يعود جزء كبير من شهرة تطوان كمدينة ثقافية إلى الفترة التي كانت فيها عاصمة للحماية الإسبانية بالمغرب، ففي هذه الفترة عرفت الأنشطة الثقافية الإسبانية ازدهارا كبيرا كما عرفته تلك المغربية كرد فعل وطني. ومع ذلك فإن المدينة العتيقة حافظت على إرثها الثقافي العميق المنعكس في هندستها، في جواهرها، في موسيقاها، في زواياها الدينية وفي صناعتهـا الـتـقـلـيـديـة الـتـي ازدهرت خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر مميزة الحياة الاجتماعية الـتـطـوانـيـة. الـثـقـافـة الـتـطـوانية هي ذات طابع مدني تلعب فيها الذاكرة الجماعية دورا أساسيا. ومع ذلك ففي بعض الأحـيـان هـنـاك نزاع بين هذه الذاكرة المثالية، والواقع الشاق والقاسي. والمدينة العتيقة تعكس هذا الانفصام فرغم كونها استطاعت الحفاظ على الجزء الأكبر من معالمها التاريخية والمعمارية فهي ضحية كذلك للتطور العشوائي الذي تعرفه تطوان حاليا. فبعض منازل القرنين التاسع عشر والثامن عشر بل حتى تلك من القرن السابع عشر كدار أفيلال، الصفار، بنونة والموذن فتوجد في حال جيدة لمحافظة أصحابها عليها بينما دور أخرى كدار الحاج أو غارسية فهي في حالة يرثى لها. هناك منازل أخرى، كدار الرزيني وبنعبود، تم إغلاقها رغم كونها مصانة بشكل جيد. المساجد التاريخية بالمدينة، كالجامع الكبير بمناراتها الرائعة، مسجد الباشا أو جامع سيدي علي بن مسعود كلها في حالة جيدة رغم التغييرات التي طرأت عليها. بينما هناك معالم تاريخية كمدرسة لوقاش أو مقابر مؤسسي المدينة فهي مهجورة وفي وضع رديء. وبالرغم من الحالة الجيدة التي توجد عليها الأزقة البيضاء الرائعة في الأحياء التقليدية بالمدينة العتيقة فإن الهجرة الكبيرة تنعكس في ظواهر جديدة كتحول بعض الأحياء السكنية إلى أسواق شعبية.
فعظمة المدينة العتيقة بتطوان يمكن تقييمها بشكل أفضل في صغر حجمها. فهي ليست كبيرة ويمكن تجوالها كاملة في نصف يوم. وإذا نحن تركنا بعض الاستثناءات، فإن المنازل كذلك ليست كبيرة جدا والحوانيت هي صغيرة. الأزقة الضيقة هي جزء من هويتها. ومع ذلك فإن عناصرها المختلفة ذات طابع خاص وهو ما تجلى في إعجاب الرحالين العرب والأوروبيين في القرون السالفة وكذا السائح الحالي ساعة اكتشافه لسرها المكنون في أسوارها الضخمة. المدينة العتيقة تعكس عقلية التطواني الذي يقنع بالقليل ويقتصد في عيشه وكذا ميله إلى تقييم الإرث الثقافي الذي تمثله. ورغم التهديدات المتصاعدة لمحو طابعها التاريخي فإن التطواني يتأملها بنوع من الهدوء لدرايته بتجاوزها كما فعل في حالات أخرى مشابهة عبر القرون. ومع ذلك فإن المشكل عويص وخطير فالأمر يتعلق بالمحافظة على المدينة العتيقة بالاستناد على حوافز جديدة. يتميز المجتمع التطواني بأصالته وانفتاحه فـنـحـن أمـام مـجتـمـع واضح المعالم متميز بذاكرة جماعية ذات جذور منغرسة في خمسة قرون من التاريخ وفي قدرتها الكبيرة كذلك على التطور والتغير تبعا لمتطلبات الزمن فقد كانت دائما محافظة ومتدينة كما ازدهرت الزوايا داخلها عـقـلـيـة التطواني هي ذات خطوط واضـحـة تـعكس ما أنت بـه مختلف الثقافات، مختلف الشعوب والحقب هو مثل الغرناطي، كتوم ومحارب بعدم التفهم المحيط به يعيش ماضيا أنتجه، محافظ يرنو لرموز ماضيه لنقلها لمستقبله. إنها الشحنة التاريخية لشخصيته التي ساعدته على تجاوز حواجز عملاقة بنجاح. مرونته وتأقلمه مع الظروف الجديدة قد تكون مفتاحا لفهم استمرارية عقليته التقليدية، فهذا راجع لاستيعابه لعناصر جديدة نتيجة الهجرة المستمرة نحو هذه المدينة.
هذه العناصر التي تجر معها دينامية جديدة تعطي شحنة تضمن الاستمرارية التقليدية للتطواني. ورغم محافظته
على طابعه التقليدي فهو موضوع عملية تحول مستمرة لكون محيطه الجغرافي والاستراتيجي وإطاره السياسي والاجتماعي يفرض عليه ذلك، هذا البعد ينعكس في المدينة العتيقة بتطوان التي استطاعت استيعاب التأثيرات الثقافية على اختلافها دون أن تفقد بسبب ذلك وحدتها وشخصيتها الفريدة. فبالإضافة إلى تأثير الثقافات الإسلامية فإن المدينة العتيقة تحافظ كذلك على ملامح ديانات أخرى خاصة اليهودية. فقد هجر اليهود الملاح البالي في القرن الثامن عشر بأمر من السلطان مولاي سليمان بسبب بنائه الجامع الكبير. وقد تمت المحافظة في الملاح الجديد على التقاليد السفردية للقدس الصغيرة واحدة من أغنى التقاليد بمنطقة المغرب العربي. المدينة العتيقة هي شديدة التواضع، عظيمة الكبرياء، جد أصيلة مرتبطة بماضيها ويحاضرها مثلها مثل الإنسان التطواني مشاكلها التي يبدو تجاوزها مستحيلاً ستجد لها حلا لأن من يعرفها ويزورها يصبح مدافعاً جديداً عنها. روح المدينة العتيقة بتطوان هو نتاج خمسة قرون من التاريخ. من يـرى تـنـاقـضـاتـهـا من الخارج تـبـدولـه صـعـبـة الحل، جمـال منـازلـهـا
التقليدية تتباين مع غموض سجونها المطمورة وصلابة أسوارها. مع ذلك فإن هناك علاقة تكامل بين عناصرها المختلفة، بين الأنشطة الروحانية للزوايا والمساجد ودينامية الحياة الاقتصادية التي تشع من أسواقها. تحدي الـزمـن سيتم التغلب عليه لأن المدينة العتيقة استطاعت دائما نقل سحرها لساكنيها ولزائريها حتى يتسنى لها الاستمرار في البقاء.
الكتاب: المدينة العتيقة في تطوان “دليل معماري”
(بريس تطوان)
يتبع..
Laisser un commentaire