ترميم العقول

Écrit par

dans

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

رغم أنني غير مقتنع بترميم العقل وضعت هذا العنوان لكوني أشاهد و أعايش  مرارا حوادث لا يقبلها عقل مكتمل الأركان و الوعي، فأنا متيقن أن  الترميم لا يمكن العمل به  على عقل إنسان  ، لأن العقل إما أن يكون واعيا أو جاهلا أو به خلل وليس مُحطما جزئيا أو كليا لايحتاج الترميم، ومن هذا المنظور أرى عقول بعض الناس يجب تغير مفاهيمها و تصحيح ما اعتادت عليه من سلوك غير سوي  أو سلوك هدام،  فوضعت كلمة ترميم  و كأننا نرممها حتى لا تنهار نهائيا و تبتعد عن الواقع المأمول ، و العدل المنشود، و الأخلاق المتوخاة،  و الصواب المحمود ، فبيننا يعيش أناس إنسانيتهم غير قارة نظرا لما يقومون به من أفعال و سلوك لا يلق بالإنسان، الإنسان الذي فضله الله على سائر الكائنات ، قال تعالى :(( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)) سورة الإسراء

من الآية الكريمة نستخلص تكريم و تفضيل بني آدم على كثير من المخلوقات وهذا التفضيل يقول العلماء أوله العقل و التمييز بين الصالح و الطالح و بعده التدين بدين التوحيد و الهداية للعقيدة الصحيحة …….

ولا يمكن تصحيح المفاهيم إلا بتضافر الجهود بين مكونات المجتمع كله .

الأسرة أولا ثم المدرسة ثم علماء الدين ثم المربون و المرشدون  ثم الشارع ..إلخ ، إما بالتلقين و التعليم، أو التنبه و التصويب، و إما بالقدوة الحسنة .

فالطفل منذ نعومة أظافره يجب سقيه بالأخلاق الفاضلة و  العلم النافع حسب طاقته الاستيعابية

و البداية تكون من الأسرة ، فعلى  الأسرة تربية أبناءها على السلوك القويم و الاحترام المتبادل بين كل أفراد العائلة و الشكر على عمل ما قام به الصغير، والطلب بالرجاء و ليس بالأمر ، و عدم فعل أي شيء أمام الأبناء  يخدش الحياء، و تعليمهم  أن النظافة من الإيمان و أن الشارع هو امتداد للبيت ، فكما لا نرمي الزبالة داخل البيت و لا نتبول على جدران  البيت لن نفعل ذلك خارجه  بالأزقة أو الشوارع،  و احترام الجار و كل كبير السن،  هكذا سنكون قد قطعنا شوطا كبيرا في تصحيح المفاهيم.

ثم المدرسة ، فيها يتم ترسيخ حب الوطن و ترسيخ الأخلاق و تعاليم الدين الحنيف الذي يحث على التعامل بالحسنى  مع الاشخاص و الحيوان و  النبات و الجماد ، وبعدها العلماء أو المرشدون الدينيون بتوجيه الشباب إلى الطريق المستقيم و نهيهم عن كل قبيح ،  هكذا سيتم إنشاء جيل يفهم معنى الحياة الراقية السليمة و سيحترم نفسه قبل احترام الغير مبتعدا عن كل قبيح كالتعاطي لكل ما هو مدمر للعقل أو مخدش للحياء أو مؤذي للغير .

فالمدرسة اليوم بل مناهج التعليم لا تمت بصلة بالأخلاق و لا الدّين  ولا حب الوط  ، سابقا و قبل الاستقلال كانت المدرسة إلى غاية السبعينيات  محل التربية الأخلاقية  قبل العلمية ، مما أتذكر أن حارس المدرسة كان مربيا و محترما من قِبل التلاميذ ، كما كانت هناك مواد التربية الإسلامية و التربية الوطنية و مادة الأخلاق بنفس المعامل للمواد الأخرى،  أدبية و لغوية و علمية ، اليوم مناهج التعليم فارغة من محتوى  الأخلاق و الدين و الشعور بالانتماء للوطن   .

فإذا انعدم الوازع الديني من عقل التلميذ انعدمت أخلاقه و حبه للوطن، و إذا  فسدت أخلاقه فلا دين و لا وطن، و إذا أهمله وطنه لن يشعر بحبه و لا يحافظ على سلامته ولا رونقه و لا على اطمئنانه  .

هذا ما نجده اليوم في أغلب شبابنا ، لا حب الوطن ولا أخلاق و لا دين، مجرد شباب مادي تافه  تائه …… ، طبعا لا أعمم هناك من الشباب من أخلاقه راقية و متعلم ومحب و نافع لوطنه  ، لكنهم قلة ، و لا يمكن إصلاح ما فسد في أي مجال إلا بالتصحيح و الإصلاح .

الدولة لها دوران اولهما   إصلاح مناهج التعليم و جعله ثابتا لمدة طويلة وليس تغييره كل عام أو عامين كما قال المفكر المغربي عالم المستقبليات د. المهدي المنجرة رحمه الله :   كل ما تغير وزير  التعليم ، تغير المنهج ،  هذا لا يجدي و لا يمكن أن يقدم لنا  فوجا متعلما ناضجا صالحا و مميزا

المنهج الدراسي في الابتدائي و الاعدادي يجب تزويد مادتي التربية الدينية و التربية الأخلاقية بمواضيع ترسخ مفهوم الدين المعاملة، و جعلهما من المواد الأساسية و بمعامل محترم ، و لا نجاح بدون النجاح فيهما .

ثانيهما وضع مخطط لإيجاد حل لكل المتخرجين من كل المستويات كي يجد كل منهم عملا قارا يكوّن به أسرته و يحفظ كرامته .

أما بالنسبة لكل المواطنين فعلينا جميعا آباء و أمهات و أساتذة و موظفين و تجارا و مستخدمين التعامل فيما بيننا بالاحترام المتبادل لنكون القدوة لأطفالنا و شبابنا ، و على الدولة تعيين الرجل المناسب في المكان المناسب و المحاسبة المنهجية لكل  مسؤول على قطاع ما ، و التعامل القاسي مع المفسدين دون العودة إلى العفو كي لا تتكرر المفاسد .

هكذا أرى و الله أعلم أن الحل للخلل الموجود حاليا في عقول الكثير منا .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إنما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ مكارم  الأخْلاقِ” و في رواية – صالح الأخلاق – الحديث صحيح الراوي أبو هريرة .

قال الشاعر أحمد شوقي رحمه الله :

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت*** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا .

 فإذا أصيب أي شعب في أخلاقه *** فانتظر الفتن بين أهله 

كن متيقنا أخي القارئ أختي القارئة أنه لا قوام و لا صلاح بدون تصحيح المفاهيم و إن شئت ترميم العقول  .

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *