اتفق المهتمون بالأوضاع الاجتماعية المزرية بالمناطق الشمالية المكونة لحدود المغرب مع أوربا بالإجماع، على اعتبار التنمية الاقتصادية لهذه الربوع من المملكة أولوية ضرورية لمواجهة بعض الظواهر الخطيرة التي أصبحت تهدد استقرار البلاد. ورغم اختلاف الآراء حول الخطة الشاملة التي يجب اعتمادها بحثا عن الإقلاع الاقتصادي لهذه المنطقة، كالتركيز على السياحة بأشكالها المتعددة، أو الصناعة التقليدية أو التجارة البحرية عبر ميناء طنجة المتوسطي، والاهتمام بالبنية التحتية كبناء شبكات الطرق أو الإصلاح الإداري، فإن الكل متفق على اعتبار التنمية الاقتصادية هدفا جوهريا، بدل الركود الذي أصبح يهدد مدن هذه المنطقة وبواديها. فمن هذا المنطلق، تتحول التنمية إلى هدف تتبناه الدولة والمجتمع بصوت واحد.
وبهذا المنطق يهتف الجميع بأبعاد التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية. إلا أن التنمية مشروع ذو وجهين. فمن جهة يمكن اعتبار التنمية حلما يعطي المجتمع أمالا في ظروف أزمة، وقد يتحول هذا الأمل إلى إحباط في حالة فشل المشروع من جهة أخرى. ومما لاشك فيه أننا نتمنى جميعا. أن نفتح التلفزة في يوم قريب لنسمع أخبارا عن تدشين مشاريع اقتصادية كبرى بتطوان وبالأقاليم الشمالية، بدلا من أخبار وفاة المهاجرين المغاربة والأفارقة عند محاولتهم اختراق سياج الحدود مع سبتة ومليلية، أو بواسطة قوارب الموت عبر مضيق جبل طارق.
يمكن للتنمية الاقتصادية أن تتحول إلى هدف نبيل كحل للبطالة والتشرد والحرمان. وانطلاقا من نفس الطرح تتحول العراقيل الإدارية أمام التنمية الاقتصادية، إلى وسيلة اصطناعية تضاف إلى العراقيل الحقيقية أمام محاربة البطالة والكرامة والازدهار.
لقد عالجت موضوع العراقيل الإدارية بالإدارات المحلية بتطوان، مع التركيز على ما يحصل بالوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح الطبوغرافي نموذجا لهذا التوجه. كما ركزت على حالة مطلب التحفيظ رقم 19/14089 و19/14087 نموذجا لهذه العرقلة. وتم اختيار هذه الحالة للأسباب التالية:
أولا، إن هذا الملف يخص تحفيظ قطعة أرضية عائلية كبيرة توجد في المدار الحضري لمدينة تطوان، وإن تنمية مثل هذه الأراضي في شكل تجزئة، من شأنها أن تساهم في التنمية الاقتصادية لمدينة تطوان على مستويات متعددة، منها ما يلي:
أ . تحويل أراض قاحلة وغير مثمرة إلى مشروع اقتصادي هام في شكل تجزئة سكنية.
ب . إنعاش النشاط الاقتصادي للشركات المنتجة للمواد المستهلكة لإنجاز هذا المشروع، مثل الأنابيب الضخمة لشبكة التطهير والشبكة المانية، والأسلاك الكهربائية، وكراء
عشرات من الشاحنات الكبرى لنقل التربة من الجانب الأعلى للقطعة الأرضية إلى الجانبةالمنخفض.
ج . مساهمة هذه التجزئة في خلق فرص للشغل للأطر والعمال في قطاعات مختلفة. علاوة على تهيئ الظروف لإنجاز مشاريع البناء، مساهمة بذلك في توفير السكن اللائق في مدينة تعاني من هذا النقص، كما تدل على ذلك الحملة الوطنية لتوفير البناء الاقتصادي اللائق.
د . تتجلى أهمية مثل هذه المشاريع في تشجيع استثمار الأموال المحلية في التنمية الاقتصادية المحلية بتطوان، و هي أموال من الصنف الذي يواجه منافسة حادة من طرف
الأموال المبيضة.
ثانيا، بناء على الحجج المقدمة أعلاه، يتضح أن الإدارات العمومية المرتبطة بهذا الملف، مثل الجماعة الحضرية وشركة أمانديس والوكالة الحضرية، عليها أن تتعامل مع مثل هذه الملفات بجدية، نظرا لفائدتها لهذه المؤسسات، وللمجتمع وللتنمية الاقتصادية لمدينة تطوان، وهذا هو ما حصل بالفعل. إلا أن بعض المؤسسات مثل الوكالة الوطنية والمسح الطبوغرافي، تسلك مسلكا مخالفا لهذا المنطق التنموي، لأنها تخضع لمنطق آخر، يختلف في الأهداف والوسائل والحجج والغايات.
ثالثا، لا ننكر تأييد الخطاب الرسمي المطلق للتنمية الاقتصادية الجهوية والمحلية، بما في ذلك تنمية تطوان الاقتصادية، ومن ذلك قرار بناء ميناء طنجة المتوسطي، والعناية بشواطئ تطوان المتوسطية، وتوسيع الشبكة الطرقية التي تربط تطوان بالفنيدق من جهة، والفنيدق على الساحل المتوسطي بطنجة على ساحل جبل طارق من جهة أخرى، و التي سوف تفك عزلة المدينة جنوبا وشرقا، هذه الخطة تدافع عنها عدة مؤسسات وعلى رأسها وكالة تنمية الأقاليم الشمالية. رغم هذا الخطاب الذي يتمشى في اتجاه عزم جلالة الملك محمد السادس لتغيير أوضاع الأقاليم الشمالية، وعلى رأسها مدنها الكبرى التي تحولت بعضها إلى عواصم صيفية، فإن المسؤولين عن وكالة التحفيظ بتطوان، يرفضون نهج تغيير جذري في الاتجاه المذكور أعلاه وهذا واضح في تحليلنا لتعامل المحافظة مطلب التحفيظ رقم 19/14089 و رقم 19/14087 الذي حللناه في مقالة عنوانها: التنمية الاقتصادية لمدينة تطوان: الخطاب والواقع نشرته جريدة العلم، بتاريخ 6 شتنبر 2005.
إن هذه القضية تخص بكل بساطة عرقلة مشروع اقتصادي محلي هام على مساحة 9 هكتارات في المدار الحضري، لقد تم إنجاز الشطر الثالث منه على مساحة هكتارين، بغلاف مالي يقدر بمئات الآلاف من الدراهم، من أموال مستثمرين محليين يقفون بأيديهم مكتوفة أمام تجميد مشروعهم بسبب مواقف غير معقولة تماما، أصرت مصلحة محافظة تطوان على التشبث بها، ويجب أن نؤكد أيضا أن جل هذه المواقف السلبية لا تضر المستثمرين فقط، بل تزعج الموظفين الإداريين النزهاء الذين لا يتخذون القرارات النهائية في إدارتهم.
إن الإدارة المغربية تعتمد الازدواجية في بعض الملفات المرتبطة بالتنمية، كهذا الذي نناقشه، ففي بعض الحالات تخلق مجموعة من الحجج الوهمية لعرقلة المشاريع، إلى أن يخضع المستثمرون لضغوط بعض الإداريين والمتعاملين معهم خارج الإدارة، فقد تظل هذه الملفات منسية خلال سنوات على رفوف المكاتب الإدارية. وفي حالات أخرى، عندما يتم إرضاء بعض المسؤولين الإداريين، وهم غير مسؤولين إداريا وأخلاقيا، تعتمد آنذاك على مجموعة مخالفة من الحجج، لتبرير الاستنتاج الذي يعتمد لتسوية الملفات، بسرعة وبفعالية يحسدون عليها في إدارات أرقى الدول في العالم. واعتماد هؤلاء الإداريين على القانون يطبق في الحالة الأولى وفي الحالة الثانية على السواء، مع أن تأويل القوانين يختلف حسب الأغراض. كما أن المستثمر الذي لا يفهم لغة الإدارة المغربية، والذي يظل صامدا ومصرا على تسوية ملفاته قانونيا اعتمادا على الاختيار الأول، قد يعاني الكثير، وهي حالة حالتنا في متابعة مطلبنا للتحفيظ رقم 14089/ 19 ورقم 19/14087.
إن مثل هذه القضايا معقدة، فبإمكاننا تحليلها تحليلا قانونيا واقتصاديا وإداريا وتنمويا وسلطويا ومصلحيا، فهي متعددة الأبعاد. كما يمكننا تحليلها نظريا أو واقعيا، ويمكن أن نحللها ماليا، كما يمكننا تحليل عواقبها الاجتماعية، بعبارة أخرى، يمكن أن نركز على الجانب المعقد لملفنا المطلبي. ومما لاشك فيه أن هذه القضية معقدة جدا إذا اعتمدنا قول محافظ تطوان، عندما أكد لنا أن ملف مطلبنا يحتاج إلى دراسة خلال مدة لا يمكنه تحديدها تحديدا دقيقا. و لكن يمكن أن نطرح سؤالا بشأن هذا الموقف، ألم يصبح هذا الملف معقدا لأن المحافظ ومساعديه اختاروا ذلك؟
منشورات جمعية تطاون- أسمير
“تطوان و سياسة التنمية الاقتصادية و تدبير التراث الثقافي”
الدكتور امحمد بن عبود
بريس تطوان
يتبع…