تعد التحولات الكبرى التي تمر منها المجتمعات من أهم اللحظات السياسية التي يعاد فيها النظر في أسس النظام السياسي، وطرق التعاقد بين الدولة والمجتمع. وهو الوضع الذي يستدعي إعادة صياغة العقد الاجتماعي عبر وضع دستور جديد يؤسس للمرحلة الجديدة التي ستترتب عن هذا التحول المفصلي.
والحديث عن الدستور يعني الحديث عن الوثيقة الأولى والمرجع الذي يرجع إليه في قضايا حقوق المواطن وواجباته، وهو الوثيقة التي تبين ما إن كانت الدولة ديمقراطية أو في طريق الانتقال الديمقراطي أم أنها دولة شمولية في الوثائق على الأقل.
وتكتسي طريقة صياغة الدستور، في أوقات محددة يطبعها عدم الاستقرار أو التحديات الأمنية والسياسية، أهمية خاصة، حيث تكون فيها الحاجة أمس إلى التنازلات لحماية الدولة من الاصطفاف الخارجي.
وعادة ما يتم الحديث في العلوم السياسية ثلاث طرائق يتم بها صياغة الدساتير الجديدة، وهي:
الأولى هي كتابة الدستور عبر التوافق السياسي بين مختلف التيارات المعبرة عن الشعب. والثانية عبر الغلبة الديمقراطية لحزب سياسي معين بين ممثلي الشعب المنتخبين. والثالثة عبر الإكراه السياسي الذي يتجسد في لجنة معينة من الفاعل القوي في الدولة بدون اختيار من الشعب.
والسؤال المثار: ما هي الاختلافات بين الطرق الثلاث المذكورة في كتابة الدساتير؟ وما هي فرص نجاح الانتقال الديمقراطي في كل طريقة؟
نشير بداية إلى أننا عندما نتحدث عن طريقة كتابة الدستور، فإنه يجدر بنا التمييز بين الشرعية التي يكتسبها الدستور بالتصويت، وبين طريقة إعداد الدستور، وهذه الأخيرة هي ما نحن بصدد الحديث عنه.
ـ طريقة التوافق السياسي
عادة ما يختلف أفراد المجتمع في أفكارهم السياسية وأيديولوجياتهم التي يؤمنون بها، ويعبر عن هذا الاختلاف بالتنظيمات السياسية والنقابية والجمعوية وغيرها. ويبرز هذا الاختلاف بشكل أكبر عندما يعيش المجتمع في مناخ من الحرية السياسية، أو في مرحلة انتقالية تتطلب تأسيس عقد اجتماعي جديد بعد الثورة.
وفي ظل هذا الاختلاف يلجأ المجتمع إلى طريقة التوافق السياسي في وضع الدستور، وذلك بمشاركة كل أو جل الفواعل داخل الدولة. وبهذا يرتبط التوافق السياسي بالتنازلات المتبادلة والتسويات الممكنة للمرور بالمرحلة الانتقالية إلى وضع الاستقرار.
ويمكن القول إن الأولية يجب أن تعطى للتوافق بين الفرقاء قبل الدستور والحكم، نظرا لما يميز المجتمع من انقسام في مثل هذه التحولات الكبرى والتأسيسية.
ومن أبرز طرق تحقيق التوافق، انتخاب مجلس تأسيسي يتولى مهمة الإشراف على عملية التوافق في وضع الدستور، ويتم التمهيد لهذه العملية المعقدة بالتوافق على اقتسام السلطة بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين والحقوقيين وغيرهم، وهو ما يمثل أعلى درجات التوافق السياسي في وضع الدستور.
ويمكن القول إن طريقة التوافق السياسي هي الأنسب، لضمان نجاح الدولة في صياغة عقد اجتماعي جديد في ظل الانقسام السياسي داخل البلد. صحيح أنه ليس هناك توافق مطلق وإنما بشكل نسبي يستشرف أعلى درجة ممكنة من التوافق بين مختلف الفواعل.
وعند الانتهاء من كتابة الدستور بطريقة التوافق السياسي يعرض على الشعب للاستفتاء، وغالبا ما يصوت عليه جل الشعب بالموافقة نتيجة إحساسه بأن كل ممثليه توافقوا عليه.
ـ طريقة التغلب الديمقراطي
الطريقة الثانية من طرق كتابة الدستور هي إجراء انتخابات ديمقراطية تفرز أغلبية برلمانية، ويعهد إلى البرلمان المنتخب انتخاب أعضاء لجنة مكلفة بصياغة دستور جديد. وفي هذه الطريقة غالبا ما تهيمن أغلبية معينة ذات توجه معين على لجنة صياغة الدستور، وهو ما يشعر الأقلية بأنها همشت في كتابة العقد الاجتماعي الجديد الذي يهم كل فئات الشعب وانتماءاتهم السياسية والايديولوجية والدينية والعرقية، وخصوصا إذا لم تكن هذه الأقلية شريكا في الحكم.
وتعتبر طريقة التغلب الديمقراطي في كتابة الدستور من الطرق المعتمدة في عدة دول، لكنها لا تنجح غالبا إلا في الدول المستقرة ديمقراطيا والتي سبق وحققت توافقا نسبيا بين مختلف الفواعل داخل الدولة أو في حالة إجراء تعديلات دستورية جزئية.
وهذه التشكيلة المختلفة من الفواعل بصرف النظر عن حجمها وامتدادها شعبيا، تبين الحاجة أكثر إلى التوافق بدل الاحتكام إلى الأغلبية وخصوصا في مثل هذه المراحل المفصلية التأسيسية لعقد اجتماعي جديد في جل الدول العربية الاسلامية، وفي ظل مجتمع يتنفس الحرية لأول مرة مما يجعل الانقسام هو الأكثر بروزا.
وفي حالة اعتماد طريقة التغلب الديمقراطي وخصوصا في ظل الانقسام السياسي الحاد، فإن فرص موافقة نسبة كبيرة من الشعب عليه تقل. وهو ما يجعل الدستور بالضرورة غير ممثل في حده الادنى لكل الفواعل مما يجعل فرص نجاح الانتقال الديمقراطي ضئيلة جدا.
ـ طريقة الإكراه السياسي
ترتبط هذه الطريقة بهيمنة الدولة على القرار الشعبي وذلك بتعيينها لجانا غير منتخبة تتولى كتابة الدستور. وغالبا ما تسود هذه الطريقة في الدول التي يكون فيها النظام السياسي شموليا يهيمن على مفاصل الدولة ولا يترك للمجتمع الخيار.
وعند عرض الدستور على التصويت فإنه غالبا ما يكون الإقبال عليه ضعيفا وتكون مشروعيته في أدنى مستوياتها وغالبا ما يكرس هيمنة الدولة باعتبارها هي من مارس السيادة في وضع الدستور وليس الشعب.
وتلك النسبة الضئيلة التي تصوت على الدستور تؤكد تهميش التعددية السياسية ورديفتها التعددية الاجتماعية، وهو ما يفسر ضعف أو انعدام الرغبة و الحافزية الداخلية في الامتثال لبنود ذلك الدستور، ومهما كان إيجابيا فإن زاوية النظر إليه باعتباره دستور النظام الحاكم تؤدي إلى ضعف فرص الدولة في الانتقال الديمقراطي.
مقارنة وترجيح
لقد تبين من خلال ما سبق الاختلافات الجوهرية بين الطرق الثلاثة. وتعتبر طريقة التوافق السياسي بين ممثلي الشعب المنتخبين حول كتابة الدستور الطريقة الأكثر نجاعة في التقليص من الانقسام السياسي والاجتماعي الذي يهدد الدولة بالانهيار الشامل وهي الطريقة التي تعكس التنوع وتؤسس للتعايش والتوافق المجتمعيين، هذان الأخيران اللذان يجب أن يأخذا موقع الصدارة والأولية على الانتخابات نفسها والحكم أثناء التحولات المفصلية من أجل تجديد العقد الاجتماعي بما يضمن السيادة الشعبية.
أما طريقة التغلب الديمقراطي فتختلف عن الأولى من حيث كونها تجعل الأغلبية المنتخبة تهيمن على صياغة الدستور باعتباره أسمى قانون يفترض أن يشارك فيه الجميع، وهذا ما يؤدي إلى نوع من الاستقطاب السياسي والأيديولوجي ويتطور إلى انقسام اجتماعي يهدد نسيج المجتمع والدولة.
والتغلب الديمقراطي في صياغة الدستور، وإن كانت طريقة ديمقراطية، فإنها طريقة تشعر المعارضة بأن الأغلبية انفردت بالأمر، مما يزيد من الهوة بين مختلف الفواعل في داخل الأمة ويقلص من فرص التواصل بينها، وهو ما يضع أستارا صفيقة على أي فكرة مهما كانت مبدعة وإيجابية فقط لأنها جاءت من عند حزب معين أو جماعة نظرا للاستقطاب الأيديولوجي الحاد. وهذا ما يقلص فرص نجاح الانتقال إلى نظام حكم جديد يستجيب لتطلعات جل أفراد المجتمع.
أما طريقة الإكراه السياسي في كتابة الدستور فهي مناقضة للديمقراطية وحقوق الشعب في المشاركة ببناء العقد الاجتماعي الجديد، وهذا جوهر اختلافها عن الطريقتين الأولى والثانية. وتزادا سوءا عندما تكون اللجنة المعينة مختارة من قبل نظام سياسي غير ديمقراطي لم ينتخبه الشعب.
وهذه الطريقة هي ما ينتج الدساتير الممنوحة التي لا دور للشعب فيها، وتتناقض ضمنيا مع أهداف الشعب من تغيير نظام الحكم، وبالتحديد إلغاء سيادته وإحلال سيادة الدولة محلها وهو ما يقضي على التعددية السياسية والاجتماعية. وفي حالة الانقسام المجتمعي الحاد وانحياز أحد التيارات إلى جانب الدولة، تتحول الفواعل الشعبية إلى أطراف متصارعة كل طرف يريد القضاء على الطرف الآخر.
خلاصة
يبقى إذن أن الأهم في صياغة الدساتير، لحظة التحولات المفصلية في المجتمعات، هو كتابة الدستور بطريقة التوافق السياسي بين ممثلي الشعب المنتخبين، وهي الطريقة التي تقلل من مخاطر التدخلات الأجنبية، وتجنب المجتمع خطر الانقسام أو تعميقه إلى درجة الصراع الدموي كما تبقى تلك الطريقة هي أحسن الطرق في صياغة العقد الاجتماعي الجديد وإرساء نظام سياسي قوي مبني على التوافق الوطني يتيح فرص التنافس السياسي الحزبي من أجل الحكم الرشيد.
-كاتب في قضايا الفكر واللغة
Laisser un commentaire