* عبد الرحمان باعراب
منذ رفع الحماية سنة 1956 إلى اليوم، والمغرب يعيش وضعا ضبابيا وغامضا وغير واضح المعالم و الملامح سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وهو ما يجعل التكهن بمستقبله ومصيره أمرا عسيرا وصعبا. فرغم توالي و تعاقب حكومات كثيرة على تدبير الشأن العام’ ورغم كثرة البرامج و المخططات التي لا تعد و لا تحصى، الرامية إلى إصلاح الأعطاب، لازال وضع المغرب و المغارية، وضعا مأساويا و متوترا و غير مستقر، اللهم بعض التعديلات و التغييرات التي طرأت على مستويات عدة، و التي تظل محصورة و محتشمة ولم تصل بعد إلى المستوى المطلوب الذي يناشده أغلب المغارية.
لقد قاوم المغارية قاطبة الاستعمار الفرنسي والإسباني بشراسة و بالغالي والنفيس، وضحوا بأنفسهم في سبيل استقلال المغرب وحريته، وعبروا عن وطنية صادقة و غير مغشوشة، من أجل تحرير الوطن و الانتقال إلى وضع أفضل، حيث ينعمون و يتمتعون بالحقوق والكرامة والحرية والمواطنة الصادقة. وقد كان ذلك حلم كل مواطن مغربي ذاق ويلات الاستعمار. إلا أن هذا الحلم لم يكتب له التحقق إلى اليوم، بل تحول شبح يخيم على الأذهان في اليقظة و المنام، و إلى كابوس مزعج ومؤرق ومشوش للبعض ممن لا يخدم مصلحتهم أن يكون المغارية مواطنون لا كائنات بشرية فقط.
لقد اعتقد المغاربة الذين قاوموا وناضلوا ضد المستعمر، أن المعركة من أجل الحرية والكرامة والمواطنة ستنتهي بنهاية الاستعمار والحصول على الاستقلال، لكن الواقع عكس ذلك، حيث النضال الذي دشنه أجدادنا من أجل مغرب مواطن ومستقل وحر ومحترم لمواطنيه، لازال مستمرا ومتواصلا من طرف الأبناء والأحفاد، لكن هذه المرة، ليس ضد المستعمر، إنما مع خصوم الديمقراطية و أعدائها من المغاربة أنفسهم. وكأن المغاربة قدر عليهم أن يعيشوا دوامة الحرب والصراع والمعارك، دون أن يكسبوا إلى الآن رهان المواطنة المنشودة.
عندما تتأمل واقع المغرب الراهن على جميع الأصعدة، سيتضح لك بأن كل المشاريع والبرامج التي تسعى إلى النهوض بأوضاع الموطن المغربي و تحسين أوضاعه الاجتماعية، لازالت في غرفة الانتظار، فكل الشعارات “” الجميلة “” التي تبنتها الدولة المغربية الحديثة وتتبجح بها، منذ نهاية الاستعمار إلى الآن من قبيل (الدولة الوطنية – الديمقراطية و حقوق الإنسان – العدالة الاجتماعية والمجالية – المواطنة – الدولة الاجتماعية – تخليق الحياة العامة – دولة الحق ة القانون ……)، ما فتئت شعارات فقط، دون أن ينجز منها و يتحقق ما يشي بوجود إرادة ونية صادقة في التغيير، أو ما يسمح بالقول أننا على سكة التغيير الجذري وبتحقيق مغرب يحفظ للإنسان المغربي كرامته و آدميته و يضمن له شروط المواطنة. فرغم بعض الانتقالات و التغيرات الملموسة على مستوى البنية التحتية و البنايات وتوسيع هامش الحريات والمشاركة السياسية و تغيير القوانين واختيار الحداثة و الديمقراطية خيارا استراتيجيا للدولة، والدستور المتقدم في 2011,إلا أن الواقع لازال غير مرض بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين، بالنظر إلى حجم البطء في الإقلاع التنموي و تنفيذ المشاريع، و إلى التراجعات الحاصلة في مجالات متعددة، و عدم الاهتمام، الكافي بقطاعات حيوية، كالصحة والتعليم والعدل والتشغيل…
إن تعطل و بطء المشاريع التي من شأنها أن تعود بالنفع على الموطن و تحفظ كرامته وتصون انتماءه إلى الوطن، بل وتذكي في نفسه حب الوطن والاعتزاز به، و تعكس اهتمام الدولة بالمواطنين، وانشغالها بهمومهم و مشاكلهم، لمؤشر واضح على أن المواطنة في بلدنا لازالت بعيدة المنال و تتعرض للتأجيل، و توجد في عرفة الانتظار، والمسؤولية الكبرى هنا ملقاة على عاتق الدولة، التي عليها أن تبلور بشكل صادق رؤية محكمة و تحدد أجندة دقيقة لتنفيذ التزاماتها، التي من شأنها أن تقوي ثقة المواطنين فيها و في نواياها وادعاءاتها, لكي تزرع في نفوسهم حب الوطن والارتباط به وبقضاياه. إلا أن الممارسات اللامسؤولة وغير الأخلاقية المهيمنة على المشهد السياسي وعلى مؤسسات الدولة (الفساد – المحسوبية – الرشوة – غلاء الأسعار … )، لا يمكن أن تشجع إلا على النفور من الوطن و الكفر به، والتفكير في الهجرة و الابتعاد إلى دول أخرى، وفي الاجرام والانتقام بالعنف المادي عبر تخريب الممتلكات العمومية و الخاصة وتدميرها.
في الوقت الذي يتطلع فيه المواطنون المغاربة إلى الحصول على حقوقهم و التمتع بها في كل المجالات، و إلى صون كرامتهم و حمايتهم، و إلى الاستفادة من ثروات البلاد بشكل عادل، وإلى الاهتمام بأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والصحية و الثقافية، وإلى حمايتهم من بطش اللوبيات، بل ويطالبون بذلك عبر مظاهرات واحتجاجات افتراضية وواقعية، نجد الدولة تواجه ذلك بوسائل مختلفة عير مجدية و غير ناجعة غالبا، حيث تنهج إما سياسة الأذن الصماء واللامبالاة، أو العنف والقمع و السجن والمحاكمات المجانية، أو الدخول في حوارات ومفاوضات عقيمة غالبا تعبر من خلالها عن حسن النية وتقدم الوعود بحل المشاكل المطروحة..، ما يعني أن الدولة لم تنصت بعد لآهات وهموم المواطنين ولا تتفاعل معها بشكل جدي في الوقت الراهن، بالنظر إلى استمرار تلك المشاكل و تفاقمها.
إن غياب الشروط الأساسية للعيش الكريم، والشعور بالمواطنة الحقة والتامة، لعامل أساسي في خلق جو التوتر و الصراع بين الدولة و المواطن وعدم ثقته بها في مغرب اليوم، فالمواطن المغربي يعيش على إيقاع الأمل و انتظار الأفضل بحسن نية في المستقبل، لكن حينما يخيب أمله وينتهي صبره ويطول انتظاره، يتحول حب الوطن لديه إلى نفور واشمئزاز منه، وتلك حقيقة يمكن الوقوف عليها على مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال أحاديث عادية مع المواطنين، حيث يعبر الناس نساءا و رجالا وشبابا ويافعين عن تدمرهم وسخطهم من الواقع القائم.
إن أساس المواطنة الحقة تكمن في شعور المواطن بالأمن و الأمان، و الاهتمام الكافي واللائق من طرف الدولة بمختلف مؤسساتها، وتمتعه بجميع الحقوق المدنية والثقافية والسياسية و بالاستقرار النفسي و الاجتماعي. كل ذلك ماهي إلا شروط أولية تثمن علاقة المواطن بوطنه وتجعله يحبه ويدافع عنه، وعندما تغيب هذه الشروط المركزية للإحساس بالمواطنة، يصعب جدا أن نجد مواطنا يعتز بانتمائه وراض عن وضعه، بل تجده يعيش وضعية نفسية وذهنية مهتزة و غير متوازنة، تتأرجح بين حب الوطن كراهيته، و الرغبة في المغادرة من فرط الاحتقار الذي يشعر به.
ينتظر المواطن المغربي بشغف متى يصبح مواطنا بالفعل، إلا أن هذا الانتظار، هو انتظار قاتل ومميت، يقتله ببطء وفي صمت دون أن تدرك الدولة ذلك، أو قد تدركه وتتجاهله انتظارية تقتل فيه حب الوطن والأمل في التغيير، كما تقتل فيه المبادرة و الحلم وتهدر طاقته وحيويته، حيث الاحساس بالضياع و اللا جدوى. ومن تم فمطلب الدولة الاجتماعية المواطنة بالمغرب اليوم، هو مطلب آني ومستعجل وضروري، من أجل إنقاذ وترميم الصورة المشوهة التي كونها المواطن حول الدولة، بوصفها دولة الأقوياء والمحظوظين و الأغنياء، وذلك بجعلها دولة لجميع المغارية وحاضنة لهم، ومن أجل استعادة الثقة بين الدولة والمواطن، لأن الإنسان المغربي لم يعد يطيق ويتحمل هذا الوضع الذي سيشعر فيه بأنه كائن بشري و ليس مواطنا حقيقيا.
*أستاذ وكاتب
Laisser un commentaire