سارة بنت أحمد الحلبي:
هي سارة بنت أحمد بن عثمان ابـن الصـلاح الحلبيـة مـولـدا المغربية دارا، كانت لها مكانة مرموقة في الأدب، أصـلـهـا مـن الشـام دخلت سبتة عـن طـريـق الأندلس، في أواخـر المائـة السـابعة قـال ابـن القاضـي في ترجمـة ابـن سـلمون: “ولقـي بـفـاس الأستاذة الأديبـة الشـاعرة سارة الحلبية، وأجازتـه، والبسـته خرقـة التصـوف، وأنشدته قصـيـدة مـن شـعرها وأورد طائفـة حسـنـة مـن شـعرها، ثم أفـرد لها ترجمـة طويلـة قـال فيها: إنهـا دخلـت الأندلس ومـدحت أمراءهـا، وقـدمت علـى سـبتة في أواخـر المائـة السـابعة، فمـدحت رؤسـاءها وخاطبـت كتابهـا وشعرائها”. ولهـا محـاورات مـع الشـعراء المغاربـة كـأبي بكـر بـن البـواب وإبراهيم التلمساني والشاعر المغربي الكبير مالـك بـن المرحـل. ومـن شـعرها وهي تخاطب مالكا:
يا ذا العلا يا مالكي *** أنعم علــي بمالك
العالم المتفــــــــــن *** البحر المحيط السالك
يا نفس إن جاد الزما *** ن به بلغـت منالك
ولطالما قد نلت ما *** أملـت من آمالك
فأجابها مالك ابن المرحل بقوله وذلك بمدينة سبتة
يا ندرة الدنيـا *** حزت العلا بكمالك
جمعت لك الآداب *** حتى إنهن كمالـك
وملكت أفئدة الورى *** فالناس فيك كمالـك
إن قايسوك بمالـك *** ألفوك أملك مالـك
فلما وصلها خطابه أجابته بهذه الأبيات:
ورد الخطاب فسرني مضمونه *** ووددت أني في الفؤاد أصونه
واشتقت كاتبه كما اشتاق الكرا *** من لا تنام من الغرام جفونه
وكتبت إلى مالـك بـن المرحـل رسـالة هـذا نصها: وصلتني أبيـات سـيدنا أبقى الله مطلع سعادته، ومجمع سيادته، ومنبـع كـل حسـن وريادته، فكـان ألذ مـن الأمـن عنـد الخـائف، والانقيـاد مـن الخـل المخـالف، فنشـقت مسكها المختـوم، وحليـت بـصـري وبصيرتي مـن درهـا المنظـوم ووشـيها المرقـوم، فرأيـت مـن السحر، مـا طـوق التحـر، ومـن البيـان مـا أخـرس اللسان، ومـن بـديع المعـاني مـا ألـكـن ابـن هـانئ، وأبكـم الـكـنـاني، ولـو رآه قـس بـن سـاعدة، لطلـب منـه المساعدة…
إلى أن قالت: ومـع مـا أنـا فـيـه مـن مـكـابـدة المتاعـب، ومجاهدة النوائب، وفراق الأهـل والـولـد، وقلة الصبر على ذلك والجلد، فإن لسـاني رطـب بشكر الله تعالى على مـا مـن عـلـي بـه مـن وصـولي إلى هذه البقعـة الشريفة، والبلـدة المنيفـة، فطالمـا شـوق سمعـي وشـنف بصـري مـن محاسـن هـؤلاء السـادة، منبـع الجـود والمحـادة، الذين اختصـهم الله مـن بـيـن الأمـم، وجعلهـم مصابيح الظلـم، وحـولهـم أعـلا المراقـب، ووهـبهـم أسـنا المواهـب حـتى طـاوعتهم الأقـدار، وتشـوقت إليهم القلوب والأبصـار، وامتدت إلى ظلهـم الظليـل الأمـال القصـار،… وبعـد فإن وصـل إلى سيدي حصلت على أجـل فـائـدة، وانـدرجت إلى مسرات كثيرة في واحدة.
ويبـدو مـن شـعرها ورسالتها أن سارة الحلبيـة غـلـب عليهـا الشـعر وكـانـت حسنة الكتابة وحسن الكتابة، هـذا نعـني بـه جـودة الإنشـاء وبراعـة الأسـلوب، وقـد صـدر منها في مالـك مـا يـدل على صـداقة ومـودة، وتقدير له وإعجاب به وبعلمه.
وكتب لها إبراهيم التلمساني أبياتا من الشعر هذا مطلعها:
فلاحي أن أرى بنت الصلاح *** فأحظى باقتراب واقـــــــــراح
فإن تسمح أنل حظا جسيما *** ومن لي أن تعامل بالسماح
فأجابته قائلة:
وقفت على معانيـها الملاح *** فكان ورودها للهـم صـاح
فإن يكن الصلاح بأن تراني *** ففي مـرءاك لي أوفى الصلاح
ومما مخاطبـت بـه أمـير سبتة الفقيـه أبـا حـاتم أحمـد بـن محمـد العـزفي وذلـك عنـد قـدومها عليـه بسـبتة في أواخـر القـرن السابع الهجري/ الثالث عشـر الميلادي:
بشراك يا نفس تلـت السؤال والأملا *** وعاد دهرك بعد الجور قد عـدلا
ونلت ما كنت طــــــــول الدهر تأمله *** وعنك أضحى العنا والبؤس مرتحلا
وقد وصلت إلى بحر الندى علم الهدى *** أبي حاتم ابن الســـــــــادة الفضلا
إلى أن قالت :
هو الذي صدره للعلـــــــــــــم منشرح *** وأودع الله فيه علم ما جهـلا
مولاي جئتكم للفضل قاصــــــــــدة *** عن صقع أرضكـم لا أبتغي بدلا
فإني امرأة جرعت من زمن يصابا وكان شرابي قبل ذا عسلا
ولها قصيدة أخرى مدحت فيها ابن رشيد السبتي وهذه بعض أبياتها:
وافي قريض منهم قد غدا *** لبعض أوصافكـــــم ذاكرا
یا ابن رشيد يا أخا الرشد يا *** من لم يزل طي العـــلا ناشرا
خذها فدتك النفـــــــــس يا سيدي *** وكن لمن نظمهـا عاذرا
لم تستطع أنثى بتقصيــــرها *** بأن تجاري ذكرا ماهـرا
لازلت تحيي من شوم العلا *** ما كان منها قبلكم داثرا
صفية العزفية:
هي الأديبة العالمـة صـفية العزفيـة السبتية مـن بيـت العـزفيين، ولاة سبتة المعروفين، “وهـي مـن فـضـليات نسـاء عصـرها في العلـم” وقد مدحتها الأستاذة الأديبة الشاعرة سارة بنت أحمد الحلبي بقصيدة قالت فيها:
ولكن بمن أضحت وحيدة عصرها *** نسيت من الأشواق ما جل أودقا
ومن مثل ذات العلم والحلم والنهي *** لقد سار الشمس مفخرها الأرقى
لقد سار الشمس فخـر صـفيـة *** ونور إشراقاً لها الغرب والشرقـا
عائشة بنت ابن الجيار الطبيبة الصيدلانية:
الطبيبة عائشـة ابنـة محمـد بـن الجيـار محتسـب مدينة سبتة. فخـلال حكـم المـرينيين للمغرب، ازدهـرت العلـوم بفضـل الـدعـم الـذي كـانـت تقدمـه السلطة الحاكمـة وخاصـة أبـا الحسـن وأبـا عنـان اللـذين كانـا يتنافسـان في العمـــران ودعـم العـلـوم وأهلهـا، فانتشـرت في عهـديهما البيمارستانات وبكـل ربوع مملكتهما، وازدهرت العلوم الطبية وانخرط فيها الرجال والنساء.
عائشة بنت الجيـار دخلـت عـالم الطـب وتفوقـت فيـه وكـان معلمهـا هـو صـهرها محمـد الشريشي، تعلمـت منـه علـم الطـب وأسرار الأدوية والعقاقير والمياه وعلاماتها.
وبسبب علمهـا الكبـير وسمو أخلاقهـا ائتمنهـا سـلاطين بـني مـريـن علـى صـحـة حـريمهم، لقـد ذاع صيتها في أرجـاء الدولة المغربيـة ولم يبـق محصـورا في مدينة سبتة فقط، وانتشر اسمها في قصـور الأمـراء، وكانوا يغدقون عليهـا الهـدايا والتحف نظير ما تسديه لهم من خدمات ومقابل حرفيتها البالغة.
وإلى جانـب علمهـا تميــزت عائشـة بسـمو أخلاقهـا وبنشـاطها الاجتماعي، فهي لم تكـن معزولـة عـن مجتمعهـا بـل كـانـت تـخـدم أبنـاء بلـدها بعلمهـا وبمالهـا الـذي كسبته. عمـرت الطبيبـة عائشـة طـويلا وتوفيـت عـن عمـر ناهز السبعين سنة.
عائشة وأختها أمة العزيز :
عائشة بنت الحافظ ابـن رشـيـد السـبتي وأختهـا أمـة العزيز اللتـان اسـتجاز لهما والدهما المشايخ.
خاتمة:
لقـد سـجـل التـاريخ الإسلامي نبـوغ المرأة السبتية وإسهاماتها المتميزة في حقـول العلـم والمعرفة، في وقت لم يكـن فيـه للمـرأة في المجتمعات الأخـرى، أي إسهام يذكر في أي حقل من حقول النشاط العقلي.
إن هـذه الحقائق التاريخيـة تشـير في نفوسنا الاعتزاز بإسهامات المرأة المسلمة في بناء الحضارة العربية الإسلامية، وتحفزنا إلى تمكين المرأة المعاصرة مـن ولـوج ميادين العلـم والنبـوغ فيهـا كـافـة، وتوظيـف قـدراتها لدعم التنميـة الشاملة في مجتمعاتنا الإسلامية، وبذلك يتحـدد هـذا الإسهام العلمي للمرأة المسلمة الذي تميزت به الحضارة العربية الإسلامية عبر العصور .
وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين
الكتاب: السنة النبوية في سبتة العالمة
الكاتبة: للدكتورة نسيبة الغلبزوري أستاذة التفسير وعلومه بكلية أصول الدين بتطوان
بريس تطوان
Laisser un commentaire