الدرس الحديثي عند أبي الحسن الشاري السبتي للدكتور عبد الهادي الخمليشي (2)

رابعا: الدرس الحديثي لأبي الحسن الشاري:

عقد أبو الحسن الشاري مجالس الرواية والسماع، لإقراء كتب الحديث في بلده سبتة وفي مهاجره بعدوة الأندلس في غرناطة ومالقة وارتكزت مجالس الرواية والسماع في درسه على مقابلة النسخ داخل مجلس التحديث (الإملاء أو القراءة والمذاكرة) حيث كان الحافظ المحدث أبو الحسن الشاري يمسك الأصل، وأحد طلبته يقرأ عليه من أصل آخر، أو نسخة من أصله. فتكون هناك زيادات وتنقيحات وتهذيبات ومقابلة بين هذه النسخ المختلفة مما تطمئن إليه النفس.

– فتحصل أن الأصول العتيقة لصحيح البخاري التي كانت تدرس بسبتة هي:

– أصل أبي الوليد بن الدباغ

– أصل أبي الوليد بن خير

– أصل الأصيلي

– أصل أبي القاسم بن ورد

قال المنوني رحمه الله: والغالب أن أصل أبي القاسم بن ورد من روايته هذه للبخاري، قد استمر معروفا بالمغرب إلى صدر المائة الهجرية السابعة وستين، أنه كان من بين الأصول التي يحضرها أبو الحسن الشاري إلى مجلس إقرائه لنفس الكتاب بالجامع الأعظم في سبتة.

وقد تحدث أحد طلبته عن أصول هذا الكتاب الذي يشهدها درس أستاذه الشاري فقال: قرأت عليه بالجامع الأعظم بسبتة كتاب الجامع الصحيح للبخاري في أصلي العتيق منه بخط أبي الوليد بن الدباغ، وقراءته على الصدفي وغيره، وأمسك على حين القراءة أصل أبي بكر بن خير، رواية أبي ذر الذي بخط أبيه رحمهما الله، وبمعاناة أبي بكر وتصحيحه، وأحضر حين القراءة أصولا عتيقة، منها أصل الأصيلي، وأصل أبي القاسم بن ورد، والقابسي وغيرها.

– ومن فوائد الدرس الحديثي في سبتة:

– أ: فائدة ثبت السماع، وهو أعلى درجات التحمل.

– ب: تصحيح الأوهام التي قد تحدث عند الرواية أو القراءة

ج: الاطلاع على الفروق المختلفة بين الروايات وما لها من أثر في الدراية.

فالدرس الحديثي في سبتة يقوم على مجموعة من المميزات أذكر منها:

– أ: الإبداع وعدم التكرار باعتبار جودة كتب الدرس الحديثي، وجودة النسخ النفسية.

– ب: الانفراد التفرد في المنهج.

– ج: الاعتماد على أصول عتيقة بخط أصحابها مما يزيد نفاسة في الضبط والاتقان .

كما أن الدرس الحديثي اهتم بالدراية :

وقد أكد لنا ذلك الشيخ الأستاذ الفقيه الفصيح المتفنن أبو عبد الله محمد بن محمد بن فرج بن عياد الأموي القرشي. حيث قال: قرأت عليه جميع كتاب الموطأ الإمام مالك بن أنس رحمه الله قراءة تفقه في ألفاظه وتفهم لمعانيه وتقرير لما يتعلق به من أصول الفقه وحدثني به عن الشيخ الخطيب المصقاع شيخ الجماعة وأحد وزراء الحضرة أبي عبد الله محمد بن يوسف اليحصبي اللوشي سماعا عليه بقراءة والده رحمهما الله عن الأستاذ الجليل خاتمة المحدثين بالمغرب أبي جعفر بن الزبير الثقفي العاصمي عن الشيخ أبي الحسن الشاري قراءة عليه لجميعه.

وممن كان يحضر مجالس السماع أم المجد مريم بنت الشاري.

وحفيد الشاري يحي بن أبي عبد الله محمد بن محمد البطرني…

وقد أجاز لبعض طلبته منهم محمد بن عيسى بن النصر محمد بن عيسى بن مع النصر بن ابراهيم بن دوناس بن زكرياء بن سعيد بن محمد بن حبيب بن علي بن المنصور بن سليمان نزيل بلد بني مومنان من حوز فندلاوة عمل فاس يكنى أبا عبد الله وأجاز له أبو محمد بن حوط الله وأبو عبد الله الشاري.

– توج هذا الدرس الحديثي في حرم الجامع الأعظم بسبتة والذي تحولت خزانته إلى المدرسة الشارية ولعلها الآن هي سيدي امبارك حسب إفادة أحد رجال العلم والمعرفة بسبتة.

خامسا: بناء المدرسة العلمية لأبي الحسن الشاري

أنشئت أول مدرسة تعزى إلى عالم محدث هو أبو الحسن الشاري، وقد نسبها له صاحب اختصار الأخبار بقوله: “مدرسة الشيخ المحدث الراوية المعتني بالعلم وأهله، المنفق ماله في نشره واقتناء كتبه، أعجوبة زمانه في وقته أبي الحسن الشاري الغافقي السبتي.

أسست المدرسة الشارية سنة 635هـ في السنة التي ثار أهل سبتة على أميرهم اليانشتي، وبايعوا الرشيد الموحدي. وقد اتجهت الأعين نحو أبي الحسن الشاري ترشحه للإمارة غير أن الرجل كان منصرفا للعلم بالكلية . حيث بنى مدرسته وقعد بها لتروية الحديث وإسماعه بعد إكمالها في رجب خمس وثلاثين وستمائة. وكثر الأخذ بها عنه واستمر على ذلك مدة….

وبذلك كانت المدرسة الشارية مدرسة حديث بالمقام الأول إضافة إلى مواد أخرى.

ومما وقفنا عليه في ترجمته أنه وصف بالتزام السنة، وكان سنيا منافرا لأهل البدع على كل الأصعدة العلمية العقدية والعملية مما يطبع توجه الرجل ومنهجه في الدرس الحديثي الذي يجمع بين التنظير والتطبيق. يؤكد هذا المنحى الأديب أبو الحسن بن إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل الأغماتي بقوله فيما يتعلق بالتصوف

السني:

ولم يعر من كتب التصوف جمعها… ولكن مما بالكتاب تقيدا

وفيما يتعلق بأفكار المناطقة الضالة وسواهم قال:

بحسبك عند الله ذكرا مكرما… معاداة من في الدين ضل وألحدا

مما جعل التوجه الفكري في تلك المرحلة في سبتة أن يكون سنيا في الفقه، ومتصوفا سنيا في السلوك. لأن أبا الحسن الشاري كان مطاعا… وحين رأى مداراة ملك مراكش يحيى بن عبد الواحد يدل على تمليك سبتة لصاحب إفريقية، اتخذ موقفا مخالفا حين أراد لمدينته سبتة أن تظل متمسكة بمغربيتها فكلفه ذلك إخراجه من بلده .

الكتاب: السنة النبوية في سبتة العالمة

الكاتب: د. عبد الهادي الخمليشي: أستاذ بدار الحديث الحسنية بالرباط وعضو المجلس العلمي لعمالة المضيق الفنيدق

(بريس تطوان)

يتبع..

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *