محمد كريم بوخصاص
امرأة لا تعرف المستحيل، تؤمن بأن النجاح ممكن ما دمت تسعى بجد لتحقيقه. هي عميد شرطة ممتاز حاصلة على الدكتوراه، وضمن خبراء دوليين في تحليل الحمض النووي بالشرطة الدولية الإنتربول في الآن ذاته. بالإضافة إلى مسيرتها الأكاديمية والمهنية المتميزة، فإنها في نفس الوقت أم لأربعة أبناء. الحديث هنا عن حكيمة يحيى مغربية في بداية عقدها الخامس (من مواليد 1972) تقود منذ خمس سنوات أهم مختبر علمي للأمن الوطني في إفريقيا، تعادل خبراته تلك الموجودة في مختبرات الولايات المتحدة.
التحقت حكيمة بسلك الأمن سنة 2007، بعد ثلاث سنوات من نيلها شهادة الدكتوراه في علم الجينات من كلية الطب بالدار البيضاء، بإشراف مشترك مع جامعة كمبريدج في بريطانيا. وبعد اشتغالها أستاذة “زائرة” بكلية السملالية وكلية العلوم والتقنيات بمراكش، وعملها كباحثة رئيسية لمدة سنة بكلية الطب التي نالت منها دبلوم الدكتوراه الوطنية، لكن اجتهادها سمح لها تسلق المراتب، حيث اشتغلت لمدة سبع سنوات بشعبة البيولوجيا الشرعية بالمختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية، وتحديدا في الشعبة المختصة في إنجاز البصمة الوراثية، ثم تم تعيينها رئيسة الشعبة سنة 2014.
وجدت حكيمة نفسها على رأس 18 عنصرا، تخوض غمار تطوير مهاراتها القيادية، فانخرطت في برنامج للتكوين المستمر انتهى بنيلها في السنة الموالية (2015) دبلوم “إم بي أي” في استراتيجية التدبير، وكانت هذه التجربة بالنسبة إليها لا تقدر بثمن خاصة أنها خالطت الفصل الدراسي مع عمال وتقنيين غير حاصلين على شواهد عليا، فلم يزدها ذلك إلا إصرارا على تحدي ضغط العمل، وكثيرا ما ذهبت إلى المختبر يومي السبت والأحد في الخامسة صباحا لتنجز الخبرات المطلوبة قبل الالتحاق بالفصل الدراسي ثم العودة إذا دعت الضرورة للتجاوب مع أي ظرفية طارئة، وظلت في هذا النهج حتى بعد أن أسندت إليها المسؤولية الجسيمة المتمثلة في إدارة المختبر في أبريل 2017، لتنال ماستر في “علم القياسات” (المترولوجيا).
وإذا كان لكل إنسان أصل، فإن لحكيمة أصول وليس أصلا واحدا، فهويتها تفرقت بين مدن مختلفة، حيث رأت النور في عاصمة النخيل مراكش، بينما ينحدر والدها من تنغير وأمها من الدار البيضاء، وأجدادها من مدن أخرى، فجدها من جهة أمها ذو أصول تعود للجديدة، وجدها من جهة أبيها من وجدة أما أم أبيها فمن الراشيدية، لذلك لا يختصر الحديث عن حكيمة إلا أنها مغربية حتى النخاع، بخليط غني ومتكامل من ثقافات المغرب وتنوعه الجميل، يزيدها في ذلك أنها عاشت الجزء الأكبر من حياتها في الدار البيضاء التي تحتضن كل أنواع الاختلاف، فاكتسبت بذلك النسيج شخصية المرأة التي لا تعرف اليأس ولا الاستسلام، والعازمة على أن تسجل اسمها بين الكبار.
هي حاليا أم لأربعة أبناء بعد أن تزوجت سنة 1999، دون أن يمنعها زواجها المبكر من المضي قُدُمًا نحو حلمها بأن تكون ذات شأن عظيم، فأعدت أطروحة الدكتوراه وهي زوجة، وناقشت أطروحتها سنة 2004 وهي حامل بابنها الثاني.
ورغم أنها تشتغل بدون وقت محدد للبدء أو الانتهاء، وتبدو من الحديث معها راضية بما تُقَدمه، فهي تؤمن أنها تحمل على عاتقها مهمة تحقيق العدالة، لأن الخبرات التي تخرج من المختبر الذي تشرف عليه قد تدين شخصا وقد تبرئ آخر، لذلك لا مجال لديها للخطأ.
وعند سؤالها عن كيفية توفيقها بين تربية ورعاية أربعة أبناء وعملها المضني، قالت بابتسامة ترافق كل حديث لها عن أسرتها: “سأرد عليك بطريقة مختلفة، إني أسترشد دائما بما قالته لي سيدة بصمت حياتي، وهي التي أشرفت على أطروحتي للدكتوراه، إنها السيدة نزهة كسوس التي كانت من المساهمين في مدونة الأحوال الشخصية ورئيسة مصلحة في كلية الطب، فعندما نجحت في امتحان الأمن الوطني اتصلت بها، وبعدما عرفت وِجهتي، عبرت لي عن فرحها، وخاطبتني قائلة: إيّاك أن تقولي يوما إنك غائبة، فالأبناء يحتاجون أيضا إلى الأم النموذج، وكذلك ستكونين”. وفعلاً هي كذلك اليوم.
لعل أول سؤال يتبادر إلى ذهن المتجول في هذه البناية الضخمة والعصرية، هو كيف يشتغل المختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية؟ وما هي وظائفه؟
المختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية التابع للمديرية العامة للأمن الوطني مختص في إنجاز كافة أنواع الخبرات والأبحاث التقنية ضمن الإطار القانوني، ويتعامل مباشرة مع ضباط الشرطة القضائية والمحاكم، باعتباره دعامة أساسية للأبحاث الجنائية وأحد المرتكزات لتحقيق العدالة، ويتوفر على مجموعة من المصالح المختصة في العلوم الجنائية التي تضطلع بتقديم الخبرات على الأدلة والعينات المرفوعة من مسرح الجريمة من طرف تقنيي «مسرح الجريمة» المنتشرين عبر التراب الوطني، إضافة إلى مصالح تشكل دعامة لعمله، في مقدمتها مراقبة الجودة وتدبير الموارد وأمن نظم المعلومات.
وفي ظل ما يوفره من إمكانيات علمية دقيقة وذات مصداقية في معالجة الدليل المادي الموجه إلى العدالة، والذي يجعله عاملا حاسما في البراءة أو الإدانة، يمارس المختبر مهامه من خلال خمس مصالح معنية بتقديم الخبرات:
أولها مصلحة «الكيمياء والأدلة الشرعية» التي تتكلف بإنجاز التحاليل الكيميائية أو الفيزيوكيميائية التي تُجِيبُ عن الأسئلة التي يطرحها ضباط الشرطة القضائية أو قضاة التحقيق أو الوكلاء أو القضاة، والتي تضطلع بدور رئيسي في القضايا المتعلقة بالحرائق، من خلال تحليل عينات من «بقايا الحريق» التي يجمعها تقنيو مسرح الجريمة من مكان الحريق، لتحديد أنواع مُسَرِّعاته والبحث في ما إن كان بِفِعلِ عَملٍ أم نتيجة عمل غير إجرامي، وأيضا المرتبطة بحوادث السير عبر إجراء مقارنات لبقايا الزجاج وصباغة السيارات، إضافة إلى القضايا المتعلقة باستعمال الأسلحة النارية في الجرائم، بما في ذلك حالات الانتحار، وقضايا الإرهاب التي يتولاها المكتب المركزي للأبحاث القضائية (البسيج) من خلال تحديد نوعية المتفجرات المستعملة أو المحجوزة وخطورتها، كما حدث في العمليتين الإرهابيتين الأليمتين سنتي 2003 بالدار البيضاء و2007 بمقهى أركانة بمراكش، عندما أنجزت المصلحة الخبرات والتحاليل الكيمائية على العينات المأخوذة من مسرحي الجريمة.
