
هسبريس – علي بنهرار
غيّر “زلزال 8 شتنبر” وجه الحياة كليّا بالمناطق المنكوبة التي ضربها، حتى لو ظلت القيم حاضرة وبقوة، ولم تجد “رقصة الأطلس القاسيّة” إلى نفضها أو اقتلاعها سبيلاً. وسيأتي عيد الفطر الأسبوع المقبل ليؤكد “الضبابية” التي بدأت تعتري معيش المنكوبين في ممارسة طقوسهم القديمة، أمام وضع “سعت السلطات بكل الجهود إلى التصدي له، لكن الأثر ظلّ محدوداً بشكل مثير للانتباه”، حسب بعض من أبناء المنطقة.
ويبدو أن الساكنة ستستحضر في ضمائرها “شيئاً من المتنبي”، إذ قال: “بأية حال عدت يا عيد”، بما أن “الكرم الفائق الذي كان يجد تعبيراً موضوعيّا في المناسبات المماثلة يصطدم، هذه المرة، بظروف صعبة وأكثر تعقيداً”، وفق من تحدثوا إلى هسبريس، مؤكدين أن “القيم المتعلقة بالتّرحاب بالجيران لن تغيب عن ممارسة السّاكنة، لكنّها ستكون محدودة أمام غياب ما يثمّنها: الفضاء”.
“عيد ليس كغيره”
محمد بلحسن، منسق تنسيقية منكوبي الزلزال بأمزميز، قال إن “موجة الرياح التي قضّت مضاجع ضحايا الهزة الأرضية بدت تؤكد أن أجواء العيد الذي سنستقبله الأربعاء، وفق أقوى التوقعات، ستكون مغايرة لما دأب سكان هذه المناطق العيش على وقعه في هذه المناسبات عالية الحساسية الدينية”، معتبرا أن “نماذج الاحتفاء ستكون أقل صخباً، حتى لو كانت متفجّرة بلا حدود في دواخل السكان”.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
بلحسن لفت، في تصريح لهسبريس، إلى أن “ما يخلق نوعاً من الضغط هو تأخر إعادة الإعمار بشكل كبير، حتى إن العديد من الدواوير مازالت تواصل إزالة الأنقاض إلى حدود اللحظة”، موضحاً أن “الضغط سينجم، حصريّا، عن عودة العديد من المهاجرين الذين يشتغلون في البيضاء ومراكش وأكادير، وباقي المدن الكبرى، ومعظمهم يتمسّكون بقضاء العيد وسط الشّرط العائلي”.
وتابع المتحدث ذاته: “سيجدُ السكان صعوبة في استقبال الجيران في الخيمة، خصوصاً بعد صلاة العيد التي كانت تعرف زخماً عاليّا من المعايدات والزيارات، وخصوصا أن هذه المناطق تعتبر خزاناً لا ينضب من قيم الترحاب بالآخر، وتقديم كافة أشكال الضيافة له في صبيحة العيد”، مستعجلاً “معالجة هذا الوضع بتسريع إعادة البناء قبل عيد الأضحى لتجنب تكرار هذا السيناريو”.
وأجمل منسق تنسيقية منكوبي الزلزال بأمزميز بأن “الاستقرار ليس شعوراً نهائيّا، بما أن حيرة السّاكنة تواصل التوهّج أمام ما يتيحه الواقع”، مؤكداً أن “السلطات قامت بجهود كبيرة، لكنها مازالت محدودة التّأثير على أرض الواقع، خصوصاً من حيث إعادة البناء، التي هي المطلب الأكثر جدية وراهنية لدى من خرّب الزلزال بيوتهم وجعلها أطلالاً حاضرة في الذاكرة وفي مُتون ما يُحكى للأجيال المقبلة”.
“القيم باقية”
عبد الرحيم آيت حمو، أحد ساكنة دوار “الدوزرو” بإقليم الحوز، قال إن “العيد سيكون بطعم مختلف، رغم أنه مازال يحافظ على الوجود القديم فوق الأرض التي لم يستطع أحد أن يغادرها رغم تداعيات الزلزال المدمّر”، مؤكداً أن “الساكنة تتمسك بقيمها وعاداتها في العيد وتبادل الزيارات، وستكون موجودة، مع أن تعبيرات الضيافة ستشهد تحوّلا ما، من الجانب العملي وليس المبدئي”.
واعتبر آيت حمو، في تصريح لهسبريس، أن “الشعور بالغبطة تجاه من يقضي عيده في بيت إسمنتيّ أو حتى طينيّ، يحفظ الكثير من شروط العيش الكريم، سيكون حيويّا في نفوس الساكنة، ولو بجرعات متباينة”، معتبراً أن “البيوت المتنقّلة التي جرى منحها للمنكوبين هي تدبير إستراتيجي مهم لأجل تسخيرها في هذه المناسبة الدّينية عاليّة الأهمية”، وزاد: “هذه المنازل المتحركة مجرّد حلّ وليست قدراً”.
وذكر المتحدث أن “القيم مازالت حيّة، ومازال كل من يسكن هذا الدوار يشعر بأن بيت الآخر بيته، لأن القيم التضامنية كانت دائما متيقّظة وحاضرة في التعاملات اليومية وفي المشترك الإنساني داخل هذه الدواوير، وقد تفجرت بعد الفاجعة”، لافتاً إلى أن “هذه الحلّة الجديدة التي تستقبل بها الساكنة العيد لا تضمن نوعاً من السعادة، بقدر ما تعكس كثيراً من الشعور بالثقة في الله وبالإيمان بالقضاء والقدر”.
ورغم النفحة التديّنية العالية في لغة الرجل فإنه لم يغفل ما هو مطروح على الأرض، وفي واقع الناس: إعادة الإعمار؛ بحيث تمنى أن يكون هذا “أول عيد وآخر عيد يقضيه المنكوبون في هذه الأوضاع المأساوية، التي ستكون ذكرى أليمة لوضع حياة لا يشبه بقية الناس في الحد الأدنى”، خاتماً بأن “الساكنة حين كانت لها منازل كان لها أفق أصبح أكثر ضيقاً، وهو ما يذكّرنا به عيد الفطر”.
Laisser un commentaire