المرحلة الإستعمارية الأولى.. حرب تطوان بين المضيق ومخيم الجوع

خمسون الف جندي اسباني، يقودهم الجنرال “بريم”PRIM” القائد العسكري لمدينة سبتة تحت رئاسة الضابط “أودونيل” خرجوا من مدينة سبتة في نونبر 1859 يمتطون خيولهم، ويجرون معداتهم العسكرية، ومؤنهم الغذائية في اتجاه تطوان لشن الحرب عليها وإحتلالها إثر هجوم بعض أهالي قبيلة أنجرة على موقع عسكري بمدينة سبتة وإحراق العلم الإسباني، وبسبب ذلك تأزمت العلاقات المغربية الإسبانية في أواخر عهد السلطان مولاي عبد الرحمان الذي كان ملازما لفراش الموت من مرض، استغلت إسبانيا الظرف، ففرضت شروطا على المغرب لتفادي الحرب، منها تسليم الأشخاص الذين قاموا بمس السيادة الإسبانية وحرق العلم الإسباني وإحتلال المعسكر، للتشهير بهم علانية في الساحة العمومية ومعاقبتهم، وتقديم إعتذار رسمي لإسبانيا على هذه الواقعة، بالفعل قدم المغرب إعتذاره وواعد إسبانيا بإلقاء القبض على الأشخاص الذين أنزلوا العلم الإسباني ومحاكمتهم في المغرب، لكون منطقة أنجرة في تلك الفترة عدت من بلاد السيبة غير خاضعة لسلطة المخزن.

بخروج الجيش الإسباني من سبتة بهذا العدد الهائل من الجنود الذين دفعتهم عصبية الكنيسة الكاثوليكية إلى الحرب، حاصرته قبائل المنطقة، وفتكت ببعضهم وفرت إلى الجبال، فاضطر أن يحط رحاله قرب منطقة وادي أسمير في يوم عاصف من الأرباح والأمواج العالية، وضرب خيامه، وبقي خمسة أيام وهو يعاني من العواصف وهيجان البحر، ونفذ الزاد والمؤن وابتل تبن البغال والخيول وجرفتها مياه الأمطار، وبقي المخيم معرضا لهذه الموجة القاتلة، فاشتد الجوع، وأصيب أغلب الجنود بمرض الطاعون، وعجز الجنرال بريم عن إسعافهم أمام هيجان البحر وخطورة مسالكه إلى البر بالسفن الحربية، إلى أن هدأت العواصف، وتم انقاذ ما تبقى من العساكر والخيول، وحمل المرضى والموتى إلى مدينة سبتة للعلاج أو الدفن.

مخيم الجوع في الصحافة الإسبانية، والقلم يشير إلى المداد الذي أريق في هذه النكبة، في مختلف الأروقة الإعلامية والسياسية والاجتماعية في إسبانيا وأوربا.

هذه الصورة الحية لمخيم الجوع بمنطقة أسمير، التي عاشتها جيوش اودونييل، قبل إحتلال تطوان، هي ذاكرة إفريقية في التاريخ الإسباني العسكري والمدني أكير كارثة، مرت بها حروب إسبانيا خارج البلاد، كتب عنها بتفصيل مؤرخ الجيش الإسباني PEDRO ANTONIO DE ALARCÓN (1833 – 1891) الذي صاحب الجيش إلى تطوان، وعاش الحدث، رواه بتفصيل في الفصل 24 من كتابه DIARIO DE UN TESTIGO DE LA GUERRA DE ÁFRICA ناقلا مشاهد الحرب ورسم ساحات المعارك يقول بعد ترجمة بعض الفقرات:

“وفي 12 دجنبر 1859 وصلت مدينة سبتة مع الفوج الثالث الذي يرأسه الجنرال “انطونيو روس دي ألانو” أي قرابة شهرين من القتال بنواحي سبتة، كان يحكمها عسكريا الجنرال “بريم” سبق له أن إحتل جزءاً صغيرا من قرية الفنيدق على مشارف سبتة لبناء مخيم عسكري بها استعدادا لإحتلال مدينة تطوان، وجرت بها معارك قبل الإحتلال من طرف رجال قبائل أنجرة التي تحد بالقرية كبدتها خسائر في الأرواح والعتاد وخاضوا أيضا معارك متتالية مع الإسبان كلما تقدم في اتجاه تطوان على الساحل المتوسطي، فكانت معارك أخرى إستغرقت عدة أيام من القتال بجانب “وادي أسمير” الذي أصبح يعرف ب”مخيم الجوع” على جنب هذا الوادي، تعرض لمجاعة أكثر

من أسبوع بسبب الرياح والعواصف وهيجان البحر المتوسط الذي حالت أمواجه عن الاتصال بالجيوش المرابطة هناك أو وصول الامدادات من مدينة سبتة، ولم يبق بالمخيم العسكري أية مواد غذائية أو طبية التي كانت تصلهم عبرر البحر وانتشر مرض الكوليرا تسبب في مقتل عدد كبير من الجنود وصل إلى أكثر من 2000 جنديو أكثر من 5000 مصاب.

ولما هدأت العواصف بدأالجيش الإسباني يتقدم ببطئ حتى اقترب من كابو نيكرو وبالضبط القرية التي تسمى اليوم “الرينكون” أو المضيق يقول الكاتب دي الاركون في يومياته، “هي قرية مسالمة صغيرة بحجم عش طائر خالية أو شبه خالية، رجالها منتشرون على قمم الجبال يحاربون، براريك قزديرية متكئة على أربعةجدران من الطوب ومسقفة بالقصب والديس، وساحة مسيجة بالقصب، نوادر من التبن مبعثرة هنا وهناك، بئر مبني من حجر مليئ حتى فمه”.

وبمجرد نزول جيوش الإسبان “الرنكون” انقسم إلى قسمين قسم شق طریقه برا نحو تطوان، من ناحية، فم العليق “وقسم تحرك بحرا عبر كابونيكرو” انتهى النص.

اليوم أصبح مخيم الجوع campo de hambre اسما على علم في الحياة الإجتماعية الإسبانية، وصار علامة تجارية، في الفنادق والمطاعم والمنتزهات المهتمة بالأطعمة الغذائية، وخصوصا المصنفة منها في الأماكن الراقية. وبكل أسف لم يصمد سكان أنجرة في المقاومة واستغلال هذه الفرصة للهيجان البحري وهبوب الأعاصير، لكان تم النصر على هذه الجيوش، وإبادتها، ولم تعد قادرة على الإحتلال الثاني للمغرب.

العنوان: تاريخ مدينة المضيق

الكاتب: النقيب محمد الحبيب الخراز

منشورات هيئة المحامين بتطوان

بريس تطوان

يتبع…

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *