فاطمة الزهراء الجلاد
يشكل فن الملحون أحد الأعمدة القوية التي تشيد عليها الذاكرة الموسيقية في المغرب، باعتباره من الألوان الغنائية التراثية، التي تحظى باهتمام بالغ من لدن المستمع العربي.
وعلى رغم كون الأغنية التراثية لا تحظى بقيمة كبيرة من لدن المستمع، مقارنة مع موسيقى الراب والراي والشعبي، فإن المتتبع يجد أن الملحون له جمهوره الخاص الذي يتابعه ويستمع إلى أغانيه، بحكم السحر الذي تمارسه أشعاره وموسيقاه على أذن كل مستمع لها.
الاعتراف الدولي بفن الملحون
وإذا كان الملحون في أصله عبارة عن مجموعة من الأشعار القديمة يعاد تلحينها وغناؤها وفق أشكال مختلفة ومتنوعة من الكلمة وقواعدها وآلاتها الموسيقية، فإن هذه الأخيرة جعلت الملحون يخرج من طابعه المحلي صوب العالمية، بعد الاعتراف الدولي بهذا الفن والإرث الثقافي العريق.
تفاعلا مع هذا الموضوع، قال نسيم حداد في تصريح لـ”الأيام 24″، إن “هذا الاعتراف الدولي بفن الملحون كإرث مغربي، الذي جاء بعد الموافقة التي حصل عليها المغرب، من طرف اللجنة الحكومية الدولية للتراث الثقافي اللامادي لمنظمة اليونيسكو، على إدراج الملحون ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي اللامادي للبشرية، هو بمثابة اعتراف بإرث مغربي أصيل ورافد أساسي من روافد الهوية الثقافية المغربية، وهو ترسيخ للمجهودات التي تبذلها المملكة المغربية تحت قيادة الملك محمد السادس”.
وأضاف الفنان المغربي، أن “الاعتراف الدولي بفن الملحون، هو بمثابة حجر أساس لمجهودات داخلية، من أجل النهضة بهذا النمط الغنائي، بحيث لديه وقع كبير على مسار حياة الفنانين والممارسين، وكذلك شيوخ فن “الكريحة”، وسيكون له وقع كذلك على الفرص المهنية، وهذه نقطة مهمة، بحيث يجب طرح السؤال هنا عن كيف سيتم استثمار هذا الاعتراف الدولي بفن الملحون، والاستفادة منه كرافد أساسي للصناعة الثقافية التي يطمح لها المغرب؟”.
وأردف المتحدث، أنه “من خلال هذا التتويج الذي حظي به فن الملحون، سيتم التوجه الأن نحو الاستثمار الفني والبحث عن رؤوس أموال، من أجل استثمار فن الملحون والموروث الثقافي بشكل عام، وأيضا البحث عن آليات لتطوير هذا الإرث وإعادة تمركزه في الخريطة أو الساحة الفنية المعاصرة”.
ودعا نسيم حداد، إلى “المواكبة المستمرة من طرف الإعلام، لأنه أداة مهمة لترشيد الوعي المجتمعي ولديه قدرة للدفع بهذا النمط الغنائي المغربي العريق”.
وتابع: “يمكن أن نقول بأن هذا الاعتراف الدولي، هو فقط بداية للعمل الاخر الذي يمكننا أن نقوم به كفنانين للنهوض بهذا التراث الأصيل، ولابد كذلك من مساهمة شيوخ فن “الكريحة” في هذه النهضة، وذلك من خلال تركيزهم على الابداع المحلي، وهذا الإبداع يجب أن يكون في ظل هذه التغيرات الثقافية والفنية، التي يعيشها العالم”.
وأضاف المتحدث ذاته، “يمكن أن يخلق هذا الواقع تعطشا كبيرا في الساحة الفنية لفن الملحون، والأهم من ذلك هو أن هذا الاعتراف الدولي، يعد دفعة قوية للفنانين والممارسين، ولا بد من استثمار هذه الثقافة الفنية جيدا”.
دور الفنان في المحافظة على التراث
وأوضح نسيم حداد، أن “الفنان المغربي يبقى دائما أهم حلقة في الحفاظ على الهوية الثقافية والتراثية لأي بلد، بحيث يلعب دوار كبيرا في الحفاظ على هوية المغرب الثقافية، ولحد الآن يظل الفنان مهتما بالحفاظ على النص الشعري، والحفاظ على الجملة الموسيقية، التي من خلالها نكتشف هذا الفن الموسيقي”.
وأضاف، “عندما نتحدث الآن في سنة 2024، عن فن الملحون، نجد أن الفنان لعب دورا جد مهم في الحفاظ على الهوية الثقافية والتراثية، سواء لفن الملحون أو العيطة أو غيرها من مختلف أنماط الموسيقى المغربية”.
وتابع: “نحن فخورون أننا نمتلك توثيقا نصيا وموسيقيا، بالإضافة إلى أبحاث ودراسات حول فن الملحون، وهذا هو الدافع الذي جعلنا نصل لمرتبة الاعتراف الدولي بفن الملحون المغربي”.
وأورد نسيم حداد، أن “الفنان لديه دور آخر في إبراز مواهبه وابداعاته، للمساهمة في اشعاع فن الملحون، وذلك من خلال التفكير في كيف يمكن إعطاء فن الملحون صبغة حديثة، وتكون ملائمة دون المس بالهوية الثقافية لهذا الفن، وبالتالي تبقى الصعوبة هنا في كيفية المزج بين الأصالة والحداثة في إبراز هذا الفن الأصيل”.
مردفا، أن “على الفنان أن يبدع في فن الملحون بطريقة حداثية دون المس في أصالته العريقة، أو تشويه لجماليته، مثل ما ساهم بدوره الأساسي في نقل هذا التعبير الشفهي، حتى أصبح تعبيرا موثقا، وفنا معترفا به دوليا، أضحى عليه اليوم أن يقوم بالإبداع في تحديثه وعصرنته، دون المس بهويته، وهذا ما يمكن نسميه بالمحافظة على الهوية الثقافية والتراثية لبلدنا المغربي”.
دعم الحكومي وتشجيع الإبداع الفني
وفيما يخص الدعم الحكومي والمبادرات لتعزيز دور الفنانين وتشجيع الإبداع في مجال الملحون، قال حداد، في حديثه لـ”الأيام 24″، أن “هناك مبادرات عديدة ومختلفة من فنانين، وأيضا من غيورين على فن الملحون، وذلك من أجل تشجيع الإبداع في مجال الملحون”.
وتابع نسيم حداد، أن “عندما نتحدث عن دعم حكومي، فنحن نتحدث عن إرادة حكومية واضحة من الوزارة الوصية، وكذلك من الفاعلين في الحقل الفني، وهذا من أجل الاشعاع بفن الملحون خاصة وبالفن المغربي عموما، والدليل على ذلك، الاعتراف الدولي لمنظمة اليونيسكو بفن الملحون، ولم يأتي هذا الاعتراف صدفة، بل كان ثمرة لمجهودات كبيرة وإرادة حكومية، وكذلك بدعم من دراسات وأبحاث كثيرة، ساهمت في تحضير ملف متكامل من أجل عرضه امام منظمة اليونيسكو، ليحظى هذا الإرث الثقافي بشرف الإدراج ضمن قائمة التراث اللامادي”.
وأوضح المتحدث، أن “الأن أصبح من الواجب البحث عن رؤوس أموال للاستثمار في هذا الفن، بدل الحديث دائما عن الدعم الحكومي والمبادرات الفردية، ويجب أن تكون هذه الاستثمارات موثوقة، وعلى ثقة كبيرة بإشعاع هذا المجال الفني، لأن الاستثمارات هي من تملك القدرة على تشجيع الابداع، سواء في مجال الملحون أو غيره، ولا بد من مشاركة الفنانين في هذا التوجه، بالإضافة إلى العمل على تغيير تلك النظرة النمطية والكلاسيكية للفن المغربي”.
التحديات التي تواجه فن الملحون
وأبرز نسيم حداد، أن “من بين أهم التحديات التي يعيشها فن الملحون والفن بشكل عام، هي العولمة، بحيث أصبحنا الأن أمام عالم منفتح، وأمام وجهات عالمية وثقافية مختلفة، والأصعب من ذلك، أنها نابعة من صناعات فنية وثقافية متطورة، وهذا يشكل تحدي كبير بالنسبة للفن المغربي”.
وأضاف، أن “الضغط الذي تمارسه الأسواق التجارية على الجانب الإبداعي، بحيث تبحث دائما على الربح السريع، وهذا قد يؤثر على الجانب الإبداعي للفنان، وأيضا من أكبر التحديات التي تواجه الفنانين والمبدعين في هذا الفن التراثي، سواء الملحون أو غيره، هي الهجرة للأذن المستمعة، بحيث لدينا أذان صاغية جيدا، لكنها متشبعة بثقافات أخرى، خاصة الأذان الشابة، إذ أن الشباب اليوم، يتشبع بثقافات فنية خارجية مختلفة، وربما قد تؤثر على طريقة الاستمتاع التي تخلق هوة بين الفنان والمستمع”.
وأكد الفنان المغربي، على أن “هناك حركات اجتماعية مستمرة، يجب عدم الإغفال عليها، لأن شباب اليوم أو أطفال اليوم، هم أباء الغد، ودائما هم الناقلين لأي نمط فني كيف ما كان، وبالتالي، للتغلب على هذه التحديات لا بد من ترسيخ مناعة فنية لذا الشباب، والتربية على حب التراث المغربي الأصيل مثل حبهم للوطن”.
وأورد، أن “هناك تغيرات كبيرة في طرق ووسائل البث والتوزيع، وبالتالي يجب أن تكون هناك مواكبة مستمرة، مع وجود تقنيات حديثة، خاصة مع وسائل التواصل الاجتماعي، من أجل إشعاع هذا النمط والحفاظ على الموروث الثقافي المغربي والتسويق له، ولا ننسى الدور الذي قامت به أكاديمية المملكة المغربية في صيانة تراث الملحون، والتصفيق لها على العمل الذي قامت به تحت تأطير الملك محمد السادس، وبالتالي يبقى الدور الأن فقط على عاتق الممارسين والفنانين، والفاعلين الجمعويين، والفاعلين في الحقل الفني كذلك، من أجل صياغة ورقة عمل لإدخال فن الملحون كصناعة ثقافية فنية، والحفاظ عليه”.
Laisser un commentaire