الأحداثد. محمد نوري
شهدت إسبانيا منذ أيام انتخابات تشريعية أفرزت نتائج حتى وإن عرفت، يمينا ويسارا، صعود هذا الحزب وهبوط آخر، فإنها تظل مشابهة عموما لنتائج الانتخابات السابقة إذا جمعنا حصة كل كتلة منهما.
وبعدما تم يوم الجمعة فرز أصوات حوالي 2.3 مليون إسباني مقيمين في الخارج CERA، فإنه ثمة دروس يمكن استخلاصها من هذه الاستحقاقات، نذكر منها:
1-التقاطب السياسي الحاد الذي يعيشه المجتمع الإسباني.
2-استحالة تشكيل الحكومة من الحزب الشعبي وفوكس VOXحتى بدعم افتراضي للحزبين الكاناري CC و النافاري UPN . خطيئة الحزب الشعبي هي توغله في اليمين، تماهيه مع خطاب حزب فوكس والتحالف معه من أجل الظفر برئاسة عدد كبير من البلديات والحكومات الجهوية في الانتخابات ما قبل الأخيرة، وما لم يستعد خطاب الوسط المعتدل ويَتَمَترَسَ فيه فلن يستطيع الوصول إلى رئاسة الحكومة لأنه أحرق بتحالفه هذا جميع قنوات التواصل مع أحزاب أخرى يحتاج لدعمها ما دام الحصول على الأغلبية المطلقة قد أضحى كبيضة الديك.
3-أنه في غياب إمكانية قيام ائتلاف حكومي بين الحزبين الرئيسيين، الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني والحزب الشعبي لأسباب تاريخية ساهمت في تشكيل الثقافة والأفق السياسيَين الإسبانيَين، ثمة سيناريو وحيد لتشكيل الحكومة القادمة: أن تكون نسخة طبق الأصل للإتلاف السابق مع إكراه إضافي: الحاجة الحيوية لأصوات ممثلي الحزب الكاطالاني الانفصالي “جميعا من أجل كاطالونيا”Junts per Catalunya الذي حصل على سبعة مقاعد مِفصلية بالنسبة لتنصيب الحكومة القادمة. الإكراه الذي تحدثت عنه يكمن في أن من يتحكم في زمام هذا الحزب الكاطالاني هو بوتشدومونط Puigdemontالفار من العدالة الإسبانية والمستقر حاليا في واتيرلو ببلجيكا والذي تم تجريده من مقعده في البرلمان الأوروبي وبالتالي من الحصانة البرلمانية في انتظار قرار محكمة الاستئناف الأوروبية التي ستبث في مسألة ترحيله لإسبانيا أم لا.
السؤال الآن هو: هل يساعد بوتشدومونط على تشكيل الحكومة أم سينزع إلى تأجيج الوضع في كاطالونيا (وإسبانيا بشكل عام) عبر التصويت السلبي أو الامتناع عن التصويت على الحكومة المقبلة وبالتالي الذهاب إلى انتخابات جديدة؟ ما هو المقابل الذي سيطلبه هذا السياسي الكاطالاني لتنصيب الحكومة؟ وإذا ما قرر التصعيد، ما هي انعكاسات مثل هذا القرار على الوضع السياسي العام، على الوضع الداخلي لحزبه وعلى مستقبله السياسي والقضائي؟
4-أن المقاربة السلمية لبيدرو سانشيث لمشكلة الانفصال في كاطالونيا أتت أُكلها مرات ومرات. من جهة، ساهمت في تهدئة المناخ الملتهب في كاطالونيا الذي تسببت فيه مقاربة الحزب الشعبي (حكومة ماريانو راخوي) التي أوغلت في إعمال القانون والرجوع إلى القضاء ناسية أم متناسية دورها السياسي القائم أساسا على فض النزاعات عبر التفاوض السياسي. سنتان بالكاد على العفو الرئاسي في حق عدد من زعماء الانفصال في كاطالونيا، فقدَ حزب “اليسار الجمهوري الكاطالاني ERC” ستة مقاعد مقارنة مع الانتخابات التشريعية السابقة (7 مقاعد بدل 13)، وفقد حزب “جميعا من أجل كاطالونيا” مقعدا واحدا، وهي مقاعد سبعة آلت للحزب الاشتراكي العمالي (فرع كاطالونياPSC تحت قيادة وزير الصحة السابق والهادئ سالفادور إييا) الذي فاز ب19 مقعدا من أصل 48 بوأته المرتبة الأولى بفارق كبير على منافسيه. هذه النتائج المتميزة، بالإضافة إلى تقديمها خدمة جليلة للحزب الاشتراكي العمالي على المستوى الوطني، أتت لتؤكد وجاهة المقاربة السياسية التفاوضية لبيضرو سانشيث لحل إشكالية الانفصال الكاطلاني.
5-لو لم يتقدم فوكس للانتخابات لفاز الحزب الشعبي بالأغلبية المطلقة مما يعني أن حزب فوكس يخدم من حيث لا يدري مصالح الحزب الاشتراكي العمالي.
6-أن صعود الحزب الشعبي (47 مقعدا أكثر مقارنة مع الانتخابات السابقة) لا علاقة له بالأداء الحكومي للحكومة السابقة الذي كان ممتازا في ظل سياق دولي سيء مطبوع بجائحة كورونا التي لم تكد تخمد نارُها حتى اشتعلت الحرب الروسية الأوكرانية بتداعياتها الاقتصادية العنيفة، بل يعود هذا التقدم أساسا لثلاثة أسباب رئيسية في نظرنا:
*عدم الانسجام بل التناحر بين الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني وحزب بوضيموصPodemos فيما يخص عددا من القوانين والمواقف تجاه قضايا خارجية كما هو الحال بالنسبة للقانون المتعلق بالحرية الجنسية المعروف ب((Solo sí es sí، حرب أوكرانيا، العلاقة مع المغرب والموقف من جبهة البوليزاريو، القانون الخاص بالمتحولين جنسيا، قانون السكن، قانون زيادة الإنفاق في المجال العسكري، قانون إصلاح الشغل، وغيرها، مما أثر بشكل سلبي على صورة حكومة سانشيث لدى الرأي العام.
*خطاب المعارضة الذي بدل التوجه نحو مناقشة أداء الحكومة على مستوى “ما يهم الناس” عمل على شخصنة الأمور بخلق مصطلح El sanchismo كمصدر و مرادف لكل الشرور التي تهدد إسبانيا من قبيل التحالف مع الإرهابيين والانفصاليين والمتحولين جنسيا وتخفيف الطوق على المغتصِبين وخدمة أجندة المغرب، إلخ. وهو تكتيك انخرطت فيه أيضا العديد من وسائل الإعلام ومقدمي البرامج التلفزية والإذاعية المؤثرة.
*العي التواصلي للحكومة التي انشغلت بالعمل وتبريد الصراعات الداخلية بدل تسويق منجزاتها إلى أن باغتتها الانتخابات البلدية والجهوية التي اكتسح فيها اليمين قلاعا اشتراكية كثيرة. أمام هذا المد اليميني الكاسح، اضطر بيضرو سانشيث الإعلانَ عن انتخابات تشريعية مبكرة أولا لاستباق التمرد الذي كان سيحصل داخل حزبه في حالة تنظيمها في وقتها (شهر دجنبر القادم)، وثانيا، لاستنفار الجبهة الاجتماعية الإسبانية بمختلف أطيافها ووضع هذه المكونات أمام الأمر الواقع: إما الحزب الاشتراكي العمالي أو اليمين المتطرف!
موازاة مع ذلك، يمكن القول بأن يولانضا دياث زعيمة تحالف سومار Sumar -والتي شغلت منصبي وزيرة الشغل والاقتصادي الاجتماعي في الحكومة السابقة والنائبة الثالثة لرئيس الوزراء باسم بوضيموص آنذاك- قد استفادت من الدرس وأبعدت إيريني مونطيرو من لائحة الترشيحات للانتخابات الأخيرة بعد أن شغلت منصب وزيرة المساواة في الحكومة السابقة وكانت مصدر إزعاج مستمر للتحالف الحكومي. السؤال الآن هو: هل جاء الدور للتخلص من إييوني بيلارَّا الكاتبة العامة الحالية لبوضيموص والتي شغلت منصب وزيرة الحقوق الاجتماعية وتشكل اليوم الحجرة الوحيدة العالقة في حذاء التحالف الحكومي السابق لتشكيل حكومة جديدة منسجمة خاصة وأن عدد المقاعد التي حصل عليها بوضيموص يبقى ضعيفا جدا (خمسة من بين واحد وثلاثين مقعدا لتحالف سومار المشكل من حوالي ثلاثين تيارا)؟
قد يكون ذلك وقد لا يكون لأنه على الرغم من هزالة نتائج بوضيموص، تبقى مقاعدها الخمسة هاته في ظل النتائج الحالية أكثر من كافية للمطالبة بنصيبها من الكعكة الحكومية المقبلة وقد تُؤتى حقَّها لكن شريطة إظهار الرِّجل البيضاء كما يقال في الفرنسية.
سنرى ….
هيئة التحرير31 يوليو، 2023
إقرأ الخبر من مصدره
Laisser un commentaire