د.محمد نوري يكتب.. حرب غزة أو حين طيور التطرف على أشكالها تقع

Écrit par

dans

الأحداثد. محمد نوري

العدل هو حين يوزع الظلم بالتساوي
موريس شابولان

يقال بأنه في الأوقات العصيبة، أوقات الألم والأسى، وأمام جميع أنواع المزايدات، المعنوية منها والمادية، يظل الأمل أفضل رفيق والنأي عن الغلو والغرور أنسب طريق.
من المؤسف أن نلاحظ كي أضحت اللامبالاة في العقود الأخيرة شرا ينخر حيواتنا، وكيف باتت الغطرسة توهم الدول والمجموعات كما الأفراد بالاكتفاء الذاتي، بالاستغناء عن الآخرين بل وبعقدة التفوق عليهم. ربما تعلق الأمر في آخر المطاف بدرع يحجب ضعفا أو خوفا من مجابهة التحديات الحقيقية: أن نضع أنفسنا في مكان الآخرين، نتفهم احتياجاتهم ونعتني بإنسانيتهم.
نعم، ليس هنا شيء أسهلَ من أن نخادع أنفسنا حتى “تقع الفأس في الرأس” كما يقول المثل الدارج، لكن المُحزن والمُقرف هو أن زارعي الفتن والأحقاد ليسوا هم من يؤدون الفاتورة دائما بل أولئك المواطنون العُزَّل البسطاء الأبرياء.
هناك مأثورة لهونوري دو بالزاك تقول بأن المَجد سُم وجب تناوله بجرعات صغيرة كي لا نسقط في الغطرسة والغرور، والحقيقة أن إسرائيل كما المنتظم الدولي، أمضوا سنين طوال يتجاهلون الفلسطينيين قولا وفعلا.
منذ توقيع اتفاقية أوسلو التي أودت بحياة إسحاق رابين على يد يافع من اليمين المتطرف الإسرائيلي، عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، مستغلة الصمت المبارِك للولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، ليس فقط على التنصل من بنود هذا الاتفاق بل على خنق أنفاس الفلسطينيين عبر مزيد من المستوطنات وتقليص أكبر للمجال الحيوي لهؤلاء برا وبحرا.
لكن، على الرغم من ذلك، لا أفهم كيف لحركة مثل حماس التي تبني سرديتها على الدين الإسلامي لا تحترم أخلاق الحرب التي طالما تكلم عنها رسول الله (ص) وتصر على تقديم مشهد مقزز عبر التنكيل بالجثث وقتل الأطفال والشيوخ مع التكبير.
صدق دينيس ديدرو حين قال بأن المسافة بين التعصب والهمجية لا تعدو عن خطوة واحدة وهذا يصدق على كلا الطرفين في هذا الصراع: حماس وإسرائيل.
حركة حماس هي الفصيل الفلسطيني للإخوان المسلمين الذين اغتالوا أنور السادات، وبدل حماس، من الأنسب أن نتكلم عن حماس عدة بما أن دائرتها السياسية تعيش في قطر بينما مجموعاتها العسكرية المختلفة هي التي تضبط الإيقاع في غزة ومنها ما يشرب من يد إيران ويلتقط الحَب من أيادي أخرى.
إنها مأساة الشعب الفلسطيني الذي تداعت نُخبه عليه وتفرقت بين هذا الولاء وذاك، مأساة بحجم كل المآسي لخصها الراحل محمود درويش في مقطع من قصيدة حين قال: “أنا أرميني قال كردي، فقالوا صالح للطبخ في الأعياد، ينقصنا أشوري وتكتمل الولائم !”.
أيضا، لا أفهم كيف لإسرائيل أن تعزل حوالي مليونين ونصف من السكان في شريط لا يتجاوز 40 كلم طولا و 10 كلم عرضا، شريط طالما تفننت وسائل الإعلام الغربية في تسميته (طنجرة ضغط، جهنم بسماء مفتوحة، إلخ…) لكن دون أن تفعل حكوماتها ولا الحكومات العربية الإسلامية-أي شيء، حيث% 70 من الساكنة الذين هم شباب لم يلتقوا أبدا بإسرائيلي أو إسرائيلية، ثلاثة أرباعهم بدون عمل على الرغم من وجود كميات كبيرة من الغاز والنفط قرب ساحلهم. نعم، لا أفهم كيف لشباب بدون بوصلة ولا أفق مستقبلي أن يطلب منهم معانقة السلم والتشبع بثقافة الغيرية والسير على هديها.
من أجل الهروب من العدالة التي تلاحقه منذ سنوات، وبتشكيله لحكومة مع مختلف الأطياف الأورثودوكسية الإسرائيلية، دفع ناتانياهو منطقة الشرق الأوسط لحافة الهاوية وبلاده إلى الخراب واللاأمن. هو، بمعية وزير العدل الذي قاد محاولة السطو الفاشلة على المجلس الأعلى للقضاء، والمسؤول عن الأمن القومي، ثلاثة مشعلين للفتن والحرائق وزرع عناقيد الغضب.
بعد شهور من الاحتجاجات المتواصلة للشارع الإسرائيلي على محاولة ناتانياهو وضع اليد على المجلس الأعلى للقضاء، تأتي هذه الحرب لإخراس الأصوات المنتقدة من داخل الجيش الإسرائيلي، وبتكوينه لحكومة وحدة وطنية وضع المعارضة (باستثناء لابيد يائير ) في جيبه إلى إشعار آخر: “حين نتحد، نصبح شعبا لا يقهر، ولا مجال اليوم للانتقاد”، يضيف.
حين وصل ناتانياهو للسلطة سنة 1996، كانت أولى تصريحاته: أوسلو هي المشكل وليس الحل ! ومنذ ذلك الوقت، لم يدخر جهدا لبث التفرقة بين صفوف الفلسطينيين، بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، عبر سياسة إغماض العين عما تقوم به هذه الأخيرة أي العمل على استدامة توتر خفيف، متحكم فيه، مع الدخول إلى غزة كل سنتين أو ثلاث (2008، 2012، 2014) ل”تهذيب العشب” كما يحلو له أن يردد في صلافة.
مع هذه الأحداث الدرامية الأخيرة، لا يخامرني أدنى شك في أن ناتانياهو وحلفاؤه من اليمين المتطرف هو ألدُّ أعداء الشعب الإسرائيلي، كما أن حماس ألدُّ أعداء الشعب الفلسطينيي بعد أن تماهت مع إيران عدوة الشعوب العربية بامتياز.
الآن، وقد استعرت نار هذه الحرب وسقط الآلاف من الشهداء الفلسطينيين في غزة، سنرى هل ستتحرك إيران والحركات المسلحة التي تدور في فلكها من العراق إلى فلسطين وتدخل غمار هذه الحرب أم أنها ستكتفي بالتقية أمام حاملتي الطائرات الأمريكية ويكون الخاسر الأكبر كما هو العادة هو الشعب الفلسطيني؟ أليس في هذا خدمة للأجندة الأمريكية التي عادت للشرق الأوسط من بابه الواسع بعد الانتكاسات التي تلقتها في العراق وسوريا؟ أليس في هذا أيضا خدمة لأجندة حكومة ناتانياهو التي دمرت غزة والراجح أنها ستكتسحها بريا وتحاول تهجير أهل هذه الأخيرة إلى صحراء سيناء؟
لهذا قلت بأن طيور التطرف على أشكالها تقع وتلتقي في المصالح كما في طبيعتها العنيفة وإقامة أعراس الدم والدمار.
لقد نسفت حركة حماس واليمين الإسرائيلي المتطرف معاهدة أوسلو التي أقامها اليسار الإسرائيلي مع منظمة التحرير الفلسطينية. وفي عام 2005، وبمباركة من شارون، بسطت حماس سيطرتها على قطاع غزة حيث قتلت العشرات من كوادر منظمة فتح، ومنذ سنة 2014، لا يوجد أي حوار، عدا ما تعلق بالجانب الأمني، بين السلطة الفلسطينية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
كما يجب ألا ننسى أن شهر يوليوز المنصرم عرف احتجاجات واسعة ضد حركة حماس في غزة أسفرت عن اعتقال وتعذيب المئات من المواطنين.
كل هذا التوحش الذي نراه اليوم لم يكن إذن سوى مسألة وقت، ومعه انتقلنا من الاستهانة Sous-estimation إلى تضخم الردSurréaction ، أي بعد أن حصل ما لم يكن منتظرا من حركة حماس، ما هي درجة العنف المتوقعة من الحكومة الإسرائيلية؟

ثمة حكمة تقول: “عين بعين ويصير الجميع أعمى”. ولقد أثبت تاريخ هذا النزاع -كغيره من النزاعات العنيفة-بأن أي برنامج Softwareيقوم على الثأر والانتقام لا يزيد إلا في تفاقم التطرف والعنف.
لسنا بحاجة –أو ربما نعم-أن نُذكِّر بأن دور أية حكومة هو حماية مواطنيها وليس الانتقام. من أجل ذلك، نحتاج إلى رجال دولة يفكرون في الأجيال القادمة لا إلى سياسيين انتهازيين لا يفكرون إلا في الانتخابات القادمة على حساب مزيد من التطرف كما يحصل في إسرائيل في السنوات الأخيرة.

بعد كل هذا، ما هي السيناريوهات المنتظرة الآن؟
-أولا: أن تستمر الحكومة الإسرائيلية في قصف قطاع غزة لمدة محددة لإسقاط أكبر عدد من الضحايا وتبين لشعبها الغاضب بأن عدد القتلى الفلسطينيين يفوق بكثير عدد الإسرائيليين، تليه باقتحام بري محدود للوصول بعد ذلك مفاوضات من أجل تبادل الأسرى والرهائن.
-ثانيا: أن يتم تغليب فكرة الاقتحام الشامل حتى القضاء بشكل نهائي على حماس والسيطرة على قطاع غزة. القضاء عل حماس لا يعني أبدا القضاء على الإيديولوجيا التي تقوم عليها هذه الأخيرة، وما لم يتم إنصاف الشعب الفلسطيني ومنح أبناءه الحق في الحلم والمستقبل فسيأخذ آخرون مشعل المقاومة وهو ما عبر عنه أيضا الراحل محمود درويش حين قال: “وسيولدون ويكبرون ويُقتلون، وسيولدون ويولدون ويولدون”. ثم هذا السيناريو يتطلب وقتا طويلا ويعني سقوط عدد كبير من القتلى من الجيش الإسرائيلي الذي سيجد نفسه مرغما على قتال الشوارع والأنفاق فضلا عن التضحية بالرهائن والأسرى. أيضا، هناك احتمال كبير بأن يتدخل فاعلون آخرون، محليون ودوليون، تدخل من شأنه إقبار اتفاقيات أبراهام التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية -والتي كانت تنتظر انخراط المملكة العربية السعودية-وإعادة بناء موازين القوى في الشرق الأوسط.
وعلى العموم، كيفما كانت طبيعة وحِدَّة التدخل الإسرائيلي في قطاع غزة، فإن حلقة العنف الجديدة قد أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث الدولية، كما أنه من الملفت للنظر أن الاصطفافات الدولية إزاء هذه الأزمة الجديدة-القديمة تكاد تحاكي نفس اصطفافات الحرب الروسية-الأوكرانية. هذا يعني أن العالم تغير كثيرا وبأن الغرب فقد سيطرته الحصرية على السياسة الدولية وبأن الحلول أضحت أكثر تعقيدا.
تراكُب هاتين الحربين يؤكد الأطروحة القائلة بأن الحرب الجديدة تطرد الحرب القديمة ولا يخفى على أحد أن هذا النزاع الجديد يخدم مصالح روسيا التي تجمعها مصالح عسكرية كبيرة مع إيران التي تُعد أحد الداعمين الأساسيين لحركة حماس.
إن تلاقي مصالح عدد من الفاعلين الدوليين الجدد في هذه الحرب الجديدة في عالم يعيش فورة إعادة التشكل جيوسياسيا يُنذر باستدامة هذه الحرب، بطابعها المعولم والمدمر إذا ما أطلقت الولايات المتحدة العنان لحكومة ناتانياهو للوصول بثأرها إلى أبعاد كافكاوية.
أيضا، هذا النزاع قد جعل إلى الأبد صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي مرادفة لذلك الزعيم الذي لم يستطع حماية شعبه وضمان أمنه، أي أسوء صورة لزعيم سياسي في بلد مؤسَّس حول عقيدة أو وهم الأمن.
أمام هذا التصعيد الخطير، ومن أجل اجتناب أسوء السيناريوهات بالنسبة للجميع، نتساءل من هو الوسيط الأمين The honest broker المقبول من طرف الطرفين المتحاربين.
ليس ثمة شك بأنه بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي الضغط على الحكومة الإسرائيلية لخفض مستوى العقاب الجماعي الهمجي وغير المبرر. لكن من أجل التوسط لإيجاد الحلول، نعتقد بأن قطر المُنخرطة منذ سنوات في لعبة من ثلاث أضلع (إسرائيل-قطر-حماس) والتي تتكلف بأداء أجور الموظفين في غزة وإعادة إعمارها بعد كل قصف إسرائيلي يمكنها القيام بذلك. أيضا، نعتقد بأنه بإمكان دول أخرى مثل مصر، المغرب، تركيا وألمانيا أن تقوم بمثل هذا الدور الهام ل:
*على المدى القصير:
-إقامة ممر إنساني آمن لإيصال الأغذية والأدوية لساكنة غزة التي تجد نفسها بين مطرقة الحصار الإسرائيلي وسندان ديكتاتورية حركة حماس.
-فرض القانون الإنساني للحرب.
-تبادل الأسرى والرهائن.
-إيقاف مسلسل التطهير العرقي ومشروع التهجير القسري لأهل غزة مستقبلا إلى صحراء سيناء الذي ترفضه مصر مؤقتا ولا ندري إلى متى ستصمد أمام الضغوطات الدولية وما هو الثمن من أجل ذلك.