ثانيها مصلحة «البيولوجيا الشرعية» التي تتولى حوالي 80 في المائة من مجموع القضايا المحالة على المختبر، والتي تهتم بإجراء التحاليل على العينات المرفوعة من مسرح الجريمة، بغرض البحث الجيني ADN لمشتبه فيه في جرائم الاغتصاب والقتل والسرقة وغيرها، كما تتولى إجراء الخبرة لإثبات النسب طبقا لأحكام مدونة الأسرة، وفي حالات تحديد الهوية كما يحصل في حوادث الوفيات خارج البلاد، والتي تتم إحالتها على المختبر عن طريق القنوات الدبلوماسية (وزارة الخارجية) أو الأنتربول (منظمة الشرطة الجنائية الدولية)، وكل ذلك يتم في احترام تام للقانون 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، باعتبار أن المعطيات الجينية بالغة الحساسية.
وتجدر الإشارة إلى أن ارتفاع عدد الخبرات المطلوبة من المصلحة راجع إلى أن الجزء الأكبر منها يتعلق بقضايا السرقة كيفما كان نوعها، وهو دليل على حِرص المديرية العامة للأمن الوطني على توظيف جميع الإمكانيات المتاحة لتحديد هوية الجاني أو الجناة في كل القضايا، حتى التي تبدو «صغيرة»، كاكتشاف سائق بعد عودته أن أبواب سيارته مفتوحة.
ثالثها مصلحة «المخدرات والسموم الشرعية» التي تتعامل مع القضايا المرتبطة بالمخدرات من خلال تحليل العينات المتوصل بها لتحديد أنواعها ومعدل تركيزها ورصد الجديد منها، وأيضا المتعلقة بالمواد المتطايرة مثل أنواع الكحول التي تُضَافُ إليها مواد سامة لأجل استخدامها في المجال الصناعي لكنها تنتهي في بُطُونِ البعض. كما تتولى إجراء تحاليل الخبرة على مستخلصات المواد السامة من الأعضاء البشرية المأخوذة من الجثة أثناء عملية التشريح من طرف الطبيب الشرعي لتحديد سبب الوفاة، إضافة إلى التعامل مع جميع المواد الصيدلانية سواء المهلوسة أو التي يشتبه في أنها مغشوشة عبر مقارنتها مع الأدوية المرجعية الأصلية.
رابعها مصلحة «التشخيص باستعمال الخبرة الجينية» والتي يتقاطع عملها مع مصلحة البيولوجيا الشرعية، وتستهدف الرفع من المردودية، ففي الوقت الذي تستطيع المصلحة الأخيرة معالجة 50 إلى 100 عينة في اليوم الواحد، فإن مصلحة التشخيص باستعمال الخبرة الجينية تستطيع معالجة ما بين 800 و1000 عينة في اليوم.
وخامسها مصلحة تحقيق الخطوط والوثائق من خلال إجراء خبرات على الكتابات والتوقيعات والوثائق المشكوك فيها، بما في ذلك الوثائق الشخصية التعريفية (جواز السفر، بطاقة التعريف الوطنية، رخصة السياقة)، والأوراق البنكية.
كيف يتعامل المختبر مع القضايا المحالة عليه؟
يتركز عمل المختبر، كما قلت سابقا، على تقديم خبرات موثوقة سواء في القضايا المدنية أو الجنائية، حتى لا يتم الطعن فيها من أي كان، وهذا مهم بالنسبة إلينا، وينسجم مع تَقَيُّدِ المختبر بكل القوانين والالتزام بمعايير الجودة في تنفيذ الخبرات في المجال الجنائي، خصوصا ما يتعلق باحترام الأخلاقيات العلمية والمهنية، والمحافظة على سرية المعطيات الشخصيات، ونتائج التجارب والخبرات.
ألا يتقاطع عمل المختبر مع عمل الطبيب الشرعي؟
قطعا لا، لأن كلا منهما له وظائفه ومهامه واختصاصاته، وإن كانا يتعاونان من أجل هدف واحد، وهو إحقاق العدالة وتقديم أجوبة ذات مصداقية.
أين ينتهي دور الطبيب الشرعي بعد تشريحه الجثة؟
> يمارس الطبيب الشرعي مهامه كاملة، ولا يبدأ دور المختبر إلا بعد أن يتوصل منه بالعينات لتحليلها. ومن أجل فهم أدوار كليهما بشكل جيد، يمكن أن نستحضر مثالا يتعلق بحالة موت فجائية غير مبررة تحوم حولها شبهة تسمم، فالطبيب الشرعي يكون مطالبا بإنجاز تقرير أولي بعد تشريحه للجثة يَضمُّ تقديره لسبب الوفاة، والذي يحيله على المختبر بموافقة من النيابة العامة مرفوقا بعينات من أجل القيام بالخبرات المطلوبة، وبعد إكمال المختبر المهام المطلوبة منه يوجه نتائج تحليلاته إلى الطبيب الشرعي الذي يتكلف بإنجاز التقرير النهائي الذي يسلم للنيابة العامة أو القضاء.
مسار حفظ الأدلة الجنائية
يتوفر المختبر بطابقه الأرضي على قاعة مخصصة لاستقبال وحفظ وتخزين الأدلة الجنائية، ما هي مهامها؟
تتكلف هذه المصلحة بتدبير العينات والمحجوزات المحالة على المختبر وحفظها وتخزينها، وهي عبارة عن بنية عالية التأمين، تمكن من استقبال وسائل الإثبات الموضوعة تحت أختام قضائية، وذلك وفق نظام يضمن مراقبة وتتبع مسار معالجتها داخل المختبر، وذلك من منطلقِ حِرصِ المديرية العامة للأمن الوطني على حفظ الأدلة الجنائية، وهو المسار الذي ينطلق من مصالح حفظ وسائل الإثبات التي تم خلقها لأول مرة سنة 2015 قبل أن يجري تعميمها في 2016 في إطار شراكة مع الولايات المتحدة، حيث توجد اليوم قاعات للاحتفاظ بالمحجوزات على مستوى كل القيادات الأمنية: بفاس، ووجدة، وتازة، والحسيمة، وتطوان، وطنجة، والقنيطرة، والرباط، والدار البيضاء، والجديدة، وآسفي، ومراكش، وأكادير، والعيون، والداخلة، وورزازات، والراشيدية، وسلا، ومكناس، وسطات.
ويبقى الهدف من هذه القاعات المنتشرة في التراب الوطني هو حفظ العينات التي يرفعها تقنيو مسرح الجريمة مع الجذاذات الخاصة التي يتم ملؤها بعناية بالغة، ومن بينها جذاذة بطاقة التبليغ عن الجريمة، وجذاذة المتدخل الأول بمسرح الجريمة، وورقة الإرسال الخاصة بمصلحة وسائل الإثبات، وجذاذة نقل المحجوزات وتتبعها، وهذه الأخيرة تحتاج إلى توقيع الموظف الذي أحضر المحجوز والموظف الذي استقبل المحجوز، وإسمي الضحية والمتهم، ورقم القضية الجنائية، ورقم ملف الإرسال، ونوع العينات المرسلة، ونوعية الخبرات المطلوبة.
وبعد ملء هذه الجذاذات تُوجه مع العينات المرفوعة من مسرح الجريمة إلى المختبر، وذلك في شروط حفظ خاصة، لينطلق مسار إنجاز الخبرة، مع الحفاظ على أثر كافة المتدخلين في كل محطة، علما أن كل الوثائق المرتبطة بالأدلة يتم إدخالها من طرف مصلحة حفظ الأدلة الجنائية في نظام آلي متطور كما يتم تدوين الوقت الافتراضي للقيام بكل خبرة على حدة وذلك للتمكن من متابعة إجراء الخبرة أولا بأول وحماية المعلومة في نفس الوقت.
ماذا يكون مآل العينات والمحجوزات بعد الانتهاء من إنجاز الخبرات عليها؟
> بعد إجراء الخبرات وإنجاز تقارير النتائج المطلوبة يتم إرجاع العينات المتبقية إلى مصالح حفظ الأدلة الجنائية على مستوى الولايات والأقاليم، وفي حالة استنزاف العينة يُسَجِّلُ التقرير ذلك.
مسار العينات من مسرح الجريمة إلى المختبر
ما هو المسار الذي تأخذه العينات المرفوعة من مسرح الجريمة وصولا إلى المختبر؟
عند وقوع جريمة، ينزل ضباط الشرطة القضائية بأمر من النيابة العامة إلى مسرح الجريمة مرفوقين بتقنيي مسرح الجريمة، وبعد تسييج هذا الأخير وتصوير الأدلة والمحجوزات التي يمنح كل منها رقما خاصا، يشرع تقنيو مسرح الجريمة في رفع العينات، بينما ينشغل ضباط الشرطة القضائية بملء مجموعة من الجذاذات التي ترسل مع العينات إلى المختبر قصد إجراء الخبرات.
هل تتكلفون بإنجاز الخبرات على كل العينات المأخوذة من مسرح الجريمة؟
> المختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية مختص في إنجاز الخبرات العلمية، وتتكلف مختبرات تحليل الآثار الرقمية على مستوى بعض القيادات الأمنية وكذلك بمديرية الشرطة القضائية وبالفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بإنجاز الخبرات على الأجهزة الإلكترونية وجمع الدلائل الرقمية الموجودة في الداعمات الإلكترونية كالهواتف النقالة والأقراص الصلبة والحواسيب وغيرها.
أرباحنا من شهادة الجودة الدولية
يحصل المختبر منذ 2017 وبشكل سنوي على شهادة الجودة بالمعيار الدولي الممنوحة من قبل مؤسسة أمريكية مختصة، بعد خضوعه لافتحاص شامل ودقيق جدا من طرف خبراء دوليين، ماذا يعني ذلك؟
تأخذ المديرية العامة للأمن الوطني ضمان الجودة على عاتقها منذ مدة، ويتجلى ذلك في حرصها على العمل بمعايير الجودة العالمية، ولذلك تضطلع مصلحة خاصة بالمختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية بمراقبة الجودة، وكان من نتائج ذلك، حصوله للمرة الخامسة على التوالي على شهادة الجودة بالمعيار الدولي ISO / IEC 17025 الممنوحة من قبل مؤسسة «The ANSI National Accreditation Board» الأمريكية، والتي تمنحه حافزا للاستمرار في نفس المستوى، وتعكس التطور المسجل على مستوى تثمين الرأسمال البشري، والذي يتجلى في الحرص على توظيف الموارد البشرية على أساس سلسلة من الإجراءات والمساطر المحددة سلفا وبشكل دقيق من لدن رؤساء المصالح وكذا رؤساء الشعب، واستفادتها من تكوين خاص في البداية وعمليات التكوين المستمرة، وأيضا في تجهيز المختبر بأفضل المعدات وأحدثها على الإطلاق.
ما هو العائد بالنسبة للمختبر من شهادة الجودة؟
> شهادة الجودة هي تحدي يخوضه المختبر منذ حصوله عليها أول مرة، وقد ساهمت في إشعاع المختبر وتكريس مصداقيته على الصعيد الدولي، علما أن المديرية العامة للأمن الوطني اختارت الدخول في هذه المنظومة بشكل ذاتي دون أن يطلب منها أحد فِعلَ ذلك، وكانت النتائج جد إيجابية تجعل من الصّعب التشكيك في الخبرات المنجزة.
الزمن ليس شرطا للقضية المعقدة
على مدار سنوات عملكم في المختبر وإدارته، ما هي أهم القضايا المعقدة التي استغرق كشف ملابساتها وقتا طويلا؟
ليست المدة الزمنية التي يستغرقها حل قضية هي التي تحدد ما إن كانت معقدة أم لا، ذلك أن الكثير من القضايا التي تبدو أكثر تعقيدا تم الوصول إلى حل لها خلال مدة وجيزة، تماما كما حصل في قضية حريق معمل «روزامور» بمنطقة ليساسفة في أبريل 2008 الذي أودى بحياة 56 عاملا، فقد كنت ممن نزلوا إلى مسرح الجريمة نظرا لهول الحادث والعدد الكبير للضحايا من أجل جمع العينات، وتمكنا في ظرف 48 ساعة من تقديم نتائج الخبرات المطلوبة التي حلت القضية.
بالمقابل، هناك عدد من القضايا قد لا تبدو معقدة لكن كشف ملابساتها يستغرق وقتا أطول للوقوف على ملابستها، تحضرني في هذا الصدد قضية «بوصمة» الذي ارتكب سلسلة جرائم قتل في حق عدد من المتشردين قبل أن يُلقى القبض عليه سنة 2015، ففي مثل هذه القضايا قد نتوصل من خلال تحليل العينات المأخوذة من مسرح الجريمة إلى البصمة الوراثية في الأسبوع الأول، والتي تحيلنا على بروفايل المشتبه به (جنسه، مواصفاته..)، لكن تحديد هويته قد يستغرق وقتا قبل أن يتم القبض عليه لتتم مقارنة بصمته الوراثية بالتي وجدت في مسرح الجريمة.
كيف يساهم الوصول إلى البصمة الوراثية في إدانة أو تبرئة المشتبه به؟
تؤدي البصمة الوراثية دورا حاسما في إدانة أو تبرئة المشتبه بهم في جرائم، وكذلك في تحديد هوية المفقودين من خلال المقارنة مع عائلاتهم، حيث يحتوي الحمض النووي على المعلومات التي تحتاج إليها جميع الخلايا الحية في جسم الإنسان لتقوم بوظيفتها. وباستثناء التوائم، فلكل شخص بصمة وراثية فريدة، والتي يمكن استخدامها كدليل لإدانة المشتبه به في ارتكاب جريمة أو إبعاد التهمة عن شخص بريء، لكن تحديد سمات البصمة الوراثية لا يعني الوصول إلى الفاعل، فالأمر يحتاج إلى مقارنتها بسمات أخرى مسجلة في قاعدة بيانات، حيث يتيح ذلك تحقيق مطابقات بين شخص ومسرح جريمة، أو بين مسرح جريمة وآخر، أو بين شخص وشخص آخر.
وتجدر الإشارة إلى أن تحديد البصمة الوراثية ينطلق من تحليل العينات المرفوعة من مسارح الجريمة أو المأخوذة من المشتبه بهم، وعادة ما تؤخذ من الدم أو الشعر وسوائل الجسم.
والمراحل الرئيسية في تحليل وإظهار التكرارات القصيرة مختلفة العدد (STR) هي استخلاص الحمض النووي أو المادة الوراثية، وقياس كمية المادة الوراثية، ثم عملية تكثير المادة الوراثية بواسطة تقنية التفاعل التسلسلي المبلمر، وأخيرا عملية إظهار السمات الوراثية للحصول على البصمة الوراثية أو بروفيلADN .
في ظل التجهيزات المتطورة التي يتوفر عليها المختبر والتي لا توجد في الجامعات، هل لديكم شراكات في جانب البحث العلمي؟
نعم، نحرص على الإسهام في جانب البحث العلمي من خلال شراكات مع بعض الجامعات، يتم بموجبها قبول إجراء موظفي المديرية العامة للأمن الوطني التابعين للمختبر الراغبين في استكمال الدراسات العليا سواء في سلك الماستر أو الدكتوراه أبحاثهم داخل «مختبر عملهم» ونشر نتائجها، خاصة في مجال البصمة الوراثية والكيمياء، كما نتيح إمكانية إجراء طلبة الجامعات أبحاث تخرجهم في أروقة المختبر، كما ساهمنا في تكوين عدد من الكوادر من جنسيات صديقة، لا يمكنني الإفصاح عنها.
Laisser un commentaire