القاضي عياض السبتي (ت544هـ)
بســم الله الـرحمن الـرحيم وصـلى الله وسـلم على سيدنا محمـد وآلـه وصخبه
مقدمة:
الحمد لله وحده وبعد
فإنـه مـن المعلـوم أن الإسناد خصيصـة مـن خصائص الأمـة الإسـلامية التي انفردت بـه عـن بـاقي الأمـم في نقـل العلـوم والمعارف. يقـول محمـد بـن حـاتم بـن المظفـر (ت246هـ): (إن الله أكـرم هـذه الأمـة وشـرفها وفضـلها بالإسناد، وليس لأحـد مـن الأمـم كـلهـا قـديمها وحـديثها إسناد، إنمـا هـو صـحف في أيديهم، وقـد خلطـوا بكتـبـهـم أخبـارهـم، فليس عنـدهـم تمييز بين مـا نـزل مـن التـوراة والإنجيل، وبـيـن مـا ألحقـوه بـكـتـبـهـم مـن الأخبـار الـتـي أخـذوهـا مـن غـير الثقات ..).
وقـال ابـن حبـان(ت354هـ): (إن الله تعالى أكـرم هـذه الأمة وشرفها وفضـلها بالإسناد).
وقـال أبـو علـي الجيـاني(ت498هـ): (خـص الله تعالى هذه الأمة بثلاثـة أشـياء لم يعطها من قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب).
ومـن ثـم عـد الإسناد والاشتغال بـه والحرص عليـه مـن الـدين. يقـول الإمـام عبـد الله بـن المبـارك(ت197هـ): (الإسـناد عنـدي مـن الـدين، ولـولا الإسناد لقـال مـن شـاء مـا شـاء). ويقـول أيضـا: (مثـل الـذي يطلـب أمـر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم).
ومن مظاهر عناية علماء الإسلام عامة والمحدثين خاصة بالإسناد:
الرحلـة وقطع المسافات الطـوال للسماع والقراءة على الشيوخ، والحرص على شرف علـو الإسناد والاتصال المباشر بالحفاظ الكبـار ومشائتهم والـروايـة عنهم ولو حديثا واحدا.
واصطحاب الأبنـاء على صغر سنهم إلى مجالس الحـديث لينالوا شرف الإسناد، وبركة بمجالسة العلماء، وليبقى الخلف موصولا بالسلف.
وبهـذا المنهج الإسلامي الفريد في العلـوم كـان المستوى العلمي في أمتنـا راقيا لا تنافسه أمة من الأمم وكانت أنظار الغرب فيه متجهة دوما نحونا.
ومـن أدق مـا يؤكد حقيقـة هـذه الخصوصية كـتـب المعاجم والمشيخات والأثبـات والفـهـارس والبرامج الـتي عمـد فيهـا مؤلفوهـا إلى جمـع تـراجـم شيوخهم وأسانيدهم في الحديث خاصـة وفي العلـوم عـامـة، وذكـر مـا تحملـوه مـن مرويات عن هؤلاء الشيوخ سماعا أو إجازة وغيرها من طرق التحمل.
وهـذا النـوع مـن التصنيف لا تخفى أهميتـه؛ فهـو يمـدنا بصـورة سابقة عـن الحركة العلمية والحياة الثقافية في العصـر الـذي دونـت فيـه؛ وترسـم لـنـا مـلامـح عن النشاط الذي يقوم به الطلبـة وطـرق تلقيهم العلـم؛ وتساعدنا على معرفة الكتـب المتداولة وإحصـائها في مختلف الفنـون؛ وترينـا مـكـانـة أهـل العلـم في مجتمعاتهم ووظـائـفهـم الـتي تولوهـا، والصـفـات الـتـي كـان يتحلى بهـا كـل مـنـهـم، أعـرف مـن أن يعرف، إذ شهرته ورسـوخه في كافـة العلـوم، مـن الحـديث والفقـه والأصـول واللغـة وغيرهـا واسـعة، ومصنفاته العديدة والفريدة طـار صيتها في الآفاق، وانتفع بها الناس شرقا وغربا. حتى قيل: لولا عياض لما عرف المغرب .
الكتاب: السنة النبوية في سبتة العالمة
الكاتب: د. الأمين اقريــوار: أستاذ السنة وعلومهـا بكـليـة أصـول الـدين بتطوان
(بريس تطوان)
يتبع..
Laisser un commentaire