“السخريالية” SUJREALISME بقلم.. د. محمد نوري

Écrit par

dans

 الأحداث د. محمد نوري

Entre la rosa y el clavel su majestad escoja
بين الوردة والقرنفلة اختاري يا صاحبة الجلالة.

قد تبدو الجملة بهيجة رائقة، مستوية المبنى واضحة المعنى، لكنه ثمة في “الميطالانكاج” أو تداولية الخطاب معنى مستتِر يُراد به تواصل من نوع آخر سنتعرف على طبيعته لما نكتشف أسباب النزول مادامت اللغة مصائدا ومكائِدا، ومادام الهومو سابيانس سابيانس Homo sapiens sapiens ، و هو الاسم العلمي لفصيلتنا، خطير بلسان يُطوره و يُطوعه باستمرار…
بل ربما اللغة، مثلما يقول المثل الصيني، تضرب دائما السِّنَّ الذي يؤلم….
المعنية بالكلام هي دونيا إيزابيل ضي بوربون، الزوجة الأولى للملك الإسباني فيليبي الرابع والتي أثنى المؤرخون على نُبلها، كياستها وعشقها للأدب وأهله. أما صاحب الكلام فهو الشاعر فرانسيسكو ضي كيفيضو Francisco de Quevedo الذي يعتبر من الشعراء المُفوَّهين خلال ما يطلق عليه “القرن الذهبي” بالنسبة للأدب في إسبانيا والذي يمتد من القرن 16 أو ما يسمى بقرن النهضة إلى القرن 17 المعروف أيضا بالباروكوBarroco ، مرحلة كان لها تأثير كبير على التطور الهائل الذي عرفته اللغة الإسبانية وعلى قوة تعبيرها.
من ضمن أبرز أدباء هذا العصر، بالإضافة لكيفيضو، نذكر سيرفانطيث، لوبي ضي فيغا، كالضيرون ضي لا باركا ولويس ضي غونغورا الذي جمعته مع صديقنا حكايات غريبة وأبيات عجيبة تُذكرنا بنقائض الفرزدق وجرير.
وقد كان كيفيضو قذِعا في حصافته، لادِغا لاذِعا في فصاحته، وله أيضا مأثورة تُذكرني ببعض ما قاله المتنبي في حق كافور الإخشيدي حين ضاق ذرعا ببخله ومنعه الماعون عنه: “لا أحدَ يعِد أكثرَ مِمَن يعرف أنه لن يفي بعهده”.
وعودة إلى موضوعنا، وإلى السياق الذي قيلت فيه الجملة تحديدا، نذكر أن صاحبنا كيفيضو كانت له حظوة كبيرة عند الملكة، فكان أن تَراهن مع بعض أصدقائه خلال جلسة سمر على أنه قادر على تعييرها والتنمُّر بعَرَجِها في حضرتها، نعم في حضرتها!
بعد أن دارت الكؤوس وفارت الرؤوس، توجه كيفيضو وأصدقاؤه نحو القصر يقصدون الملكة، وعندما دلفوا باب القصر، توقف صاحبنا في الحديقة لقطف باقتين من الزهور، باقة من الورد الأحمر وأخرى من القرنفل الأبيض، وهناك رأوها تتمشى رفقة وصيفاتها فهرعوا للسلام عليها وقال كيفيضو جملته القاتلة المحفوفة بجميع أنواع المخاطر مادامت الكلمة كما قال ابن المقفع “إذا نطقتنها ملكَتني وإذا لم أنطقها ملكتُها”.
لمن لا يعرف الإسبانية، Escoja، كما تُنطق، تحتمل معنيين:
1-اختر أو اختاري، Escoja، وهو المعنى الظاهر من كلام كيفيضو.
2-أنت عرجاء، Es coja ، باستعمال أسلوب التوقير المتعارف في الإسبانية، وهو المعنى المجازي الذي قصده صاحبنا ليربح بذلك رهانه.

السخرية كالقهوة كما يقال، أجودها السوداء المُرة، والفكاهة هي ما يقوي غريزة البقاء عند الإنسان ويحفظ صحته النفسية.
أوَ ليس في السم التٍّرياقُ؟
وداوٍني بالتي كنت هي الداء..

هيئة التحرير1 يونيو، 2023

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *