مدينة المفارقات المكبلة بعراقيل سياسية وتشريعية واقتصادية وعمرانية
• مدينة المفارقات
منطقة تطوان . طنجة هي منطقة حدود تستقطب عددا من مشاكل المناطق المغربية الأخرى، مما يجعل وضعيتها الاقتصادية والاجتماعية الراهنة في غير المصلحة الوطنية، لأن الدولة لا تستفيد منها من الناحية الاقتصادية والمالية، ولأن سكان هذه المدينة يعيشون وسط بحر من الجمود الاقتصادي واليأس الاجتماعي والفقر والتشرد، ومن جانب آخر فإن هذه الوضعية ليست في صالح إسبانيا المجاورة ودول السوق الأوربية المشتركة، لأن هذه الأوضاع التي توجد على بعد أقل من ستين كيلومترا من الجزيرة الإيبيرية تتناقض مع الازدهار الاقتصادي الذي تعرفه إسبانيا، مما يشكل حافزا للهجرة، نتيجة تصور خيالي لإسبانيا بصفتها فردوسا، وهي صورة خاطئة تساهم وسائل الإعلام كالقنوات التلفزيونية الإسبانية في تكوينها وتشكيلها.
إن أي حل لمشاكل تطوان الاقتصادية، يجب أن يبدأ بطرح مشاكل البطالة وإنعاش الاستثمارات، ثم تهيئ الظروف المناسبة لانطلاقة التنمية الاقتصداية على أرض الواقع، وليس على المستوى الخطابي فقط كما هو الحال الآن، وفيما يلي بعض المشاكل التي يجب طرحها في هذا السياق:
أولا، هناك عراقيل سياسية وتشريعية أمام التنمية الاقتصادية للمنطقة. لذلك لا يمكن الآن سياسيا وتشريعيا للسوق الأوربية المشتركة أن تستثمر في تطوان، هكذا يلاحظ أن جميع المشاريع التي تمولها السوق الأوربية تنحصر في مجال دعم الجمعيات المهتمة بالطفل والمعوقين والمرأة والتكوين المهني والتدخل المحدود في ترميم البنايات القديمة. وما دامت هذه العرقلة موجودة، لا يمكننا أن نعلق الآمال في الإنعاش الاقتصادي للمدينة.
ولا يمكن تبرير هذه الوضعية من الناحية السياسية والاقتصادية لمدينة تطوان، للاعتبارات التالية:
أ ـ تتعرض صورة المغرب إلى تشويه فظيع يعانيه الوافدون مع أول بوابة على أراضيه بسبتة، وتعد مصلحة الجمارك والأمن بباب سبتة من مظاهر الفساد والتخلف ببلادنا، فعلاوة على سوء التنظيم في استقبال وتوديع المسافرين، هناك أعمال تخل بحقوق الإنسان (مثلا ما حدث مؤخرا للشاب المغربي الذي أحرق نفسه بعدما تم حجز بضائعه المهربة). وليس السفر جنوبا من تطوان أسهل من عبور الحدود إلى سبتة، نظرا لكثرة الحواجز في الطريق بين الفنيدق وتطوان، أو بين تطوان وطنجة والعرائش . علاوة على مساهمتها في حوادث السير.
ب . توجد تطوان في المنطقة التي تم تزويدها بالطاقة الكهربائية من إسبانيا، كما يمر عبرها الغاز الجزائري في طريقه إلى إسبانيا وأوربا. والمفارقة أن توجد بالمنطقة التي المدينة لا تستفيد من هذه الوضعية في تنميتها الاقتصادية.
ج . توجد تطوان ضمن المثلث طنجة . تطوان . العرائش، وهي منطقة الحدود مباشرة مع أوربا، حيث يمكن تنميتها بالدعم الأوروبي بتكاليف محدودة، بالمقارنة ما تلزمه حدود أوربا الغربية مع أوربا الشرقية، مع العلم أن هذه الحدود تمتد عبر مساحة تتجاوز ثلاثة آلاف كيلومتر.
د . هناك عاملان ساهما في تخريب اقتصاد مدينة تطوان من جهة والاقتصاد الوطني من جهة ثانية : تجارة التهريب وتجارة المخدرات، ولا يمكن التخلي عنهما إلا بعد خلق بديل، وهو مشروع تنموي للمدينة وللجهة، بدعم من السوق الأوربية المشتركة.
هـ . إن عرقلة التنمية في تطوان ليست ناتجة وحسب عن العراقيل التي تواجهها السوق الأوروبية المشتركة، بل تنتج أيضا عن العراقيل التي يواجهها المستثمرون المغاربة، كالمواطنين القاطنين بهذه المدينة، وكالشركات الوطنية والمستثمرين المغاربة من الدار البيضاء وغيرها من المدن المغربية. إن هذه العراقيل متعددة ومتنوعة ومتشعبة، تنطبق على القطاع الصناعي والتجاري والسياحي وغيرها من القطاعات الأخرى. كما أنها تضم المصالح الضريبية والعقارية والقضائية والبلدية إلخ.
و . إن الإدارة المغربية بتطوان تساهم بشكل فعال في عرقلة التنمية الاقتصادية، ويعود ذلك إلى القوانين المتجاوزة التي لا تأخذ خصوصية المدينة بعين الاعتبار، كما هو الشأن بقوانين المحافظة العقارية التي يعود تاريخها إلى عهد الحماية الإسبانية، على خلاف ما هو عليه الأمر بالنسبة للرسوم الصادرة في منطقة الحماية الفرنسية، مع أن تطوان توجد في نفس الدولة التي توجد فيها الرباط ومراكش.
ثانيا، عراقيل عمرانية، إذ يطرح التنظيم العمراني لمدينة تطوان مشاكل كثيرة. إذ لا يوجد تصميم نهائي للتهيئة لمدينة تطوان رغم مرور ما يقرب عن نصف قرن من الاستقلال، وتعد هذه الوضعية عنصرا جوهريا في المشاكل التالية:
أ ـ البناء السري، الذي يسهر عليه المقدم والشيخ بدل المهندس المعماري المحترف والمختص.
ب . عرقلة المسطرة الإدارية في المصالح المعنية بالبناء والعقار، إما بسبب قوانين متجاوزة أو تهاون المسؤولين الإداريين. وفي الحالتين تؤدي هذه الوضعية إلى عرقلة استثمارات المواطنين في مجال العقار والبناء .
د . من أسباب عرقلة النمو الطبيعي والعادي للاستثمارات في مجال البناء والعقار، استغلال بعض الشركات العمومية لنفوذها للاستيلاء على أراضي الخواص وإنجاز مشاريع فاشلة عمرانيا وماليا. هناك أيضا وجه آخر لهذه الظاهرة، وهو استيلاء بعض الأشخاص على أراضي الخواص.
هـ . يعتبر إهمال المنطقة الصناعية بطريق مرتيل من أهم الأسباب المعرقلة للنمو الاقتصادي، حيث تعاني هذه المنطقة من مشاكل متنوعة تتراوح بين المشاكل القانونية والإدارية لتسوية تحفيظها، ومشكل عدم وجود تجهيز ملائم للواد الحار، بما يتسبب فيه من روائح كريهة وتلوث للهواء، إلى عدم تجهيز الطرق لانتقال السيارات والشاحنات من طريق مرتيل إلى المعامل. وكذلك عدم وجود إمكانيات لنقل الأزبال من المنطقة الصناعية إلى مزبلة تطوان في طريق شفشاون، التي أصبحت معطلة الآن بسبب فشل موظفي المجموعة الحضرية في تسييرها بعد انتهاء مهمة التقنيين الإسبان المشرفين عليها منذ تأسيسها. أما المنطقة الصناعية الثانية بطريق طنجة فهي الآن ومنذ سنوات تنحصر في تلك اللافتة التي تعلن عن مشروع إنجاز منطقة صناعية مساحتها حوالي 60 هكتار.
و. من ضروريات انطلاقة التنمية في تطوان، إنشاء شبكة فعالة للاتصالات، والمدينة تتوفر على إمكانية هامة في هذا المجال، ومع ذلك فما زالت معزولة جوا وبرا وبحرا .
ويمكن القول إن التصميم الذي تم إنجازه مركزيا لتزويد أقاليم الشمال بشبكة طرقية، أهمل مصالح مدينة تطوان في هذا المجال، كما أهمل مصالح بعض المدن في منطقة الريف
مثل شفشاون والحسيمة.
ذ . تحتاج تطوان إلى طريق سيار يربطها بسيدي اليمني، ليسهل الاتصال بالرباط والدار البيضاء، والطريق السيار إلى طنجة لتسهيل الاتصال بين المدن التي توجد ضمن جهة طنجة . تطوان. أما الطريق السيار الذي يربط الرباط بطنجة ثم بالفنيدق، فسيساهم في ترسيخ عزلة تطوان ومنطقة الريف، إذ سيمكن السائح والمهاجر المغربي أن يتوجه عبر طنجة إلى باقي مدن المملكة دون المرور بتطوان، نظرا للازدحام الحاصل بينها وبين سبتة، وخصوصا بين تطوان وسيدي اليمني أو طنجة.
ليس من شأن العراقيل الإدارية في الحدود مع سبتة، أن تجلب السائح من منطقة الأندلس إلى تطوان وشواطئها وجبالها ونواحيها. لقد أصبحت السياحة في تطوان محدودة بالمقارنة مع وضعيتها منذ عشرين سنة، كما أن السواح المغاربة أصبحوا يتوجهون إلى مالقة وطوريمولينوس بدل اختيارهم شواطئ تطوان لقضاء عطلتهم الصيفية. أسباب ذلك لا تحتاج إلى الشرح. وليس هناك أي اتصال بحري بين تطوان وبعض المدن الإسبانية، مما يؤدي إلى احتكار سبتة لجميع الاتصالات البحرية مع إسبانيا، باستثناء البواخر التي تربط الجزيرة الخضراء بطنجة. أما الاتصال الجوي بين تطوان وإسبانيا فكان موجودا في عهد الاستعمار، وفي بعض الحالات الاستثنائية كالخط بين تطوان وإشبيلية خلال المعرض الدولي بإشبيلية سنة 1992. أما الآن فمطار تطوان يرتبط بمالقة، رغم إمكانية فتح خط بين تطوان والعاصمة السياحية الإسبانية، ذات الروابط مع جل العواصم العالمية، يمكن للسائح أن يسافر من برشلونة إلى فاس مباشرة إذ تحلق الطائرة فوق تطوان دون أن تنزل بها، كما أن وسائل أخرى للنقل كالقطار الذي كان يربط تطوان بسبتة، لم يتم تعويضه بعد الاستقلال، ويعتبر النقل الحضري الحالي من أكبر عناصر التلوث بالمدينة، خلافا للحافلات الكهربائية النظيفة التي كان يطلق عليها مصطلح Troly.
رغم الدراسات التي أنجزتها وكالة تنمية الأقاليم الشمالية، وتلك التي تنجزها الحكومة الأندلسية بطلب من المجموعة الحضرية لتنظيم السير بتطوان، لم يشرع في تنفيذها، وربما يعود ذلك إلى مصالح مجموعات الضغط التي تستفيد أكثر من الوضعية الراهنة التي تمكنها من نقل البضائع المهربة إلى سوق باب النوادر بفعالية. كما يعتبر امتناع أرباب الحافلات الحضرية عن الانتقال إلى المحطة التي خصصت لحافلاتهم، تحديا للمسؤولين عن صحة المواطنين والحفاظ على المدينة من التلوث والمساهمة في المحافظة على السير العادي في وسط المدينة. ويساهم تأخير نقل الإدارات الجديدة إلى المقرات الجديدة الجاهزة قرب المطار بحي الطوابل إلى استمرارية الأزمة الحضرية.
وهناك موارد طبيعية يمكن لمدينة تطوان أن تستغلها كأساس لانطلاقة اقتصادية جديدة، نذكر منها نهر المحنش . مرتيل وشواطئ المنطقة الساحلية من سبتة إلى السطيحات. كما يمكن نهج سياسة سياحية سليمة لإنعاش المركبات السياحية بالشواطئ طول السنة، إضافة إلى الحاجة إلى تنظيم السياحة الجبلية، قصد استغلال المناطق الجبلية الرائعة من الفنيدق إلى شفشاون والسطيحات. غير أن الضرائب الثقيلة تساهم في عرقلة مثل هذه الأنشطة الاقتصادية الهامة.
أما مدينة تطوان العتيقة التي اعترفت بها منظمة اليونسكو تراثا عالميا، فلم يتم استغلالها في مجال السياحة الثقافية لأسباب متعددة، كعدم التعريف بها وبمدن أخرى مثل فاس ومراكش. وقد تم القضاء بسبب هذه السياسة الرسمية الفاشلة على الصناعة التقليدية المحلية بتطوان، مثل صناعة الخزف والجلد والخشب والحديد والطرز والزرابي والزليج والجبص وغيرها من الصناعات التقليدية التي كانت مزدهرة في مدينتنا عبر القرون، والتي تم الحفاظ عليها في دار الصنائع التقليدية دون إمكانية استثمارها. لقد تحولت تطوان إلى مدينة استهلاكية تستورد المواد الغذائية الفلاحية والصناعية والبضائع المهربة.
منشورات جمعية تطاون- أسمير
“تطوان و سياسة التنمية الاقتصادية و تدبير التراث الثقافي”
الدكتور امحمد بن عبود
بريس تطوان
يتبع…
Laisser un commentaire