تشير الساعة إلى الثانية عشرة والنصف ظهرا، تدخل دومينيك ومعها ابنتاها وهما ترتديان اللباس الوردي المعتمد في مؤسسات التعليم الابتدائي العمومي، فيما شعرهما الأسود الفاحم مرتب بضفائر إفريقية تزينها أشرطة ملونة. تتلقى دومينيك دعما ماليا شهريا من مؤسسة “شرق غرب” غير الحكومية عن كل طفلة، في إطار برنامج شراكة مع “المفوضية السامية لشؤون اللاجئين”.
“رغم أن المبلغ ليس كبيراً، لكنه يكفيني على الأقل لدفع آجار المنزل وفواتير الماء والكهرباء”، تحكي دومينيك التي طلبت من طفلتيها البقاء بقربها في البداية، لكنها سرعان ما غيرت رأيها وطالبتهما بالابتعاد، عندما سألناها عن الرحلة الطويلة التي قطعتها من بلدها ساحل العاج نحو المغرب.
تعود المرأة الثلاثينية بذاكرتها إلى ربيع العام 2011، لتروي تفاصيل رحلة شاقة خاضتها لدى اعتقال الرئيس العاجي “لوران غباغبو”، وما تلا ذلك من أعمال نزاع تفجرت بين مناصريه والمناهضين له.
كانت دومينيك عندئذ تتابع دراستها في تخصص الحقوق، وكانت بين المستهدفين/ات بشكل خاص من طرف التيار المعارض، ما اضطرها إلى مغادرة البلد على وجه السرعة نحو بوركينافاسو، ثم إلى الطوغو، ولاحقا إلى مالي، ومن ثم إلى موريتانيا، قبل الوصول إلى المغرب عام 2014.
عنف هنا وهناك
فور وصولها إلى المغرب اكتشفت دومينيك أنها حامل بطفلتها الأولى. تغالبها الدموع، وتتابع “كنت أوافق على منح مهربي البشر جسدي، لأنني لم أملك المال، وليس لدي من خيار. عندما كنت أنظر إلى الخلف، أقول لنفسي: إن عدت لبلدي قد أفقد حياتي نهائيا، لكن ما دمت حية يظل هناك أمل في غد أفضل”. لقد خضعت دومينيك في هذه الرحلة، للابتزاز الجنسي عدة مرات من أجل اجتياز الصحراء، وأيضا من أجل الحصول على الماء والغذاء، لتجد نفسها بعد نهاية الرحلة حاملا من مجهول.
ولم تنته معاناة دومينيك مع العنف الجنسي بانتهاء رحلة لجوئها للمغرب، فبعد وصولها وجدت دومينيك نفسها من جديد ضحية لرجل قوي آخر، كان هذه المرة ابن مالكة البيت الذي استأجرته في الرباط.
عن هذا تروي “كان يتواصل معي للحصول على الآجار الشهري لأن والدته لا تتحدث الفرنسية، وعندما أخبره أني لم أتلق بعد المساعدة الاجتماعية المخصصة للاجئين، يدخل إلى البيت ويرغمني على ممارسة الجنس معه. تجاوز الأمر هذا الحد، فأصبح كلما اشتدت به الرغبة يأتي ويطلب مني إخراج طفلتي إلى الشارع لأنه يريدني. ماذا عساي أفعل؟”. من تجربتها الخاصة تخلص دومينيك إلى أن العنف الجنسي والعنف الاقتصادي مترابطان ومحاربة الأول يجب أن تترافق مع الثاني بالضرورة.
يهدف برنامج مؤسسة “شرق غرب” الذي يساعد دومينيك وغيرها إلى حماية النساء من مصير مماثل، كما يسعى بحسب المديرة العامة للمؤسسة نادية طاري لـ”تخفيف العوز الذي قد يضطر اللاجئات إلى حرمان أطفالهن من الذهاب إلى المدرسة، وربما الدفع بهم نحو التسول أو العمل في سن مبكرة”.
ويندرج البرنامج ضمن هدف أشمل يتمثل في التمكين الاقتصادي للمرأة، الذي يعد بحسب الأمم المتحدة حقا إنسانيا أساسيا من شأنه زيادة الأمن لجميع النساء وحمايتهن من العنف.
ويُعرّف القانون المغربي رقم 103.13، المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء وساري النفاذ منذ شتنبر 2018، العنف الاقتصادي بأنه “كل فعل أو امتناع عن فعل ذي طبيعة اقتصادية أو مالية يضر أو من شأنه أن يضر بالحقوق الاجتماعية أو الاقتصادية للمرأة”، كما يرد في مذكرة حول العنف ضد النساء والفتيات، أصدرتها “المندوبية السامية للتخطيط” عام 2019، أن العنف الاقتصادي يقصد به “عندما يحرم شخص ما شريكه من الولوج إلى الموارد المالية، عادة لاستغلاله أو التحكم فيه، أو لعزله أو فرض عواقب سلبية أخرى على رفاهيته”.
تقول بهذا الخصوص ليلى أميلي، رئيسة جمعية “أيادي حرة” ومنسقة شبكة “ثائرة” للنساء العربيات من أجل التناصف والتضامن، أن “محاربة العنف الاقتصادي تستلزم أولا محاربة الهدر المدرسي والقطع مع تزويج القاصرات. هذا من شأنه لاحقا تحقيق الاستقلال المادي للمرأة وجعلها واعية بحقوقها وواجباتها، علاوة على كونه يحفظ كرامتها”.
وتشير المتحدثة إلى أن العنف الاقتصادي الذي تتعرض له المرأة في المغرب، سواء أكانت مواطنة أو لاجئة أو مهاجرة، هو عنف مركب لأن تداعياته تمتد لتلامس مختلف أشكال العنف الأخرى القائمة على النوع.
الجسد مقابل مصاريف الدراسة
تختلف قصص عبور النساء القادمات من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، لكنهن يجمعن في شهاداتهن على أن الدراسة تعد اللبنة الأولى من أجل محاربة العنف الاقتصادي ضد المرأة. لبنة ليس من اليسير وضعها عندما تكون الأسرة فقيرة، كما هو الحال بالنسبة للأسرة التي تنحدر منها إيما.
اضطرت هذه الفتاة يتيمة الأب، إلى التوقف عن الدراسة بقرار من والدتها بسبب ما واجهته من صعوبات مالية بعد وفاة زوجها، مُخلفاً وراءه مسؤولية أطفالهما الخمسة، وبينهم إيما التي تتذكر أنها تلقت حينئذ عرضا لتمويل دراستها، لكن لا شيء من دون مقابل.
تروي إيما القادمة بدورها من ساحل العاج: “قال لي الأستاذ: أنا أريدك، إن وافقت سأقوم بتمويل دراستك”، وتلفت إلى أن الكثير من زميلاتها في الفصل تلقين عروضا مماثلة. وتضيف: “في غياب المنحة، يكون أمامك خياران في حال أردت إتمام مسارك الدراسي: إما أن تمنحي جسدك للأستاذ أو أن تمارسي الدعارة، والاثنان هما وجهان لعملة واحدة، العنف”.
رفضت إيما عرض الأستاذ، وغادرت الصف الدراسي لتمتهن الخياطة، ثم التجارة، لكن الاقتتال العرقي دفع بها عام 2018 إلى مغادرة الوطن نحو موريتانيا أولا، ومن ثم إلى الجزائر لتنتهي رحلة لجوئها في المغرب.
تحكي إيما أنها ظلت وفية للتجارة حتى بعد حلولها بالمغرب، حيث إنها تبيع أثواب “الواكس” الإفريقي هنا في فضاء حولته “مؤسسة شرق غرب” إلى سوق يعرض فيه المهاجرون/ات واللاجئون/ات منتوجات إفريقية مختلفة، كما أنها تتابع بالموازاة مع ذلك تكوينا في صياغة الحلي تنظمه ذات المؤسسة، إضافة إلى دروس في اللغة الإنجليزية.
تقول إيما إنها اعتادت الاستقلال المادي، لافتة إلى أنها تنوي، مستقبلا، عندما تتوفر لها الإمكانياتُ المادية، اقتناء ماكينة خياطة من أجل زيادة مواردها، لأنها كانت في الأصل خياطة.
الزواج أولا.. الدراسة ثانيا
نقطة الانطلاقة في رحلة العبور إلى المغرب كانت مغايرة بالنسبة لكومبا، المنحدرة من جمهورية إفريقيا الوسطى والأم لطفلين، أحدهما تركته رفقة والدتها في العاصمة بانغي، وعمره لم يكن يتجاوز حينها سنة واحدة، فيما الآخر وُلد في المغرب.
اضطرت الحرب الأهلية في 2012 كومبا، 31 سنة، إلى مغادرة بلدها، على متن طائرة وجهتها الكونغو–برازافيل، قبل أن تنتقل من هناك إلى المغرب في رحلة استغرقت سنتين.
لا تتذكر كومبا سبب انقطاعها عن الدراسة وتقول “ما زلت غير قادرة على استيعاب ذلك، أظن أنه بسبب المال”. نسأل عن زواجها، فتقول إنها كانت تبلغ من العمر أربع عشرة سنة، عندما أرغمها الأهل على الزواج من رجل يتجاوز عمره الخمسين.
تطوي كومبا صفحة الزيجة بسرعة، وتمضي لتحكي عن فصل آخر من حياتها تراه مشرقا كما لون فستانها الأصفر. تقول كومبا إنها تتابع دروسا في اللغة الفرنسية وتكوينا في صياغة الحلي، بعدما سبق أن استفادت من تكوين في صنع الحلويات وآخر في تربية الدواجن. تردف قائلة إنها وضعت مخططا على المدى المتوسط من أجل الرفع من مدخولها الذي يقتصر راهنا على المساعدة الاجتماعية وما تتلقاه إزاء مشاركتها في تكوينات مؤدى عنها تنظمها مؤسسة “شرق غرب”.
بشأن ما تنوي القيام به، توضح “كومبا”: “لم أتمكن بعد من الحصول على بطاقة الإقامة التي تعد شرطا أساسيا لولوج سوق العمل هنا بالمغرب. مالكة الشقة التي أستأجرها ترفض إعطائي عقد الآجار، والذي يعد من بين الوثائق الضرورية للحصول على البطاقة. بمجرد أن أحصل عليها، سأحاول العثور على فرصة عمل بأحد مراكز النداء. يهمني جدا أن أكون مستقلة ماديا، لاسيما وأن لدي طفل هنا بالمغرب عمره سنة ونصف وليس لي معيل”، تختم كومبا قصتها بابتسامة هادئة.
وعن العراقيل التي تواجهها كومبا ومثلها الكثيرات في مسار الحصول على بطاقة الإقامة بالمغرب، يقول عبد الفتاح الزين، منسق “الشبكة الإفريقية للهجرة والتنمية”، إن هذه المشكلة تُعزى إلى تهرب مالكي الشقق من أداء الضريبة على الإيجار. ويؤكد الخبير في شؤون الهجرة وأستاذ علم الاجتماع أن وضعية النساء اللاجئات بالمغرب مرتبطة بقضية المرأة في شموليتها، موضحاً: “المرأة في المغرب تعاني من هشاشة اجتماعية اقتصادية وقانونية، فما بالك بمهاجرات في نزاع مع القانون ببلد الاستقبال؟ إن ما تعانيه المرأة المغربية ينعكس عليهن مضاعفا”، لافتا إلى أنه من الضروري تمكين المرأة من أن تعيل نفسها بنفسها، لكنه يحذر في الآن ذاته من أن “الأمر قد ينطوي على مزيد من استعبادها، وأقصد بهذا أن انخراطها في النشاط الاقتصادي قد ينحرف عن هدفه الأساس، حيث إنه قد يحسن وضعية الأسرة دون أن يحسن وضعية المرأة”.
في سياق متصل بهذا الطرح، تظهر نتائج البحث الوطني الذي قامت به “المندوبية السامية للتخطيط” عام 2019، أن عدم الاستقلال الاقتصادي للمرأة يعد “أحد أبرز العوامل المساهمة في تعرضها للعنف، لاسيما داخل الفضاءين الزوجي والعائلي، فكلما زاد دخل النساء وتمكنن من إدارة ممتلكاتهن بحرية، كلما قل تعرضهن للعنف”، لكنها وقفت في المقابل على أن العنف ضد النساء يزيد منسوبه في حال تقاسمن ممتلكاتهن مع الزوج أو أحد أفراد الأسرة.
التمكين الاقتصادي مدخل أساسي للمساواة
كومبا وإيما ودومينيك، والكثير من النساء بينهن مغربيات أيضا يستفدن من تكوينات تنظمها لفائدتهن “مؤسسة شرق غرب”، بهدف تحقيق التمكين الاقتصادي للمرأة ووضع حد لعلاقة التبعية، التي تفضي إلى تعاظم مختلف أنواع العنف القائمة على النوع الاجتماعي.
توضح نادية طاري أن المؤسسة تهدف من خلال هذه التكوينات المختلفة تحقيق الاستقلال المادي للنساء وتفادي استغلالهن، لاسيما وأن غالبية المستفيدات هن أمهات لا معيل لهن، كما أن المؤسسة تتوفر على برنامج لمساعدتهن على اقتناء سلع من أجل إعادة بيعها في السوق المخصصة للمنتوجات الإفريقية بما يتيح لهن الاستفادة من هامش الربح، أو اقتناء آلات تمكنهن من بدء نشاط مهني ما.
ومن جانبه يقول عبد الفتاح الزين إن هناك برامج مختلفة لدعم المهاجرات واللاجئات بالمغرب، بينها برامج شبيهة بما يقدم للنساء المغربيات في وضعية هشاشة، لكن الأمر بحسبه “لا يكرس للمساواة بين الجنسين على المدى البعيد”، مردفا: “صحيح أن هذا يساعدهن على تأمين حياة كريمة، لكن في إطار التصور العام التقليدي للمرأة”.
وإن اختلفت تفاصيل رحلات العبور نحو المغرب، إلا أن قصص الناجيات تنطوي جميعها على عنف اقتصادي تتعرض له المرأة، من خلال الحرمان والمنع والإكراه.
كومبا وإيما ودومينيك، هي أسماء مستعارة لنساء خبرن أوجها مختلفة من العنف، وهن يحاولن اليوم ضبط ميزان المساواة المختل بكل ما أوتين من جهد في بلد الاستقبال، المغرب.
من الرباط، في إطار زمالة تنظمها “شبكات من أجل التغيير”.
Laisser un commentaire