“الصحراء في الفترة المعاصرة من خلال الذاكرة والرصيد الوثائقي” بحث لنيل شهادة الدكتوراة بجامعة ابن زهر أكادير، قدمته الباحثة صفية البشرة، وأشرف عليه الدكتور أحمد الشايخي، تطرق لقضايا من التاريخ المعاصر للصحراء الأطلنتية، عبر إبراز الحركية الاجتماعية والثقافية والسياسية التي طبعت مسار مجال واد نون والساقية الحمراء ووادي الذهب والفاعلين فيها، من مجتمع بدوي ونخب محلية وسلطة مركزية وإدارة استعمارية..
فصول البحث تطرقت إلى محطات وأحداث عرفتها فترة نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين، منها نشاط حركة فكرية وعلمية وسياسية، تزعمها علماء ومجاهدون وقادة كان لهم دور كبير في مواجهة الاستعمار الفرنسي والاسباني بدعم من السلطة المركزية، إضافة إلى دورهم المحوري في تنظيم الحياة الاجتماعية ضمتها وثائق ومخطوطات موزعة بين الأسر وبعض الخزانات العامة.
وتؤكد الباحثة أن “مجتمع البيضان بشكل عام ومنه مجال الصحراء عرف سمات حياة نهضوية دينية وفكرية وعلمية وسياسية انفرد بها عن باقي المجالات المحيطة به، وهي تحتاج لكثير من الجهد لإبرازها والتعريف بها”، مشيرة إلى أن هذا العمل جاء ليميط اللثام عن قضايا من التاريخ المعاصر بالصحراء المغربية، عبر إبراز ديناميات اجتماعية وثقافية وسياسية طبعت مسارها والفاعلين فيها، من مجتمع بدوي ونخب محلية وسلطة مركزية وإدارة استعمارية..
وتضيف البشرة أن ذلك يتم بإبراز التراكم المنجز الذي أعده باحثون من مختلف التخصصات، إضافة إلى تسليط الضوء على وثائق من خزانات محلية ودور أرشيف فرنسية، والاستعانة أيضا بالذاكرة الشعبية عبر جمع الروايات المختلفة التي تحمل كثيرا من الأحداث والوقائع.
واستند البحث على “قراءات عديدة لأهم ما أنجز في الجامعة المغربية، التي همت أبحاث تتصل بالقبيلة والأدب والشعر، والعلماء وشيوخ التصوف، والمقاومة وجيش التحرير، وأخرى حول القراءات العامة التركيبية، نشرتها مراكز ومختبرات علمية، أو جاءت في شكل أعمال جماعية”.
وتحاول إشكالية وفرضيات البحث “تتبع أحوال مجتمع الصحراء الأطلنتية من واد نون إلى واد الذهب، عبر جمع الروايات، وتحقيق وتخريج الوثائق، وتحليل محطات تاريخية، مرتكزين على المنهج التاريخي والانفتاح على بعض العلوم الأخرى، بحيث قمنا بالوصف والتحليل والدراسة للمواضيع المشار إليها”.
وقسمت البشرة بحثها إلى محاور كبرى، منها مدخل عام تطرقت فيه للإشكالية العامة للبحث، وطبيعة الدراسات المنجزة، إضافة إلى الأهمية التاريخية للصحراء الأطلنتية في مختلف المجالات، وإشعاعها الحضاري.

وتناول الباب الأول، الذي جاء بعنوان “الصحراء المغربية: حركية الإنسان من خلال الوثيقة المكتوبة والشفهية”، تعريفا للمجال، وبعض الدراسات التي أنجزت الوطنية منها والأجنبية، ومظاهر من الحياة الاجتماعية والتنظيمية للقبائل، عبر الإشارة لأعراف قبيلة إزركيين والرقيبات وأولاد بن السباع، وتسليط الضوء على الحياة العلمية والأدبية والفكرية، التي تزعمها أعلام في الفقه والقضاء والتعليم… وقد نشرنا في هذا السياق وثائق همت مواضيع: الفتوى، والزواج والطلاق وتدبير الحياة بين الأفراد والجماعات.
أما الباب الثاني الذي حمل عنوان “دور الصحراويين في حركة المقاومة في مجال سوس والبيضان”، فقد تتبعت فيه الباحثة “مختلف التحولات التي شهدها المغرب وبخاصة الصحراء بعد الضغوط الأجنبية التي انتهت بفرض الحماية، حيث ستنطلق مقاومة مسلحة تزعمتها شخصيات منذ نهاية القرن التاسع عشر، امتدت من بلاد شنقيط إلى شمال البلاد. فقد شارك أعلام من الصحراء في معارك بالجنوب كما مجال سوس ومراكش والريف”.
وسجلت الباحثة اعتمادا على الوثائق المعتمدة، دينامية حركة الشيخ ماء العينين وابنه الشيخ أحمد الهيبة والشيخ مربيه ربه، ومراحل تقدمهم في الجهاد وأسباب تراجعهم، وأشكال تواصلهم مع السلطة المركزية والإدارة الاستعمارية، وقادة من حركة المقاومة، إضافة إلى نشر مخطوط لبانة المجاهدين للشيخ مربيه ربه، الذي حرض فيه على الجهاد ورد النصارى.
وفيما يخص الباب الثالث، فقد عنونته الباحثة بـ”تطور الأوضاع في الصحراء المغربية من مرحلة المقاومة إلى استكمال الوحدة الترابية”، فقد قدمت خلاله الباحثة “نماذج من حركة الجهاد، وتتبع أسباب تراجع هذه الحركة، ومراحل السيطرة الاستعمارية، التي عملت بعد بسط نفوذها على الشروع في تأسيس إدارتها بغية استغلال الثروات”.
ثم انتقلت الباحثة ضمن الباب نفسه إلى “تطور الأوضاع بعد عودة السلطان محمد بن يوسف من المنفى وحصول المغرب على الاستقلال، حيث زارت وفود من مختلف القبائل السلطان لتقديم البيعة والمطالبة بدعم حركة التحرير التي استمرت مع ظهور جيش التحرير، ثم تواصلت بالنضال السياسي السلمي الذي مكن المغرب من استكمال وحدته الترابية”.
وعززت الباحثة دراستها إلى جانب الوثائق المختلفة، بصور تاريخية وبعض الشهادات، كما ختمت ببعض الخلاصات التي تؤكد “أهمية فتح الخزانات الخاصة أمام الباحثين لنشر جزء من محتوياتها التي تلامس مواضيع المعرفة والعلم والتصوف والجهاد… كي لا يطالها الضياع”.
Laisser un commentaire