توقيفات الأساتذة المضربين: أي مخرج لمأزق كفالة الحق في الإضراب وضمان استمرارية المرفق العام؟

Écrit par

dans

سمير الشمالي

باحث في سلك الدكتوراه تخصص القانون العام والعلوم السياسية

لا شك أن إضراب الأساتذة تاريخي، ما دام أصبح هو الأطول في قطاع التعليم بالمغرب، وقد عرف عدة تطورات وتفاعلات من طرف الوزارة الوصية أبرزها خلاصات الاجتماع بين اللجنة الوزارية والنقابات التعليمية، والتي كما يبدو لم ترقى للأساتذة ما جعلهم يستمرون في إضرابهم. وأمام استمرارية الإضراب يطرح النقاش حول ضمان استمرارية المرفق العام كمبدأ دستوري لا يقل أهمية عن الحق في الإضراب. لكن هل فعلا حق الإضراب يتناقض مع مبدأ استمرارية المرفق العام وبالتبعية مع حقوق المرتفقين؟

الحق في الإضراب ومبدأ استمرارية المرفق العام: صراع أم تكامل؟

إن طرح فكرة وجود تناقض، إما تنطوي على عدم استيعاب لمبادئ حقوق الإنسان وغاياتها، أو تبيّت غاية تسعى لتبرير انتهاك حق الأساتذة في الإضراب، ولذلك يجب تبديد هذا الغموض بالرجوع إلى المبادئ الكونية لحقوق الإنسان.

ومنه فإن حقوق الإنسان يحكمها مبدأ الشمولية وعدم قابليتها للتجزئة كما يحاول البعض القيام به فيما يتعلق بإضراب الأساتذة. ومبدأ الشمولية وعدم القابلية للتجزيء يهدف لحماية حقوق الإنسان من التعرض للتجزئة وتغييب النظرة الشمولية، وهو ما دفع حماة حقوق الإنسان على المستوى الدولي لتكريسه كأهم مبدأ من أجل احترام وكفالة احترام حقوق الإنسان في شموليتها. إذ لا يجب ضمان استمرارية المرفق العام على حساب الحق في الإضراب، ولا يجب ضمان الأخير على حساب استمرار المرفق وحقوق المرتفقين بالتبعية. فكيف المخرج من هذا المأزق إذن؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك تناقض وأن المبدأ والحق لا يمكن إلا أن يتناطحا، بحيث أنه لابد للدولة أن ترجح واحدا على الآخر. وهو نفس ما ذهب إليه الأستاذ الدكتور “المنصور السويني” في حوار له مع جريدة هسبريس بتاريخ 20-11-2023. غير أن هذه النظرة تتوخى السهولة في حل الصعوبات، وتتسم بالكسل في البحث عن حل منصف للجميع، ويضمن حقوق الجميع في إطار منظومة متكاملة للحقوق، إذ لتذليل الصعوبات لا بد من اختراقها، كما أنه ما يعاب عنها أنها نظرة تجزيئية وإن كانت تبدو تأخذ بالحسبان الحقوق ذات التماس والتأثر أثناء ممارسة واحد منها.

فإن كان بالفعل يصعب ضمان الحق في الإضراب وحماية المركز القانوني للمضرب أي عدم تعرضه لأعمال الانتقام جراء إضرابه من جهة، ومن جهة ثانية ضمان استمرارية المرفق العام في تقديم خدمة بالجودة والنوعية اللازمتين وفق ما نص عليه الدستور، أي الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة. ما الذي على الدولة القيام به؟

وهنا تقدم لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنبثقة عن العهد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي إجابة بتحديدها “الالتزام الأساسي الأدنى لضمان الوفاء بكل واحد على الأقل من المستويات الأساسية الدنيا لكل حق” من الحقوق الواردة في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن هذه الحقوق الحق في التعليم.

فالتزام الدولة في حالة الظروف الاقتصادية والسياسية فيما يتعلق بالحق في التعليم هو التزام بتقديم “خدمة الحد الأدنى” وأن تبرهن على أنها قامت ب “بذل كل ما في وسعها لاستخدام مواردها المتاحة سعيا إلى الوفاء بهذه الالتزامات الدنيا باعتبارها مسألة ذات أولوية”… لأنه لا يمكن مطالبة الدولة بالمستحيل. اما التزام الدولة في ضمان الحق في الإضراب هو ينسجم مع طبيعة الالتزام بالحقوق الواردة في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وهو التزام فوري لكونها حقوق لا تتعارض مع أي ظرف موضوعي معين إلا مع النزعات الذاتية السلطوية، كما أن الحق في الإضراب في اعتقادي هو حق مطلق ما دام لم يرد بعد ما يقيده أو ينظمه قانونيا، فالدستور هو “البيت القانوني المشترك” كما يقول الفقيه الدستوري “دومينيك روسو”، ومنه تنبع الحقوق وبه توفر الحماية الدستورية لهذه الحقوق في حالة تعرضها للانتهاك ولو باسم القانون، مما يجعل الحق في الإضراب ملزما ويعلو في الحالة هنا شئنا أم أبينا ، غير أن الدولة تبقى ملزمة بخدمة “الحد الأدنى” فيما يتعلق بضمان الحق في التعليم فقط. وهي مسألة ملزمة أخلاقيا حتى للأساتذة المضربين أنفسهم من وجهة نظري. لكن السؤال هو كيف يمكن تقديم خدمة الحد الأدنى في ظل إضراب الأساتذة وبافتراض إضرابهم جميعا؟

على المستوى القوانين السارية المفعول، لا يوجد ما يتيح لنا الإجابة على ذلك، لكن بالرجوع لمشروع قانون الإضراب 97.15 يتحدث عن “منع المكلفين بأداء الحد الأدنى من الخدمة من الإضراب” وهي ضمانة مهمة لقيام المرفق العام بأداء الخدمة في ظل ظروف الإضراب طبعا، وهي آلية كان يمكن للمديريات الإقليمية اللجوء إليها من خلال تحديد أسماء أساتذة سيسهرون على تقديم “الحد الأدنى من الخدمة في ظل الإضراب” بدل اللجوء إلى توقيفهم في أفق إيجاد حل توافقي للأطراف المعنية. وهو أيضا ما يجب الامتثال له لأن الإضراب حق للتعبير عن رفض وضع ما ووسيلة مهمة لحماية الحقوق أو المطالبة بها، ولا يجب تحويله إلى ابتزاز أو التعسف في استعماله. ومن هذا المنطلق كان على أصحاب القرار اللجوء إلى ما يضمن الحقوق للجميع في إطار شمولي وبمنطق إدارة الخدمات.

كما أن اعتبار الإضراب إخلالا بالتزام مهني هو ضرب من الديكتاتورية والقمع نَضَح به حبر أصحاب القرار، لأن الحق في الإضراب حق أساسي غير قابل للتنازل عنه و “يعتبر باطلا كل شرط تعاقدي أو التزام يقضي بتنازل الأجير عن حق الاضراب” بمنطوق مشروع القانون وإن لم يدخل حيز النفاذ بعد. إلا أنه مبدأ نافذ يجد أساسه في المبادئ العامة للقانون والتي تستمد من الضمير القانوني العام، ولو كان الإضراب يخل بالالتزام المهني لما جعله صاحب القلم في مسطرة التشريع في مثابة القاعدة الآمرة التي لا يجوز مخالفتها. أما ما يخل بالالتزام المهني هو غير مقبول ولن يلبس أبدا صفة القاعدة الآمرة حتى في مشاريع القوانين. فكيف أًصبحت ممارسة الإضراب إخلالا بالتزام مهني؟ لكن قد يتبدد العجب بتعرية السبب.

إيقاف المرتب قرار مخالف للقانون

بالرجوع إلى الفصل 73 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية الذي استند إليه القرار يتضح أنه في فقرته الثانية يخول حالتين من الاحتفاظ بالمرتب ولا يعطي للإدارة الحق في إيقاف المرتب للموظف، حيث ينص: ” والمقرر الصادر بتوقيف الموظف يجب إما أن ينص على أن المعني بالأمر يحتفظ بمرتبه طيلة مدة توقيفه وإما أن يحدد قدر ما سيتحمله من الاقتطاع، وتستثنى من ذلك التعويضات العائلية التي يظل المعني بالأمر يتقاضاها بأكملها”. فالحالة الأولى لا تطرح اشكالا هي حالة الاحتفاظ بالمرتب، أما الحالة الثانية هي “قدر ما من الاقتطاع”، والقدر من شيء جزء منه كبيرا كان أم صغيرا، ولا يخول إيقاف المرتب نهائيا، أي في الحالتين بمفهوم المخالفة هما احتفاظ إما بالمرتب كاملا أم بجزء متبقي من المرتب بعد تحديد الاقتطاع، وهذا كله في حالة الاخلال بالتزام مهني، وليس في حالة الاضراب على اعتبار أنه ليس إخلال بالتزام مهني كما سبق الذكر.

ولنفترض أن الفصل 73 يطرح غموضا حول مدى إمكانية إيقاف المرتب من عدمها، فإن الغموض والشك في النص القانوني يفسر دائما لصالح الطرف الضعيف، أي يفسر هنا لصالح الأستاذ، وسيفسر بطبيعة الحال أن لا حق للإدارة في إيقاف المرتب.

وسأكتفي بما سبق ذكره دون التعليق على ما جاء في قرارات التوقيفات حول اعتبار الدعوة للإضراب في مواقع التواصل الاجتماعي إخلالا مهنيا، فإن كان بطبيعة الحال ممارسة الاضراب حق فكيف أصبحت ب”فهم فاهم” الدعوة لممارسته الحق إخلالا مهنيا؟ ثم أن حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها بموجب الدستور، ولا تستثني أي شكل للتعبير، ولو كان نشر الكذب -على سبيل المثال- كما هو الحال بالنسبة لقانون محاربة الإشاعة ونشر الأخبار الزائفة الذي يخالف حرية الرأي والتعبير، والقضاء الدستوري الألماني كرس هذا التفسير في خمسينيات القرن الماضي. فمؤسسات الدولة تتوفر على ما يتيح لها محاربة الإشاعة من آليات عديدة كالبلاغات والإعلانات والإذاعات والقنوات التلفزيونية، وهي آليات تكفل محاربة الإشاعة بدل اللجوء إلى آليات عقابية، خاصة في ظل الصعوبات التي تعتري تحديد مفهوم الكذب. أما الدعوة إلى ممارسة حق من الحقوق لا يختلف عاقلان عن كونها تعبير عن رأي يجب كفالته في جميع الظروف. وخلاصة القول هنا إن ما جاء في القرار مخالف للقانون، وتعسف في استمال الفصل 73 من القانون الأساسي للوظيفة العمومية.

 آفاق لإضراب الأساتذة في ظل جر الحبل من الطرفين

إن المنطق الذي يجب أن ينتهي إليه كل إضراب باعتبار الأخير الملاذ الأخير للإنسان هو العودة دائما إلى التفاوض بين الطرفين، لأن الإضراب هو تعبير عن الرغبة بتحسين ظروف العمل لا رفض العمل أساسا، وهذه الرغبة يجب أن تهدف إلى تحقيق الممكن وتراعي الإكراهات وأن تتمسك بأهمية الجميع داخل المجتمع، فمن جانب إن كان “لولا الأستاذ لما كان المدير والوزير”، فإنه “لولا الفلاح لما كان الأستاذ ولا الوزير ولا المدير”، فتوفير الخبز ليس أقل أهمية من توفير المعرفة داخل المجتمع، ومن جانب آخر يجب على الوزارة أن تراعي في قراراتها “ازدواجية الصفة التي تتمتع بها” إذ أنها ليست طرفا في هذه الأزمة، بل هي القاضي أيضا أي بمعنى أنها هي الفيصل وهي المطالبة بإيجاد حل للمشكلة مما يفرض عليها أن تتوخى مبادئ الإنصاف والعدالة، وتتجنب ممارسة السياسة بمفهومها التصارعي ما أمكن.

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *