الإمام ابن رشيد السبتي وعنايته بالإسناد للدكتور بدر العمراني (2)

2-الاهتبـال بـالعلو: أي علـو الأسانيد، وفي ذلك يقـول في كتابـه إفـادة النصـيـح عـن أبـرز المسندين بسبتة في عصره: (وكـان ممـن هـو مـن أسـنـد شـيوخ بلدي، الذين أدركهـم مـولـد ولـدي، وأشـهـرهـم ثقـة وعدالـة وأحسنهم سمتـا وصمتا، الشيخ الفقيه الفاضـل العـدل أبـو فـارس عبـدالعزيز ابن الفقيه المحـدث الراويـة العـدل المتقن السـري المـوثر أبي إسحاق إبـراهيـم بـن عبـدالعزيز بن أحمـد بـن عبـدالرحمن الجزيـري المحتـد، نسبة إلى جزيـرة شـفر، ومـن صـدورها وأعيانهـا، التلمسيني المولد، السبتي الاستيطان، مـد الله مدته، ووصـل عـزتـه. وظفرنـا مـن سماعـه لصـحيح البخـاري بإسناد لا نظير له في بلاد المغرب، جلالـة رجـال واتصال سماع، وعلق صفة، مع أنه لا يخلو من علو مسافة.

ولقـد كـان أبـوه أبو إسحاق لمـا جـبـل عـليـه مـن حـب السـنة والعنايـة بكتـب الحـديث وكتبه، وروايتـه وتقييـده وضبطه، رغبه في السماع قـديما، وبـارك الله في عمره حتى غد سماعه من العالي؛ إذ راهق قدم سماعه الستين.

وقـال أحمـد بـن عمـير الدمشـقي، وكـان مـن أركـان الحـديث : إسناد خمسين سنة من موت الشيخ إسناد علو.

فرغبـت إليـه في سماعـه عليـه، وإسمـاع بـي محمـد، هـداه الله تعـالى فأجاب إلى ذلك، والله يبقيه ويقيه).

3-التعريـف بإسناد صحيح البخاري: أي: كتـاب : الجـامع المسند الصحيح المختصـر مـن أمـور رسـول الله صلى الله عليـه وسـلم وسننه وأيامـه للإمام الحافظ أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخـاري مـن خـلال كـتـاب إفـادة النصيح، الذي اعتـنى فيـه بحلقات إسناد الجامع الصحيح، تعريفـا وتبينـا، وقد أورد فيـه سـبع حلقات، علاوة على القرائن اكتنفـت بعـض الحلقات، وهـو مـا أشار إليه في مقدمة الكتـاب بقوله: (فرأيت أن أجمـع هـذا الجـزيء برسمه، وأسمه بوسـمه، وأعـرف بـني سلسلة إسناده حلقـة حلقة، والله ينفـع بالقصـد في ذلك).

4-التحقيـق في بعـض القضايا الإسنادية: مثـل مـا يتعلـق بالســند المعنعن، والخلاف الواقـع في شـرطه بين الإمامين البخاري ومسلم، ولأجـل ذلـك حـرر موضـع الخـلاف، وفصـل الحـق فيـه في كتابـه المـاتع، الموسـوم ب: السنــن الأبـين والمـورد الأمعـن، في المحاكمـة بـين الإمـامين في السـند المعنعن، والـذي قـال في مقدمتـه: (فإنـه جـرت لي مفاوضـة مـع مـن أيـق بـجـودة نظـره وأتحقـق صـحة تصـوره، وهـو صـاحبنا الفقيه المتفــن الأبـرع أبو القاسم القاسـم بـن عبـد الله الأنصاري، حفظه الله وأبقـاه، لإفادة العلوم، وإظهـار مـا بـطـن مـن الفهـوم، في المحاكمة بين الإمامين: أبي عبـد الله محمد بن إسماعيـل البـخـاري أمير أمـراء صنعة الحديث، الموقر حظـه، المحـزل قسطه، مـن فـهـم دقائق المعـاني الفقهية والحديثيـة، وغوامضهما، ومبهماتهما، في المذهب المشهور المأثور عنـه، وعـن غـيـره مـن أيـمـة الصنعة، مـن شـرط ثبوت اللقـاء أوالسماع في حمـل الإسناد المعنعن على الإتصـال، ونفي الإنقطـاع والإرسال، وتلـوه تلميذه أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري خليفته في هذه الصناعة، والحامـل فيهـا بعـده لـواء البراعـة، رحمهما الله، وجزاهمـا عـن نـصـحهما للإسلام خير الجزاء، وقسـم لهمـا مـن مـذخور الأجـر أوفر الإخـراء. ومـا تـولاه أبو الحسين في مقدمة مسنده الصحيح مـن رد هـذا المـذهب، والمبالغة في إنكاره، وتجهيـل قـارئـه وأنـه قـول محدث، لم يقلـه أحـد مـن أهـل العلـم سـلف، ويستنكـره مـن بعـدهـم خلف، فذهب صـاحبنا حفظه الله إلى أن الذي لا إشكال في انتهـاض الأدلة على قبوله، مـن مـشـنـد الحـديث، مـا علـم اتصـاله تنصيصـا، ب: سمعـت أو حدثنا أو أخبرنا أو قال لنا أو ما في معناه، ما هو صريح في الإتصـال، وأنـه أعلى رتب النقل، ويلتحق بحكمه، ويجري مجراه، معنعن مـن عـلـم مـن مـذهبـه أنه لا يقـول عـن؛ إلا فيمـا سمع، ويتلوه في الرتبة الإسناد المعنعن الذي لم يعلـم ذلـك فيـه مـن قائله، وليس مدلسا، وأنه لا تسـع المسامحة في أن يشترط فيه أقـل مـن صـحة سمـاع الـراوي الثقـة، مـن المـروي عنـه الثقة، في الجملة، مع السلامة مـن وصـمة الــدليس، وأن مقتضـى النـظـر كـان التوقف في هـذا المعنعن، حتّى تعلـم صـحة سماعـه في كـل حـديث حـديث، لمـا علـم مـن أيـمـة الصناعة نقـلا، مـن أنهـم كـانُوا يكسـلون أحيانا فيرسـلون، وينشـطـون تـارات فيسندون؛ لكـن لمـا تعـذر ذلك، وشـق تعرفـه مشـقة لا خفاء بها، اقتنع بما ذكرنـاه مـن معـرفـة السـماع في الجملة، مـع السـلامة مـن وصـمة الـليس معتضـدا ذلك بقرينـة شـهادة بعضهم على بعـض، بقـولهـم فـلان عـن فـلان المفهمة قصد الاتصال، وأن هذا المذهب أظهـر وأرجـح مـن مـذهـب مـن اقتنع بصحة المعاصرة فقط، كما اقتنع به مسلم رحمه الله في مقدمة كتابه، والخــارة واعتقـد صـځته، وبالغ في الإنكـار علـى مـن خـالفـه، فوافقـت صـاحبنا حفظ الله علـى مـا ذهـب إليـه، مـن أنـه أرجـح المذهبين، وأوضح المأخـذين، حسبما ظهـر ببـاديء النظر، وبقي في الخـاطـر تـردد مـا إرجـاء لإنهاء النظر إلى غايتـه وترجيـا لانجياب غيايتـه، ثم إني لمـا فـصـلـت عنـه بـت ليلتي تلـك ممعنـا النـظـر في المسألة، لمكان المختلفين، وعلـو قـدرهما، متتبعـا كـلام الإمام أبي الحسين مسـلـم بـن الحجاج، جامعـا أطـراف كلامه، ملاحظـا مـواقـع حججـه، نائبا في كـل ذلـك عـن الإمام أبي عبد الله، مستحضـرا لأدلته، قائما بحجتـه، نـاظرا فيهـا مع حجة خصمه، محاكمـا لـه في كـل ذلـك إلى حكـم الإنصاف، منكبـا عـن إعتساف طـرق التعسف، إلى أن زاد عنـدي وضـوحـا مـا ذهـب إليـه صـاحبنا أبو القاســم حفظـه الله، وانجابـت تلـك الغيايـة، ولاحـت بـدائع، واستثيرت
عجائب، وفلجـت حـجـة أبي عبـد الله على أبي الحسين، وثلجـت الـنّفس بها، ووضحت محجـة قـولـه، وانـزاح مـا اسـتـدل بـه خـصـمـه مـن الشـبه، بحيث لو عرض ذلك على الإمام أبي الحسين يرحمه الله، ووقف على النقض الوارد عليه مـن كـلامـه، والنّقص المعـوذ لكمالـه، لم يسعه إلا الإقـرار بـه، والإذعـان لـه فعندما اتضـح القـؤل، ونجـح يحمد الله الفعـل، عرضـت ذلـك علـى صـاحبنا أبي القاسم، مستزيدا مـا لعله يظهر له في ذلك، مستفيدا مـا تـبرزه الأفكـار عنـد المجاراة في تلك المسالك، وجلـوت عروسـه عليـه، وزففتهـا فـضـلا إليه، فوفاهـا بمـا طبع عليـه مـن الإنصاف حظـهـا مـن الاستحسان، وأحلهـا مـن قبولـه مـا ينبغي لهـا مـن المكان، وباتـت لـه حـجـة الفاخر، بما أسند الأول للآخـر، فشكرت الله تعالى على ما منح، وأنعم به وفتح).

5-اتخاذ الإسناد سبيلا إلى تطبيـق مضامين المــن: وهـو مـا فعلـه في كتابـه الأربعـين البلدانيـة، الموسـوم ب: “الإعـلام، بـاربعين عـن أربعـين مـن الشيوخ الأعـلام”، انطلاقـا مـن حـديث النبي ” مـن حـفـظ علـى أمـي أربعين حديثا مـن أمـر دينهـا بعثه الله عز وجل يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء” وقـد تـفـتـن فيـه ابـن رشـيـد بـأن روى تلك الأحاديث الأربعين بأسانيده عـن أربعين شـيـخـا مـن أربعين بلـدا، علاوة على النكـت الإسنادية التي وشـى بهـا تلك الطرق. وبعملـه هـذا شـارك مجموعـة مـن الحفـاظ في الاهتمام بهـذا الـنـوع مـن التـأليف؛ أمثـال: أبي بكـر محمـد بـن الحسين الآلجـري (ت360هـ)، وأبي القاسـم علـي بـن الحسـن ابـن عسـاكر الدمشـقي (ت571هـ)، وأبي طـاهر
السلفي (ت576هـ)…

6-التـدبج مع المعاصرين والأقـران: مـن ذلـك، تدبجـه مـع رفيقـه في الرحلـة: الكاتـب الأديـب البليـغ الشهير الذكر بالأندلس ابـن الحكيم، ذي الوزارتين أبي عبد الله محمـد بـن عبـد الـرحمن بـن إبـراهيـم بـن يـحـيـى بـن محمـد ابـن سعد بن محمد بن فتوح بن محمد بن أيوب بن محمد اللخمي، من أهل رندة (ت 708هـ).

الكتاب: السنة النبوية في سبتة العالمة

الكاتبة: د.بدر العمراني: أستاذ السنة وعلومها بكلية أصول الدين بتطوان

(بريس تطوان)

يتبع..

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *