مأزق الطلبة… هل فعلا ذهب نضال طلبة الطب ضحية غموضهم الخطابي والمطلبي؟

Écrit par

dans

الأحداثعز الدين العلالي

*تقديم*
يمكن بشكل عام اختصار التاريخ البشري في رحلة البحث عن الطعام. ومن هذا المنطلق، نستطيع الجزم بأن الذات التي تتعرض للخذلان والاضطهاد، أو فقط يتم استنزافها في رحلة البحث عن سبل العيش، هي أسوء نماذج الانحدار النوعي، أو بمعنى أكثر شمولا، هي أكثر مظاهر الوجود بشاعة أو انحدارا. وهذا قانون طبيعي، ينطبق على النبات والبشر والحجر، تناسبا مع البيئة الحاضنة والظروف المواكبة.
إن معركة طلبة الطب مع وزارتي الصحة والتعليم العالي، أو الأطباء بصفة عامة، هي تجسيد لهذا القانون التاريخاني للتحول البشري. بمعنى خوض الطلبة لمعركة خاسرة منذ البداية وإحباط تطلعاتهم وأفق انتظاراتهم، سيحولهم إلى وحوش وظيفية، بالمعنى الاجتماعي والأخلاقي والوجودي كذلك، يكرهون الآخر، ويعشقون السيد فقط، ويحتقرون من لا يشاركهم نفس الولاء.

*هل التاريخ يعيد نفسه؟*
بدأت جذور القصة سنة 2019، عندما قام طلبة الطب بإضراب شامل عن الدروس والتداريب الاستشفائية والامتحانات، احتجاجا على توغل القطاع الخاص إلى ميدان التعليم العالي والشغل للطب، بالإضافة إلى جملة من القرارات التي رفضها الطلبة، وكانوا آنذاك تلقوا دعما قويا من طرف الأساتذة الجامعيين لكليات الطب. انتهى الإضراب بمحضر اتفاق ضم نقطة مهمة وهي إشراك التنسيقية CNEM في تعديل السلك الثالث للدراسات الطبية، وتم غض الطرف على إنشاء الكليات الخاصة وإدماج طلبتها في القطاع العام للشغل، في الموقع الذي قررت الدولة أن يساهم الخاص بإنتاج 20٪ من الأطباء.
وننتقل بعد سنتين، حيث ترأس صاحب الجلالة، الملك محمد السادس دام له النصر والتأييد، يوم 25 ماي 2021 بفاس، مراسيم تقديم التقرير العام الذي أعدته اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، واستقبل شكيب بنموسى كرئيس لهذه اللجنة. ومن بين ما تضمنه النموذج التنموي الجديد هو تعميم التغطية الصحية بين المغاربة، والرفع من من عدد الأطباء من أجل الوصول إلى 46 طبيب لكل عشرة آلاف نسمة مطلع سنة 2035.
في فبراير 2022، أعلن الوزيران، وزير الصحة التكنوقراطي خالد آيت الطالب، ووزير التعليم العالي عبد اللطيف الميراوي (المحسوب على حزب الأصالة والمعاصرة، وعضو في اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي منذ دجنبر 2019، ورئيس الوكالة الجامعية للفرنكوفونية ما بين 2013 و2017) الزيادة في أجور الأطباء حسب ما يخوله المؤشر الاستدلالي 509، والرفع من أعداد طلبة الطب ب40٪ من أجل تحقيق إنتاج 8770 خريج سنوي خلال سنة 2030، وتقليص سنوات الدراسة للطب العام إلى 6 سنوات، وهنا قبلت عمادات الكليات والأساتذة الجامعيين بالقرارين الأخيرين وتحملهما المسؤولية التامة باحتضان كل الطلبة في التكوين وتوريث رسالة الطب في المدة المخولة. لكن هذه القرارات الجذرية حالت دون المرور بدون اعتراض هنا وهناك، بالرغم من أن التنسيقية CNEM لم تقم آنذاك بأية معارضة في أرض الواقع باسم جودة التكوين.
في مستهل أكتوبر 2023، بدأت التنسيقية في إصدار بلاغات تشتكي الضبابية في السلك الثالث من الدراسات الطبية، وتحتج على عدم إشراكهم في صياغة هذا السلك. وهنا كانت النقطة المفصلية التي ستجر الطلبة إلى مستنقع مجهول لم يضعها أحد في الاعتبار وفاجأت الجميع. بعدها رفض الوزير ع. الميراوي اجتماعا مع الطلبة، وقدمت التنسيقية ملفا مطلبيا (يفتح الباب للنقد و النقاش) روجت له بين كليات الطب، وصوت لصالحه الجميع.
بعد ذلك في دجنبر 2023، قرر الطلبة الدخول في إضراب شامل للدروس والتداريب الاستشفائية والامتحانات، ثم قام الوزير باجتماع مع التنسيقية وقبل ببعض الشروط، لكنه رفض أن يكون للطلبة الكلمة في مشروع بيداغوجي يخص السلك الثالث للتكوين الطبي. اختار الطلبة الاستمرار في الإضراب الشامل، واختار الوزير تجاهل الجميع.
وهنا بدأ العبث!

*المراهقة النضالية*
كان يوم 14 دجنبر 2023 بمثابة إعلان عن معركة تقودها التنسيقية CNEM ضد الوزارتين الوصيتين وضد النموذج التنموي الجديد. لكن السؤال الذي لم يجب عنه ممثلو الاحتجاج : ما هي الحجج التي سيدعمون بها خطابهم؟ وما هي أوراق الضغط التي سيعتمدون عليها؟ وما هي الجهة سيرتمون إليها من أجل الدعم؟ وما هي التنازلات التي يستطيعون التضحية بها للخروج من الأزمة؟

ظهرت العديد من الأخطاء والهفوات لأعضاء التنسيقية، ليست نتيجة مواجهة لم يشهدها المغرب من قبل، بل بسبب اللانضج السياسي والحماس الزائد والغرور المخادع.
لكي نكون متسلسلين في الطرح المقالي، نبدأ بالملف المطلبي الذي تضمن نقاط خلاف كبرى ضاعت وسط نقاط هامشية. فعوض أن يتم تقديم عريضة واضحة تطالب بثلاث محاور أساسية عن سنوات التكوين الطبي والتعويض عن المهام وأراضي التدريب الاستشفائي، تم غمرها وسط وحل من المسائل الثانوية كمباراة كلية الطب والأطروحة وخدمات داخل المستشفى الجامعي. كل هذا جعل الحكومة تخرج في الإعلام لتقول أنها حققت 45 من أصل 50 مطلب، فإحصائيا هي على صواب، لأنها اختبأت وراء مطالب تافهة لكي تمتنع عن النقاش في النقاط التي أسست لهذا الإضراب الشامل.
ونمر إلى النقطة الجوهرية في هذا الاصطدام، تقليص سنوات التكوين الطبي، هنا التجأت CNEM إلى شعارات هلامية محتشمة، كجودة التكوين، وإضفاء طامع درامي وبكائي على الخطاب لاستعطاف المغاربة لم تقنع أحدا. لكن الإشكال هنا هو إلى أي مدى يحق للطالب، كيف ما كان، أن يقرر من يدخل للكلية، وماذا يدرس، ومتى يتخرج؟ هنا الوزارتين في موقف قوة، لأنه يحق للطلبة الاحتجاج على المشاكل التي يخلقها تعديل بيداغوجي ما، وليس على التعديل بعينه.
ولا ننسى الوقفات الاحتجاجية، فهي أكثر المشاهد كاريكاتورية في هذا كله. فالمقاربة شبه العنيفة للدولة تقابل بشعارات مضحكة لا تخيف أحدا، مع محاولة كل حين إثبات الوطنية (لمن؟ لا نعلم) برفع صور الملك والنشيد الوطني ولافتات عن القيم الوطنية، من أجل الاعتراض على قرارات صادق عليها الملك واختار الحكومة لتنفيذها. ووسط هذه اللوحة الكاريكاتورية، أبان الناطقون باسم الاحتجاج عن هزالة فظيعة حتى في صياغة مداخلات أو الادلاء بتصريحات، تارة معارضون للدولة، وتارة أخرى متسولون لها. فمن يريد أن يعري الواقع، ينبغي أن لايكون مترددا، إما أن يتحلى بالجرأة والشجاعة، فيعريه ويكشفه للناس كما هو، ويكون في مستوى الإثارة والتشويق، الذي تحدثه الشعارات والعناوين، والخلفيات السياسية المتناسقة مع التغيرات والطموحات. أو يغطيه ويستره وينضم للمحافظين على الأوضاع كما هي.

“كان أحمد، الطالب الجامعي، أكثر وعيا بضرورة التغيير وإسقاط شيء ما هو لا يعلمه. شارك منذ البداية بحماس منقطع النظير، ردد كل الشعارات، ابتسم لكل الكاميرات والمتطفلين والمخبرين والفضوليين، ثم قصد بيته مسرعا ليتسمر أمام القنوات الإخبارية في اليوتيوب، كتلميذ ينتظر تنقيط المعلم. لا خبر في وسائل التواصل الاجتماعي، لا في برامج المساء، ولا في الحصاد، ولا في الشريط الإخباري. انتظر لوقت متأخر من الليل من أجل النشرة اليومية، ليسمع بخبر “غير عاجل” عن أناس خرجوا بالمئات، مطالبين باللاشيء! “

وأما عن طريقة الدخول في الإضراب المفتوح، فهي نفسها مشكلة عويصة تظهر مدى قصر النظر عند الجميع. فهي الورقة الوحيدة التي تم إساءة استخدامها. حيث كان يجب البدء بإضرابات قصيرة المدة والتلويح بالاضراب الشامل لقياس مدى استجابة الوزارة، وعدم المغامرة بموسم جامعي لأجل سنة من التكوين، لأن الحصيلة هنا صفر، وإذا سألت أي خبير اقتصادي أنك في صفقة ما ستخسر دولارا واحدا لتراهن على دولار واحد غير مضمون، سيظن أنك فقدت عقلك. هنا فقدت جميع أوراق الضغط، والوزارة ما زالت لم تضغط بشيء، لا سيما بعض التوقيفات وطرد البعض وحرمان الطلبة من المنح.
ووسط هذه اللقطات، لجأت CNEM إلى أحزاب المعارضة من أجل خرجات استعراضية ووصلات تهريجية، جعلت هذه الأحزاب تركب وتستغل الموجة دون فائدة تذكر.

*معضلة النضال*
بعيدا عن الأخطاء التي ارتكبت من طرف ممثلي هذا الإضراب، والتي يمكن غفرانها نظرا لانعدام التجربة، يظل سؤالا واحدا يطرح نفسه : لماذا رفض الوزير ع. الميراوي التفاوض مع طلبة الطب؟
معركة طلبة الطب مع الوزارتين والوصيتين هي مثل جميع المعارك الاجتماعية التي تفرض نفسها في الواقع السياسي، حيث لا يخلو أي حراك اجتماعي دون تسييس واستغلال من طرف جهة ما لمصلحة ما. فطبيعة النظام القائم تجعل كل حراك اجتماعي رهينا لتجاذبات واستقطابات تخدمه، ويؤدي كل منها دوره، فهذا أمر واقع مهما بلغت درجة تجرد الحراك وابتعاده عن نطاقات الجذب والاستقطاب. لذا فحزب العدالة والتنمية كان هو الداعم القوي والخفي للحراك الطلابي لأطباء الغذ، حيث تحول نضال الطلبة من أجل جودة التكوين، إلى صراع بين حزب أقصي ذليلا من الحكومة، حزب البيجيدي، وحزب يشكل الأغلبية الحكومية، حزب البام، بجانب حزب الأحرار. وأي انتصار لطلبة الطب هو بمثابة انتصار لحزب ابنكيران.
والعامل الثاني الذي حال دوم توافق بين الأطراف، هو أن محور الصراع حول مشروع ملكي لإصلاح منظومة الصحة. وهنا الوزير ع. الميراوي يحاول قدر الإمكان تطبيق القرارات الملكية بحذافيرها، وأي إفشال لمساره التنموي سيقابله بالرفض والقمع، ولا رجوع في ذلك.

*نهاية القصة*
بعد تحليل جذور القصة ومنهج الطلبة وطبيعة الصراع، يتضح لنا جليا مستقبل هذا الحراك الطلابي. هنا يمكن القول أن كل العوامل التي سبق ذكرها أدت إلى “بلوكاج” في قطاع التكوين الطبي. فنحن هنا أمام سيناريوهين محتملين؛ السيناريو الأول، هو عودة طلبة الطب إلى مدرجات الكلية – يمكن أن يكون بعد خطوات مهدئة للتصعيد الأخير – دون تحقيق تطلعات الطلبة التي طال انتظارها، خاصة أننا أمام بداية امتحانات الأسدس الثاني، مع طلبة تعبوا من ترقب مصيرهم المجهول. أما السيناريو الثاني، وهو الأسوء، الاستمرار في التصعيد ضد الطلبة والإعلان عن سنة بيضاء، وهذا سيؤدي إلى توسيع الهوة بين الطلبة والوزارتين الوصيتين، بالخصوص إذا استمرت في إعلان التوقيفات والإقصاءات في حقهم، ولا ننسى أن الوزيرين سبق أن صرحا في لقاء صحفي سابق أنها لن تكون سنة سنة بيضاء وإنما سنة مكررة للطلبة، وهنا سيكون الطلبة الذين أعادوا السنة الجامعية من قبل مهددين بالطرد النهائي من مدرجات الكلية.

*الضريبة النفسية*
إن معركة الطب والصيدلة منذ بدايتها فرضت ضريبة نفسية غالية على الجميع. فبعد الدخول في صراع حتم عليه بالفشل، سيكون طالب الطب كائنا مأزوما مخذولا، سيتشكل داخل أوساط كليات الطب كيانا وظيفيا متوحشا، لا يحب أحدا، حتى نفسه، يكره نفسه والآخر، ولن يكون لهم ولاء لأحد أو لشيء، إلا من باب الانتقام الرمزي والتعويض النفسي.
ومن صفتنا طالب طب، مؤمن بحق أي مواطن بالتمدرس، والاحتجاج، والتعبير، نؤكد أن كل التوقيفات والإقصاءات التي طالت زملائي طلبة الطب والصيدلة غير مقبولة ومهينة لنا، فهؤلاء هم أنفسهم ضحية لواقع سياسي معقد. وما معنى أن توقف طالبا عن التكوين الطبي، وترميه لشبح البطالة، وهو الذي كان أملا لأسرته الصغيرة أن يحقق حلما يتمناه الكل، أن يصبح طبيب الغذ، ويؤدي رسالة إنسانية نبيلة. لهذا أدعوا عمادات كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان الطعن في كل القرارات التأديبية التي طالتهم. وأدعوا زملائي طلبة الطب والصيدلة الاحتكام إلى لغة العقل، والانتصار لمسارنا التكويني، بعيدا عن لغة العاطفة والتخوين والشعبوية، وأن تكون هذه المعركة درسا قيما لنا وللأجيال التي ستأتي بعدنا. وخير ما أختم به مقالي قوله تعالى : {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ }

Tags :الصيدلةالطبالميراويايت الطالبهيئة التحرير27 مايو، 2024

إقرأ الخبر من مصدره

Commentaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *