خمول الحركة الطرقية في تطوان

والواقع أن بضاعة هذه الزوايا لم تكن في ذلك الوقت رائجة بين أوساط أهالي المدينة، ولا طرقها سالكة لديهم، بسبب ضعف حماسهم وعدم توفر أسباب إستقطاب جمهورهم، فالزوايا الثلاث كانت خالية من الشيوخ المربين وحالتها كحال بقية المساجد، ولعل مظاهر الصوفية نفسها لم تكن واضحة في تطوان في ذلك العهد أو معروفة إلا في أوساط قليلة ومحدودة، فلا نكاد نجد بين رجال تطوان في القرن السابع عشر والنصف الأول من القرن الثامن عشر من كان معروفا بالتصوف أو موصوفا بأحوال الصوفية ما عدا الشيخ العامل سيدي علي بركة. وهذه الملاحظة تزكي ما ذهب إليه البعض من أن الطرقية وردت من فاس التي كانت تطوان تقلدها في كثير من المظاهر الإجتماعية وإن العلماء الذين ولجوا ميدان التصوف وانساقوا في تيار الطرقية كانوا على صلة وثيقة بأقرانهم وشيوخهم من علماء فاس الذين درسوا عليهم أو أخذوا عنهم الأوراد، وكون أن كبار علماء تطوان سلكوا هذا الطريق، فهذا ما سيجعل هذه البضاعة تحظى بقبول الأهالي وفيهم العوام الذين بالغوا في نسب الكرامات لكل من توسموا فيه الخير والصلاح.

وستعرف الطرقية في تطوان خمولا وإهمالا بسبب نضوب موردها بعد وفاة العالم المدرس الشيخ علي بركة، وسيدوم ذلك بضعة عقود حتى أن قيض الله قدوم عالم مشارك مدرس كبير هو أبي العباس أحمد بن محمد الورزازي الذي كان من تلامذة الشيخ علي الجمل، فلما أخذ عنه قال له: ياسيدي أمحني وصلصلني ولا تترك في إلا الفاتحة ثم اكتبني بما شئت.

وكلام الشيخ الورزازي كناية عن اعتقاده الخير والصلاح في الشيخ الجمل وانقياده له. وذكر العالم المختار السوسي أن بدايته كانت بزاوية الشيخ الصوابي بماسة وهو من أصحاب الشيخ احمد بن محمد بن ناصر، وأنه أخذ أيضا عن تمكروت، وذلك يعني أنه تلقى الورد الناصري من نبعه الأصلي. إلا أن الفقيه الورزازي لم يكن من الشيوخ الذين غرضهم تأسيس زاوية وجمع المريدين، لأنه كان مولعا بالرحلة وأنه كان صعب المراس.

وقبل ذلك العهد كانت قد أسست بتطوان الزاوية الوزانية بالقرب من باب التوت، وتعرف بزاوية مولاي محمد (وهو إبن مولاي عبد الله الشريف)، وقد نسبت إليه لكونها أنشئت قيد حياته. وقد دفن فيها حفيده سيدي عبد الله بن مولاي العربي الوزاني الذي استوطن تطوان وتوفي بها عام 1785/1199، وقد وصفه الزبادي الفاسي في مؤلفه « سلوك الطريق الوارية في الشيخ والمريد والزاوية» بأنه « كان رحمه الله عالما عاملا خاملا صوفيا من أهل الخير والصلاح… حافظا للسنة جامعا بين الشريعة والحقيقة»، ونعته الفقيه محمد غيلان (ت 1774/1188) بالولي الصالح العالم العامل. وكان شرفاء وزان يفدون إلى تطوان بين الحين والآخر لصلة الرحم والوقوف على شأن زاويتهم، وفي نفس الوقت، قضاء بعض الأغراض لدى رجال المخزن كالشفاعة والمصالحة.% وكان نشاط هذه الزاوية في تطوان محصورا في إجتماع فقرائها لقراءة الأوراد والأذكار في حدود الكتاب والسنة، ولهذا بقي تأثيرها محدودا بين الأهالي، سيما وأن إشعاعها كان مصدره مرکزها بوزان حيث شيوخ الطريقة وزعماؤها،فكانت تابعة له.

كتاب “تطوان في القرن الثامن عشر(السلطة – المجتمع-الدين )”

منشورات جمعية تطاون أسمير

للكاتب عبد العزيز السعود

بريس تطوان

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *