تعامل المغرب مع الكوارث .. ثوابت ومتغيرات بين الزلزالين في الحسيمة والحوز

Écrit par

dans


هسبريس – يوسف يعكوبي

رويدا رويدا، شرع المغاربة في العودة إلى “حياة طبيعية” متجاوزين تداعيات “زلزال الحوز”، الذي عدّه خبراء “الأكثر عنفا” على الإطلاق منذ أزيد من قرن بالمغرب؛ بيد أن ذلك من الصعب أن ينسيهم كوارث طبيعية سابقة مشابهة في الآثار والخسائر، وإن اختلف الزمان والمكان ووسائل وآليات التدخل.

ولعل زلزال 8 شتنبر 2023 سيترك ويخلف ندوبا عميقة على كل من عاشه، سواء من قريب أو من بعيد، لن تختلف كثيرا عما بصم به زلزال منطقة الريف عام 2004 الذاكرة الجماعية للمغاربة.

في هذا السياق، تحاول جريدة هسبريس الإلكترونية، من خلال هذا المقال المفصل، رصد “مكامن المتغير ونقاط الثابت” في تفاعل الدولة المغربية، خصوصا من زاوية التفاعل الحكومي وتدبيرها للأزمة، مع كل من زلزال الحسيمة 2004 وبعدها بحوالي عشرين سنة مع زلزال الحوز 2023.

“الاستجابة السريعة”

البراق شادي عبد السلام، خبير دولي في إدارة الكوارث الطبيعية وتدبير المخاطر المرتبطة بها، رصد، ضمن قراءته للموضوع، أن “زلزال الحسيمة” استدعى -حينها- استجابة الدولة المغربية بمؤسساتها الإستراتيجية بسرعة للكارثة، وأرسلت فرق الإغاثة والإنقاذ إلى المناطق المتضررة، وتم تقديم المساعدات الطبية والإغاثية للمصابين والمتضررين، مع إجلاء السكان المحليين من المناطق المنكوبة”.

أما في زلزال الحوز، تابع عبد السلام مصرحا لهسبريس، “يمكن ملاحظة تجند كل المؤسسات الإستراتيجية للدولة المغربية من أجل تطويق الآثار المدمرة للزلزال الذي طال أيضا أقاليم شاسعة مجاورة كتارودانت وورزازات”.

“ما يجب الانتباه إليه هو أن المملكة المغربية بعد زلزال الحسيمة 2004، وبتوجيهات ملكية سامية في خطاب وجهه جلالة الملك إلى الأمة، اعتمدت على تطوير مخططات متكاملة للاستجابة في الكوارث الطبيعية وفق المعايير العالمية المتعارف عليها”، أورد خبير تدابير المخاطر، معددا هذه المعايير “سواء من مكتب الأمم المتحدة للحد من المخاطر الطبيعية أو باقي الهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية التي يتقاطع مجال اهتمامها بإدارة الكوارث الطبيعية وتدبير المخاطر ذات الصلة”.

وتابع البراق شادي عبد السلام: “هذا المجهود توج في فبراير 2021 بإعداد الإستراتيجية الوطنية لتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية (2020-2030) تحت إشراف مديرية جديدة لإدارة مخاطر الكوارث في وزارة الداخلية المغربية”،

مؤكدا أنها تتمحور حول ثلاثة أهداف: “تحسين المعرفة وتقييم المخاطر، وتعزيز الوقاية من المخاطر لتعزيز القدرة على الصمود والاستجابة لها، مع تحسين الاستعداد لمواجهة الكوارث الطبيعية من أجل التعافي السريع وإعادة الإعمار الفعال”.

كما لفت المتحدث الانتباه إلى أنه “تمت ترجمة هذه الاستراتيجية إلى برنامج أولويات العمل (2021-2023) وبرنامج العمل التنفيذي (2021-2026)”.

تعزيز سياسات “إدارة مخاطر الكوارث”

خلال السنوات العشر الماضية، رصد البراق شادي عبد السلام، خبير دولي في إدارة الكوارث الطبيعية وتدبير المخاطر المرتبطة بها، أن “المغرب عمد إلى تحسين الأطر المؤسسية والاستثمارية وتعزيز السياسات المتعلقة بإدارة مخاطر الكوارث، مقدما جهودا لبناء قدرته المالية على التصدي للصدمات والحد من التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للكوارث الطبيعية”.

في هذا السياق، زاد الخبير شارحا: “المغرب قام بتطوير نظام تغطية عواقب الوقائع الكارثية المحدث بموجب القانون رقم 110.14 سنة 2016 ودخل حيز التنفيذ مطلع سنة 2020، والذي يضم شقين: الأول تدبره شركات التأمين بالنسبة للمواطنين المستفيدين من التأمين، والشق الآخر عبارة عن إعانات يدبرها صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية لفائدة الأشخاص غير المتوفرين على أية تغطية تأمينية”.

زلزال الحوز.. “اختبار حقيقي”

شكل “زلزال الحوز”، حسب البراق شادي عبد السلام، “محطة اختبار حقيقي” للسلطات المغربية بمختلف تشكيلاتها ومستويات تدخلها، قائلا: “يمكن ضبط تدخل الدولة المغربية وفق التوجيهات الملكية السامية في استجابتها لمواجهة تداعيات أزمة الزلزال المدمر على ثلاث مراحل: الأولى همت تدبير الأزمة وإنقاذ الأرواح وإسعاف الجرحى وتبسيط إجراءات الدفن وإيصال الإعانات الغذائية والصحية. في هذه المرحلة، كان الهدف الرئيسي هو التعامل مع الحالة الطارئة وإنقاذ الأرواح المتأثرة بالزلزال”.

وفي تقييمه لإجراءات هذه المرحلة، رصد خبير تدبير المخاطر أنه “تم تنفيذ هذه الإجراءات وتسهيلها رغم صعوبات الوصول لبعض الدواوير النائية، مسجلا “الدور البطولي لمؤسسات الدولة الإستراتيجية”.

المرحلة الثانية، حسب عبد السلام، تتصل بـ”إعادة إعمار منازل المتضررين وصرف التعويضات”. وقال إنها شهدت “التركيز على إعادة بناء وترميم المنازل التي تضررت جراء الزلزال، مع الشروع فوريا في “صرف تعويضات للسكان المتضررين للمساعدة في إعادة بناء منازلهم وتعويض الخسائر التي تكبدوها. وزاد بأن “تفاصيل التعويضات والإجراءات المتبعة تم تفصيلها في بلاغات الديوان الملكي والإجراءات الحكومية المنبثقة منها لتوضيح الحقوق والإجراءات المتاحة للمتضررين بشكل دقيق”.

وختم المتحدث ذاته بأن “المرحلة الثالثة من التدبير العمومي للأزمة سيتم التركيز خلالها على الخدمات العمومية وإعادة الحياة إلى طبيعتها باستعادة وتحسين الخدمات العمومية في المناطق المتضررة؛ مثل الصحة والتعليم والطرق والماء والكهرباء، بدعم مرحلة إعادة الإعمار وإعادة الحياة إلى طبيعتها في المناطق المتأثرة بالزلزال”.

مشاهد من الحسيمة والحوز

عاد مهدي عامري، رئيس شعبة التواصل أستاذ باحث في تواصل الأزمات بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، بالذاكرة إلى فبراير 2004 مسجلا أن “المغاربة يتذكرون جيدا الزلزال الخطير الذي ضرب الحسيمة حينها. كما يتذكرون أيضا، ودون شك، الأصوات التي تعالت بعد ذلك منتقدة تأخر وصول مساعدات السلطات المحلية المغربية إلى المناطق المنكوبة”.

وكان “الزلزال، الذي أصاب الإقليم ليلة 24 من فبراير 2004 بقوة 6.5 درجات على سلم ريشتر، قد أسفر عن مقتل نحو 600 شخص”، استرجع عامري في حديث لهسبريس مشيرا إلى أنه “في الوقت الذي تعرضت فيه المنطقة إلى هزات ارتدادية في الشهر نفسه، بدأت تتضح بصورة متأخرة فداحة الأضرار التي خلفها هذا الزلزال في منطقة تتسم بالعزلة وصعوبة الوصول إليها”.

وتابع مستدركا في محاولة مقارنة: “لكن، بعد مرور يومين على هذا الزلزال الذي أتى على قرى بأكملها في ضواحي مدينة الحسيمة، بدأت الأصوات تتعالى لتدين تباطؤ وصول المساعدات وفرق الإغاثة الوطنية إلى المناطق المنكوبة”، مستحضرا “تظاهر عدد من الناجين مطالبين الحكومة بتقديم مواد البناء لهم لإعادة بناء منازلهم المحطمة، بعد أن قضوا الليلة الأولى تحت المطر والبرد”، مثلما جاء على لسان أحدهم.

ولفت المتحدث إلى أن “ناجين من زلزال الحسيمة في قرية إيمزورن كانوا قد قالوا إنهم حصلوا على خيمتين تتسع كل منها لـ20 شخصا فقط بينما فاق عدد الناجين هناك 200 شخص”.

وبالانتقال إلى زلزال 8 شتنبر 2023، اعتبر عامري أن “المغرب كان على موعد مرة أخرى هذه المرة مع زلزال مدمر بـ7 درجات في إقليم جبلي وعر التضاريس؛ إلا أنه أظهر الطينة الحقيقية للمغاربة، عبر حملات التضامن والتآزر منقطعة النظير. كما جعلت الصور التلقائية الرائعة الي صنعها المغرب، ملكا وحكومة وشعبا، مؤسسات العالم تقف احتراما لأمة “تشهد الدنيا أنها هنا تموت وتحيا”..

“احترافية عالية” تنال الإشادة

عامري يقول لهسبريس: “في فاجعة الحوز لا ننسى أيضا سرعة الحكومة والمجتمع المدني الوطني في توفير المساعدات الإنسانية العاجلة لمنكوبي الزلزال، باحترافية عالية، جعلت المجتمع الدولي يشيد بفعالية التدخل السريع للسلطات المحلية المغربية، التي لها باع طويل في إدارة الكوارث، وآخرها أزمة كورونا، التي أدارتها باقتدار كبير نال إعجاب المجتمع الدولي”.

علاوة على ذلك، رصد المختص في التواصل “سرعة انعقاد مجالس عمل خاصة بالزلزال برئاسة الملك محمد السادس الممثل الأسمى للدولة المغربية باعتباره كان أمرا أكيدا ملازما لتطورات الميدان”، وقال: “زلزال الحوز يذكرنا بتلاحم الشعب مع ملكه ومؤسساته زمن المحطات الكبرى في تاريخ المغرب المعاصر: زلزال أكادير (1960)، المسيرة الخضراء، أزمة كورونا”…

“زلزال الحوز كرس أيضا لسيادة المغرب فهو لم يرفض كل المساعدات الإنسانية، واكتفى مرحليا بمساعدات كل من قطر والإمارات وإسبانيا وبريطانيا؛ ممارسا بذلك حقوقه السيادية ويدافع عن حقه في تحديد وترتيب أولوياته، كدولة مستقلة قادره على التدخل السريع، ولها سيادة ومؤسسات دستورية وقانونية…” قال عامري خاتما بالقول: “شتان بين زلزال 2004 وزلزال 2023 بالمغرب. البون والفارق في التعامل وإدارة الكوارث الطبيعية مؤشر إيجابي يدل على اكتساب الحكومة المغربية مزيدا من النضج والخبرة في إدارة الأزمات”…

“نقائص في أفق التدارك”

أجملت إلهام بوريقي، أستاذة باحثة في تواصل الأزمات، حديثها عن الموضوع قائلة إن “التفاعل الحكومي مع أزمة زلزال الحوز أظهر أهمية التواصل واعتماد تنسيق عال بشأنه عبر خلية لتدبير الأزمة تضم عضوا مكلفا بالتواصل يكون في الغالب الناطق الرسمي باسم الحكومة”.

وأضافت بوريقي، في تصريح لهسبريس، أن “الزلزال أبان عن حتمية سرعة الاستجابة لنداء الناس وتقاسم الشعور بالألم والتواصل الميداني مع منكوبي الكوارث؛ ما يمنح إحساسا كبيرا بالأمان في أوساطهم، لا سيما بين الفئات الهشة في أوقات الأزمات”.

وبينما نوهت الأكاديمية الجامعية ذاتها بكل ما بذلته السلطات التنفيذية والحكومية؛ في مقدمتها توجيهات الملك التي قادت تدخلات الميدان بالنسبة لعناصر الجيش والدرك وباقي القوات، سجلت “غيابا شبه تام لأدوار المنتخبين المحليين والجهويين، لا سيما رؤساء الجماعات، ثم لعدد من الوزارات التي تدير قطاعات متصلة بنطاق الكارثة (التضامن والأسرة، وزارة السياحة،…)، قبل أن تشيد بمجهودات عمدة مراكش ووزيرة الإسكان والتعمير في زياراتها الميدانية.

وزادت بوريقي: “لا نختلف أنه تم العمل بمقومات استعجالية وبنجاعة وسرعة وإتقان واحترافية أشيد به من طرف مختلف الدول وهيئات الإنقاذ العالمية”؛ إلا أن “الجانب التواصلي في الأيام الثلاثة التي تلت الزلزال كان هناك خلل وفراغ رصده عدد من المتابعين، مع إحساس عارم بهيمنة وزارة الداخلية على باقي الجسم الحكومي”.

ودعت المتحدثة إلى “إجراء تدقيق داخلي وافتحاص لمسؤوليات عدد من المسؤولين الترابيين بعد أزمة الزلزال، خاصة أن الأخير ضرب مناطق مهمشة تنمويا لم تظهر فيها آثار برامج كان المنتخبون مسؤولين عن تنزيلها”.

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *