعف التجهيزات التكنولوجية، غياب الولوجيات (خصوصا للطبقات المخصصة للكتب والإدارة)، نقص هائل في الإصدارات الحديثة، ركود قاتل في أنشطتها الثقافية وانفتاحها على النخبة، الافتقار إلى مركز نسخ داخلي.
هذا التراجع الذي عرفته المكتبة ليس وليد الصدفة، وإنما نتيجة لسياسة منهجية، يتحمل مسؤوليتها وزارة الثقافة التي عوض أن تكون وريثا صالحا لهذه المؤسسة، وتسهر على تطويرها فتصبح رافعة من رافعات تحقيق التوازن المجالي بين الجهات على المستوى العلمي، إذ كان ممكنا جدا -في أقل تقدير- أن تحافظ المكتبة العامة بتطوان على إشعاعها الثقافي في جهة الشمال، وتقدم خدمات القرب للطلبة والباحثين بهذه الجهة، كما يعدّ تأهيل هذه المؤسسة من مهام المجلس الجهوي لطنجة-تطوان-الحسيمة، فمحتوياتها لا تعني فقط مدينة تطوان، وإنما جهة الشمال ككل، خصوصا في الجانب التاريخي، وأيضا يفترض من المجلس الجماعي لتطوان أن يكون له دور في إعادة بريق هذه المؤسسة، خصوصا وأن هناك مرافق متعددة معطّلة بوسط المدينة (مقر جماعة تطوان القديم، المحطة القديمة، محكمة الأسرة القديمة) يمكن استغلالها في فتح ملحقات للمكتبة، علما أن أحد أهم مشاكل المكتبة اليوم هو ضيق المساحة أمام كثرة المعروض.
ختاما، لا بد من التذكير بأن الكتاب هو أهم روافد العلم، والعلم ركيزة التنمية، إذا لا تنمية دون كتاب، بعبارة أخرى وضع المؤسسات العلمية وعلى رأسها المكتبات هو مؤشّر على مستوى الحضارة، فالأجيال القارئة، المتعلّقة بالكتب، هي الكفيلة بتحقيق التنمية الرشيدة، ولتوجد هذه الأجيال لا بد من تشييد مؤسسات حديثة لممارسة فعل القراءة وتحديث القديمة.

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *