في ظل التقدم العلمي والتكنولوجي الذي يشهده العالم، تتزايد التحديات التي تطرأ على صحة الإنسان وسلامته. ومن بين هذه التحديات، يبرز القلق المتزايد حول استخدام مواد كيميائية في تصنيع المواد الغذائية والتعبئة والتغليف، ما يفتح بابًا للتساؤلات حول تأثيرات هذه المواد على صحة المستهلكين. وفي هذا السياق، تعتبر المواد الكيميائية المشبعة بالفلور ألكيل المعروفة باختصار (PFAS)، التي تصبح سامة عند تجاوزها للكميات المحددة، محط اهتمام علمي وصحي كبير.
ويأتي هذا التحذير في ظل التقرير الذي قدمته الجمعية المغربية للصحة والبيئة واليقظة ضد السموم، بالتعاون مع شبكة IPEN الدولية وعدة دول أخرى، حول وجود مواد PFAS الكيميائية في عبوات بعض المواد الغذائية في المغرب.
ويثير هذا الاكتشاف قلقًا حقيقيًا بشأن الآثار الصحية لهذه المواد على المواطنين، ويطرح تحديات كبيرة تتعلق بضرورة تحسين مراقبة المواد الكيميائية المستخدمة في قطاع الغذاء.
إن استمرار استهلاك المواد المعبأة بهذه المواد ينذر بتأثيرات صحية خطيرة، ولذلك يأتي دور الحكومات والوكالات الصحية في فرض حظر عالمي على استخدام هذه المواد، والعمل على تشديد الرقابة وفحص سلامة الأغذية. ويتطلب الأمر أيضًا توعية المواطنين حول خطورة هذه الممارسات وضرورة اتباع نمط غذائي صحي وآمن.
وفي هذا الإطار، قال البروفسور جعفر هيكل، الاختصاصي في الطب الوقائي، إن هناك 4700 مادة تصبح سامة عندما يتم استعمالها بكميات ومعايير وظروف تفوق المعايير المسموحة المحددة لحماية صحة المواطنين.
وأوضح جعفر هيكل، في تصريح لأحد المواقع الإلكترونية، أن هذه المواد المعروفة التي تتجاوز 4700 مادة، تستوجب على المواطنين التعامل بحذر عند التحضير للأكل أو شراء مواد غدائية أخرى محضرة أو معلبة.
وكشفت الدراسة التي أجرتها الجمعية المغربية للصحة والبيئة واليقظة ضد السموم، بشراكة مع الشبكة الدولية للقضاء على الملوثات وغيرها من البلدان الأعضاء في IPEN، عن وجود مواد كيميائية سامة في بعض عبوات المواد الغذائية في المغرب.
وأكدت الدراسة أن استهلاك “PFAS” على نطاق واسع في تغليف المواد الغذائية وأدوات المائدة ذات الاستخدام الواحد خاصة للوجبات السريعة بالمغرب يعرض الناس لمخاطر صحية عند تناولهم الأطعمة المعبأة بها.
وأوضحت الشبكة الدولية للقضاء على الملوثات أن صناعة الأغذية تحتاج إلى التخلص التدريجي بسرعة من “PFAS”، مضيفة أن الحكومات يستوجب عليها التحرك بسرعة نحو فرض حظر عالمي على هذه المادة لوقف الإطلاقات البيئية والتعرض البشري لها، وألحّت على البدء في فحص سلامة الأغذية في عبوات المواد الغذائية من حيث المواد المضافة، وخاصة الملوثات العضوية الثابتة.
وتم شراء 119 عينة تعبئة من مختلف الدول المشاركة في الدراسة وإرسالها إلى نفس المختبر لفحصها، وجاءت العينات من تونس ومصر والأردن والكويت والمغرب والعراق والجبل الأسود وجامايكا والمكسيك والأرجنتين وبنين وزامبيا والكاميرون والفلبين وتايوان ونيبال والهند…
وأفادت الدراسة ذاتها، أن 53.8 في المئة من العينات التي تم اختبارها تحتوي على “PFAS”، الذي غالبا ما يستخدم لصنع الورق المقوى، إضافة إلى عبوات البرغر والبطاطس المقلية مقاومة للدهون.
كما تم إجراء اختبار لـ 58 PFAS محددًا والفلور العضوي القابل للاستخراج (EOF). وتبين أنه من بين 119 عينة تم اختبارها، كانت 64 (53.8٪) تحتوي على PFAS أو بها مستويات EOF تشير إلى وجود PFAS.
وفي هذا السياق، أكد البروفيسور جعفر هيكل أن نمط عيش المجتمع المغربي من حيت تغذيته، المعروف باستهلاك مواد غذائية معلبة ومغلفة بالمادة المذكورة في الدراسة، مضيفا أنه في بعض الأحيان يجب أن نجدد الاعتراف أن الكثير من المواد المستهلكة، الغذائية وغير الغذائية، تكون لها علاقة بهذه المواد السامة.
وبالرجوع إلى الدراسة التي اعتبرت أن الوجبات السريعة تحظى بشعبية كبيرة لاسيما بين الشباب، يمكن أن تعطل “PFAS” الهرمونات الطبيعية للجسم، بحيث يمثل هذا مصدر قلق كبير لاحتمال تأثيره السلبي على صحة الشباب في الفترات الحرجة من النمو. وذكرت أن هذه المادة تستخدم في تغليف المواد الغذائية وأدوات المائدة ذات الاستخدام الواحد خاصة للوجبات السريعة، ويتعرض الناس للخطر عندما يتناولون الأطعمة المعبأة فيها.
وفي هذا السياق، حذر البروفيسور جعفر هيكل من بقاء المواد الغذائية المغلفة بمعلبات تحتوي على مواد كيميائية لمدة طويلة، مؤكدا ضرورة توعية المواطنين وتحسيسهم بخطورة المواد الغذائية المستعملة في تعليب وتغليف السلع والمنتوجات.
وقال البروفيسور : ”يجب أن نفسر للمواطنين أن أحسن أكل هو الأكل الطبيعي، الذي يشمل مواد غدائية طبيعية تطبخ في نفس الوقت ولا تبقى مدة طويلة مغلفة بمواد أخرى”.
وأضاف أن جميع الوكالات الأوروبية والأمريكية والكندية وحتى المغربية، تشتغل لتوفر المراقبة الجيدة للمواد التي تستعمل في الأكل و مستحضرات التجميل “les produits cosmétique”، وأيضا المواد التي تستعمل لتغليف المواد الغدائية. موضحا أن اليوم تشتغل العديد من منظمات الصحة والتغدية على المراقبة الجيدة على الصعيدين الوطني والدولي لتفادي خطورة هذه المواد على الصحة.
وخلص إلى أن استمرار المراقبة والإجراءات القانونية، تقلل مع المدة من استعمال هذه المواد المعروفة التي تشكل خطرا على الصحة، ليتم إيقاف استعمالها حماية لصحة المواطنين، خاصة عندما تتبين أن كمية مواد “PFAS” أكثر من الكميات المحددة للاستعمال.
يشار إلى أن المواد الكيميائية المشبعة بالفلور ألكيل المعروفة باختصار (PFAS) عبارة عن مجموعة تضم أكثر من 4700 مادة كيميائية من صنع الإنسان تستخدم على نطاق واسع وتتراكم بمرور الوقت في البشر والبيئة، و تُعرف باسم “المواد الكيميائية إلى الأبد” لأنها شديدة الثبات في البيئة وفي الجسم، و يمكن أن تؤدي إلى مشاكل صحية مثل تلف الكبد وأمراض الغدة الدرقية والسمنة ومشاكل الخصوبة إضافة إلى السرطان.
كما أن PFAS “مواد كيميائية إلى الأبد” تسمى بذلك على وجه التحديد بسبب مقاومتها غير العادية للتحلل، وبالتالي فهي تلوث الماء والتربة إلى الأبد، لتنتقل منها إلى الإنسان عن طريق الغذاء.
Laisser un commentaire