*على المدى المتوسط:
الرجوع إلى طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى حل نهائي لهذا النزاع، إما حل الدولتين كما تنص على ذلك اتفاقية أوسلو أو حل شعبين في دولة واحدة، ديمقراطية وعادلة. هنا، وجبت الإشارة إلى أن اتفاقيات أبراهام لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح الشعب الفلسطيني عموما وأهل غزة خصوصا ولهذا وجب إعادة هيكلتها بما يخدم هذه المصالح. في هذا السياق، يملك الاتحاد الأوروبي، إن أراد تقليص احتمال انتقال هذه الأزمة إلى داخل دوله (وقد رأينا كيف بدأت تداعياتها في فرنسا وبلجيكا)، العديدَ من الأدوات لتسهيل المفاوضات هذه المرة بطريقة جادة: أولا، لأنه الجهة التي تقدم أكبر دعم مالي لفلسطين (بما فيها غزة)، وثانيا، لأنها أكبر شريك اقتصادي لإسرائيل.
لكن من أجل ذلك، وجب أولا التوفر على مُحاوِر فلسطيني ذي مصداقية وأعتقد أن مروان البرغوثي، الذي يقبع منذ سنوات طوال في السجون الإسرائيلية دون أن أي دليل على ضلوعه المادي في أية عملية اغتيال أو تخريب، هو الشخص المناسب الذي بإمكانه تحريك الخطوط وتحقيق تقدمات وتفاهمات بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وعلى سبيل الختم، لا أجد أفضلَ من مقطع من قصيدة لدينو فيراكيس Dino Ferakis(المغناة من طرف خورخي ضيكسليرJorge Dexler )، ترجمتُها من الإسبانية مع بعض التصرف، في انتظار أن تخرج من رحم هذا الزلزال منابع زُلال صافية، ومن هذا البركان جُزُر سِلم وتفاهم جديدة. كلام أُوجهه للمتطرفين من كلا الطرفين الذين لا يرعوون في استعمال السجلات والرمزية الدينية من أجل إلغاء الآخر واستدرار العنف.
تقول القصيدة:
أنا مسلم يهودي يعيش بين النصارى
أنا من المؤمنين الصادقين الحيارى
وربي لا أدري من هو ربي ولا من هم إخواني
كل الموتى أمواتي وأحزان ذويهم أحزاني
الحرب يا خِلُّ لا غالب فيها ولا مغلوب
ليس هناك إلا الألمُ
بئس المدرسة مدرسةُ الحروب
يهمني الوجه لا يهمني القناع
أنا لن أتجند في أي جيش يهُمُّني الوئام
وليست الراية وطنا، ولا أين ينتهي الكلام

لنتمنى !

هيئة التحرير17 أكتوبر، 2023

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *