علاقات مدينة تطوان بباديتها وبالداخل (2)

وكان التوتر في العلاقات بين المجالين يظهر كلما تقوى التفاوت بينهما لاسيما وأن سكان المدينة كانوا معفين من الوظائف والخدمات والكلف الإضافية، وكانوا في وضعية متميزة تجعل ترواثهم في تنامي، ولا تفرض عليهم سوى الزكوات والأعشار وبعض الأمكاس. زيادة على ذلك، فالمدينة بالنسبة للبادية هي مقر القائد المخزني الذي تعزز سلطته قوات من العسكر الذين يتدخلون كلما اقتضت الضرورة للحفاظ على الطاعة واستخلاص الوجيبات من القبائل. وعندما كان القائد أو الباشا يمارس العنف الجبائي على سكان الجبال فإنهم يعترضون على سلطته، وهكذا ثار الجبليون بزعامة محمد بو الليف على الباشا أحمد بن علي بسبب الضرائب القاسية والتكاليف التعسفية التي كان يجبيها منهم بصرامة شديدة، بل إن الباشا المذكور كانت عنده قبيلتان من أهل الجبل محررتان لأجل السلاق للصيد. وتبعهم في الثورة أهل تطوان، وقد مهدت هذه الإنتفاضة لإبرام تحالف ضمني فرضه شعور الطرفين بالخطر المحدق بهما والمتمثل في جيش الباشا المذكور.

ولكن يظهر أن هذا التحالف كان هشا وظرفيا، وأن الجبليين قد أخلوا به ربما بعد غياب شخصية زعيمهم أبي الليف الذي كانت له علاقات وطيدة ومصلحية مع بعض أعيان تطوان. فقد ورد في مخطوط عند المؤرخ داود أن الفقيه عمر لوقش الذي انتدبه أهل تطوان قائدا عليهم، كتب إلى جيرانهم من القبائل الجبلية عدة مرات يحرضهم على قتال قوات الباشا ويحثهم على الوقوف بجانب أهل تطوان:«… وها نحن بعثنا إليكم ما يزيد عن نصف قنطار من البارود وقفة من الرصاص لتستعينوا بذلك على قتال عدوكم… ولا نظن أحدا من القبائل يعينه علينا لأننا ما أعناه على أحد منهم بل أعناهم عليه في حضرة السلطان… وقلنا لا نتركه لهذه القبائل يهلكها فقاتلناه، لكن تخاذلوا في ساعة لا ينفعهم فيها التخاذل… وقد كنا إنتقدنا عليكم إعراضكم عنا وعن نصرتنا لما حل بديارنا وأنتم جيراننا وإخواننا والآن فأصدقوا القتال وقفوا موقف الرجال…». إلا أن الجبليين كانوا قد سئموا القتال بسبب إنقطاع مواردهم وضعف أحوالهم وتزايد الخسائر في صفوفهم، فاستكانوا إلى المهادنة والصلح مع الباشا، بل إنهم قبضوا على أحد أعيان تطوان وسلموه للباشا كما سبق لنا، فتحولت العلاقة بينهم وبين الأهالي إلى المواجهة، فقد وجه عمر لوقاش سرية إلى واد الزرجون بناحية الحوز فتلقاهم أهل القبيلة بالمقارع «فهزموهم حتى أن الواحد من أهل وادي الزرجون يقبض عشرة

من أصحاب عمر… فأخذوهم أسارى.. وربطوا أعناقهم بالحبال والخيطان..». وصادف القائد محمد بن عمر لوقش عند توليته عام 1751 القبائل قد ألفت الثورة وعدم الإنقياد للطاعة، فكان يخرج لمن عصاه من أهل الجبال بنفسه فيقابلهم ويقهرهم، وكان يخير رؤساءهم بين أن يرتحلوا لسكني تطوان فيتكفل بمؤونتهم أو يلزموا حدهم في دورهم، فعليهم منه الأمان التام، ومن أبي إلا العصيان خرج عليه بنفسه.

ولقد إقتضى أمر النظام وإستمراريته تواجد السلطة المخزنية التي تتدخل لأغراض المحافظة على الأمن وضمان الإنصياع لحكم السلطان ومقتضيات أوامره. وإذا كان الوجود المخزني يتمثل في شخص قائد تطوان الذي كان يعين في غالب الأحيان على رأس قبائل المنطقة، فإن أمر هذه الولاية كان يخضع في الغالب أيضا لما تقتضيه ظروف المنطقة أو ما يرتبط بشخصية القائد نفسه، ولنا في شخصية الباشا أحمد بن علي والقائد عمر لوقاش مثال بارز، بينما نجد في فترة السلطان سيدي محمد بن عبد الله والتي أعقبته أن شأن الولاية غدا يخضع لموجب مصلحة السلطان، وهكذا، وبعد موت هذا الأخير، فإن القبائل الجبلية اتجهت لمبايعة من تصاهر معها من أبنائه، فبعد اختفاء مولاي اليزيد فإنها تعصبت لأخيه مولاي سلامة، وبذلك دخلت في الصراع مع تطوان التي رضخت لطاعة مولاي سليمان الذي بايعته فاس، وانحاشت قبائل بني حرشان وبني مصور وجيل حبيب وبني يدر لجانب سلامة، فأتى بها واقتلع أشجار تطوان وحاصرها لمدة ثلاثة أشهر ونصف، وفيها أخوه مولاي الطيب الذي ولاه السلطان سليمان سنة 1208 /1793 على قبائل الجبل وفوض له أمر الثغور.421 وفي منتصف فبراير 1794 وقعت أحداث في مرتيل إذ تعرض الحصن الواقع عند مدخل النهر للمحاصرة من قبل أعداد من الجبليين الذين هاجموا العسة واستولوا على الحصن، وكان غرضهم هو نهب مخازن المؤن وسلب المراكب الراسية بالنهر، فاستولوا على بعض المراكب الإسبانية التي دخلت إلى النهر وأضرموا فيها النيران، وقد أخبر أحد العملاء ويدعى الطيب امقشد نائب القنصل الإسباني أنطونيو سلمون بأن تصرف هؤلاء الجبليين تم باتفاق مع بعض أهل تطوان الذين كانوا يعارضون حكم العامل محمد بن عثمان، والذين حرضوا الناس على نهب دار السكة والقيام بأعمال الشغب، إلا أنه تم القبض على متزعمي هذه الفتنة. وكان السلطان مولاي سليمان قد أرسل أخاه مولاي الطيب إلى تطوان ومعه قائد العرائش عبد الله القطراني في ستمائة فارس لمعاقبة الجبليين، ووقع القتال بين محلة السلطان وبين جبالة أهل حوز تطوان في موضع النخلة بدار بن قريش، مع بني حسان وبني حزمر وبني سعيد وبني يدر، وخرج قائد تطوان حمان الصريدي في ألفين من الرماة من أهل تطوان، ودارت المعركة في يوم 21 ربيع الأول عام 1795/1210 «فانكسرت جبالة ورجعت أهل تطوان على تلك الدشور وحرقوها ونهبوها وقتلوا منهم ما لايحصى، وفحشوا في نسائهم وزنوا بصبيانهم، ووقع بهم حدث كبير حتى كان كان الجبلي إذا دخل تطاون يقولون له شمل».

منشورات جمعية تطاون أسمير

تطوان في القرن الثامن عشر “السلطة- المجتمع – الدين”

للكاتب عبد العزيز السعود

بريس تطوان

يتبع…

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *